القوة الناعمة ليست ترفًا – الأسبوع

القوة الناعمة ليست ترفًا – الأسبوع


أمجد عبد الحليم

أمجد عبد الحليم

كثيرًا ما أخبرونا أن القوة الناعمة هي أخطر أسلحة العصر الحديث وأشدها فتكًا بالعقول، وأن الغرب يحاول دائمًا تدمير هويتنا وثقافتنا عن طريق الغزو الفكري لأوطاننا باستخدام قواه الناعمة المؤثرة على وجدان شعوبنا العربية والإسلامية، فماذا تعني القوى الناعمة، وكيف تحولت إلى أشرس الأسلحة عن بُعد ودون إطلاق رصاصة واحدة.. .؟؟

تُعرف القوى الناعمة بأنها القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلًا من الإرغام أو دفع الأموال أو تحريك الجيوش. إنها تشبه قوة المغناطيس الذي يجذب كل ما يقع في محيطه بطريقة فيها من السلاسة والهدوء بل والرقة ما يجعلك تنجذب وتسقط وأنت مسرور بها. بمعنى أن تجعل الآخرين يُعجبون بك ويتطلعون إلى ما تقوم به فيتخذون موقفًا إيجابيًّا من قيمك وأفكارك، وبالتالي تتفق رغباتهم مع رغباتك، فتستطيع التأثير في مصائرهم وهم سعداء راضون، وتحقيق طموحاتك وأهدافك غير المعلنه بكل يسر وسلاسة. فبلدٌ ما قد يكون قويًّا ذا تأثيرٍ في السياسة الدولية لمجرد أن هناك بلدانًا أخرى معجبة بمُثُله وحضارته، وترغب أن تحذو حذوه وتتطلع إلى مستواه من الازدهار والانفتاح، وبالتالي لا بديل لها سوى أن تتبعه دون تفكير أو دراسة لمدى ملاءمة هذا النهج أو أسلوب الحياة لشعوبها وقيمهم الأصيلة.

ولا تقتصر القوة الناعمة فقط على كون الدولة متقدمةً عسكريًّا واقتصاديًّا، وإنما هناك أشكال أخرى كثيرة للجذب، فمثلًا تملك أميركا حوالي 62% من أهم العلامات التجارية في العالم للملابس والأجهزة والعطور وغيرها، كما أن بها حوالى 28% من جميع الطلاب الدارسين خارج بلادهم، وهي أكثر دولة تستقطب المهاجرين وتنشر الكتب والمؤلَّفات الموسيقية وتُنتج البحوث العلمية، وبالتالي فهي قِبلة كل باحث عن الجديد حول العالم دون مراعاة لمدى توافق هذه الأنماط المعيشية مع تركيبة الشعوب الأخرى النازحة أو المقتدية بأمريكا وأوروبا وثقافة شعوبها.

لقد تغلغلت أفكار من الغرب إلى بلدان الشرق ممزوجة بالطمس المتعمد لهويتنا وقليل من الجهل الناجم أحيانًا عن الفقر وغياب الثقافة المحلية المميزة التي كانت موجودة في حقبة الستينيات وما قبلها في الفن والأدب وشتى العلوم، لتنتج لنا منتَجًا مشوَّهًا لمواطن عربي يحمل ذاكرة السمك لا يذكر الكثير عن ماضيه ولا يعرف مصير مستقبله ولكنه يحتفل بالكريسماس وينتظر يوم الجمعة الأسود ويتسوق في المولات ويرتدي الماركات العالمية ويحمل بين جنبيه الشتات ولا يعرف أهو هنا أم هناك. هو مجذوب بقوة لا يلحظها لكنه يتحرك بناءً عليها على مستوى الأفراد، بل أحيانًا على مستوى الدول. وبالتالي سقطت معظم البلدان العربية والإسلامية تحت سيطرة هذا الغزو الفكري ليبدأ شباب هذه الأمم دونما وعي أو تدقيق في تنفيذ أجندات شيطانية أراد لهم أعداؤهم أن ينفِّذوها وهم يبتسمون معتقدين أنهم على طريق التقدم والرقي الحضاري متشبهين بالغرب السعيد، ولا يدرون أنهم يسطرون بأيديهم نهاية غير سعيدة لأوطانهم العريقة التي سبقتِ الجميع في الفكر والعلم والثقافة، وتناسوا أن الشرق هو مَن علَّم هؤلاء الأمريكان وأبناء الغرب كلَّ علوم الدنيا وحضارتها قديمًا. لكنه الشتات الذي وصلنا إليه بفعل شيطان لعين أسموه بالقوة الناعمة، وإن كان في حقيقته لا يعدو عن كونه استعمارًا جديدًا للشعوب دون تحريك الجيوش أو إنفاق الأموال. فهل نستمر نحن وأبناء هذه الأمة في الانصياع لأوامر شيطان الغرب الناعم بتقليدنا الأعمى لطرق وأنماط حياتية لا تتناسب مع قيمنا ومعتقداتنا الراسخة، أم نفيق قبل فوات الأوان لنؤكد للعالم أننا أذكياء بحكم التاريخ والحضارة وأننا لن نسقط أبدًا في فخ الشتات الفكري ونحاول أن نتشبث قدر الإمكان بقيمنا وأخلاقنا لننجو من الضياع الذي أرادوه لنا؟ فسقوط الفكر يؤدي إلى سقوط كل شيء. حفظ الله شبابنا من هذا الدجال اللعين، وحفظ الله أقطار العروبة والإسلام من ضياع الهوية وفقدان الإرادة وسوء المصير.

Exit mobile version