وقال وليد حجاج، الخبير في أمن المعلومات ومستشار الهيئة العليا للأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، إن هناك أشكالا من الاحتيال تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل “القناع الرقمي”، وهو عبارة عن نسخة مزيفة من الإنسان يتم إنشاؤها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي اعتمادا على الصور والأصوات ومقاطع الفيديو التي ينشرها الشخص بنفسه على الإنترنت.
وأفاد حجاج، المختص في مكافحة “الهاكرز”، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، بأن الهدف من هذه التقنية يتمثل في خداع الضحية وتنفيذ عمليات احتيال أو اختراق لمؤسسات أو أفراد أو حتى دول، بحسب الغرض الذي يسعى المهاجم لتحقيقه.
وأشار إلى أن اكتشاف التزييف في السابق كان أسهل، لكن التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي سمحت للمهاجمين بإنتاج مكالمات ومقاطع فيديو تبدو واقعية إلى حد كبير، عبر تقليد الصوت وتعبيرات الوجه وطريقة الحديث خلال ثوان معدودة.
أزمة الثقة
وأضاف أن خطورة هذه الهجمات تكمن في اعتماد الإنسان بطبيعته على الثقة بما يراه ويسمعه، ما يمنح المهاجم فرصة لاستغلال الجانب النفسي والعاطفي لتحقيق أهدافه، مؤكدا أن الحد الأدنى من الوعي الرقمي بات جزءا أساسيا من الحماية.
ووصف حجاج “القناع الرقمي” بأنه من أخطر التهديدات الحديثة في الأمن السيبراني والهندسة الاجتماعية، خصوصا مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، موضحا أن المهاجمين لم يعودوا بحاجة إلى اختراقات تقنية معقدة بقدر حاجتهم إلى بناء نسخة رقمية مقنعة للشخص المستهدف.
وأوضح أن المهاجم يبدأ بجمع الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية المنشورة على الإنترنت من أجل إنشاء هوية رقمية مزيفة، لافتا إلى أن البيانات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بمثابة “بصمة استخباراتية” يمكن استغلالها لبناء نموذج يحاكي الشخصية المستهدفة بدقة.
وأشار إلى تراجع فعالية وسائل الحماية التقليدية، مثل بعض أساليب المصادقة الثنائية والتحقق الصوتي، بسبب قدرة تقنيات التزييف العميق على تقليد البيانات الشخصية والأصوات، وحتى استغلال الضغوط النفسية لدفع الضحية إلى تسليم رموز التحقق بنفسه.
أساليب الوقاية
ودعا الخبير الأفراد إلى تقليل نشر البيانات الحساسة والمقاطع الصوتية والفيديوهات عالية الجودة على الإنترنت، وتفعيل المصادقة الثنائية، والحذر من المكالمات العاجلة التي تعتمد على التخويف أو الضغط النفسي، إضافة إلى اعتماد وسائل تحقق خاصة داخل الأسرة.
كما دعا المؤسسات إلى تدريب الموظفين على أساليب الهندسة الاجتماعية الحديثة، وعدم الاعتماد الكامل على التحقق الصوتي، وتطبيق مبدأ “زيرو تراست” أو انعدام الثقة المسبقة، إلى جانب استخدام أنظمة كشف المحتوى المزيف.
الجانب النفسي
من جهتها، قالت نيفين حسني، استشارية علم النفس الرقمي ونائبة رئيس لجنة التحول الرقمي وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، إن القناع الرقمي لم يعد مجرد اختراق تقني، بل تحول إلى “اختراق نفسي وعاطفي وإدراكي”.
وأضافت، في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية”، أن الذكاء الاصطناعي بات قادرا على استغلال المشاعر الإنسانية، مثل الخوف والتعاطف والثقة والتسرع والحنين العاطفي، مشيرة إلى أن الضحية غالبا لا تقع في الفخ بسبب ضعف تقني، بل نتيجة الاستجابة العاطفية السريعة.
وأوضحت أن العقل البشري مبرمج بطبيعته على تصديق الوجه المألوف والصوت المعروف، ما يجعل التزييف العميق أكثر خطورة، خاصة مع تحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى أرشيف مفتوح للصور والأصوات والسلوكيات التي تمنح المهاجمين بيانات نفسية وأنماطا سلوكية قابلة للاستغلال.
وحذرت حسني من الآثار النفسية لهذه الجرائم، مثل فقدان الثقة والقلق الرقمي والخوف من التواصل والعزلة الاجتماعية والتوتر العائلي، مؤكدة أن الأطفال والمراهقين يعدون من أكثر الفئات عرضة للتأثر بسبب اندماجهم الرقمي الكبير وصعوبة تمييزهم بين الحقيقي والمزيف.
وأكدت أن الخطر الحقيقي لم يعد يقتصر على تزوير الصوت أو الصورة، بل يمتد إلى فقدان الإنسان ثقته فيما يراه ويسمعه، في ظل قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد الهوية البشرية والمشاعر بدرجة غير مسبوقة.
