صالح أبو مسلم
صالح أبو مسلم
بعد أن شهدت العلاقات الدبلوماسية توترا كبيرا بين فرنسا والجزائر خلال العامين المنصرمين لأسباب سياسية وأمنية، وعلى رأس تلك الأسباب ملف الذاكرة الذي يتمحور حول عدم تقديم الحكومات الفرنسية المتعاقبة بعد استقلال الجزائر عام 1962 اعتذارا رسميا للجزائر عن حقبة الاستعمار، وتداعياتها المأساوية على الجزائريين، وأيضا بسبب تضييق السلطات الأمنية الفرنسية على الجالية الجزائرية الكبيرة بفرنسا، وكل ما يتعلق بملف الترحيل، المعتقلين، ومنح التأشيرات، وقد وصل التضييق في حقبة وزير الداخلية السابق “بورنو روتايو” إلى الشخصيات الدبلوماسية الجزائرية بفرنسا، إذ تم فرض تأشيرات تعسفية على الدبلوماسيين الجزائريين، وغيرها من الملفات الأمنية والاقتصادية التي دفعت بسحب الجزائر لسفيرها بفرنسا، وسحب فرنسا لسفيرها بالجزائر خلال العام 2024، لتصل القطيعة لذروتها بين البلدين، سعت خلالها فرنسا بسبب رموز وقيادات الأحزاب اليمينية المتطرفة لممارسة الكثير من الضغوط السياسية على الجزائر، وبالمقابل، فإن الجزائر ظلت على مواقفها الراسخة الثابتة تجاه كرامتها ومصالحها الوطنية، والتي ترتكز على ثوابت تجاه علاقاتها الخارجية مع كافة الدول، وبرغم من هذا الفتور وتوتر العلاقات بين البلدين، فإن الكثير من رموز الأحزاب اليسارية والمفكرين، والمثقفين الفرنسيين، وجمعيات المجتمع المدني بفرنسا دعوا باستمرار إلى تجاوز تلك الأزمة، والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ليأتي يوم الثامن من مايو الجاري2026 لتشهد العلاقات المتأزمة انفراجه بين البلدين، وذلك حين قامت وزيرة الجيوش الفرنسية ” اليس روفو” بزيارة الجزائر، والمشاركة في احتفالات مدينة “سطيف” لإحياء ذكرى مجزرة الثامن من مايو عام1945، والتي ارتكبها الاستعمار الفرنسي تجاه الجزائريين الذين كانوا يطالبون بالاستقلال في هذا اليوم، ومع تلك الزيارة، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد دعا يوم 27إبريل الماضي بالحفاظ على الطابع الاستراتيجي مع الجزائر، كما دعت فرنسا لعودة السفير الفرنسي “ستيفان روماتيه” إلى الجزائر، واستلام مهامه تزامنا مع زيارة وزيرة الجيوش الفرنسية يوم 8 مايو الماضي، وذلك بعد أن خفضت كلا من فرنسا والجزائر مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى القائم بالأعمال بعد تدهور العلاقات بين البلدين في 30 يوليو من العام 2024، وذلك على إثر اعتراف فرنسا بطرح المغرب المتعلق بتسوية النزاع في الصحراء الغربية الأمر الذي أغضب الجزائر.
وتأتي تلك النقاط الإيجابية كمؤشر إيجابي على عودة الدفء إلى تلك العلاقات الاستراتيجية التي تشترط فيها الجزائر بأن تقوم تلك العلاقات على الاحترام المتبادل، وإقامة علاقات وشراكات موثوق بها، والعمل على خدمة المصالح المشتركة بين البلدين، والتركيز على بدء تلك العلاقات بإطلاق التعاون الأمني والقضائي كخطوة أولى نحو ترميم تلك العلاقات التاريخية بين البلدين، وسرعة حل القضايا القنصلية والأمنية، وكل ما يتعلق بخدمة الجالية الجزائرية بفرنسا.









