وبينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الترويج لاتفاق يصفه بـ”العظيم”، تتكشف، وفق قراءة الكاتب والباحث السياسي إيهاب عباس خلال حديثه إلى التاسعة على سكاي نيوز عربية، فجوة واضحة بين الأهداف التي أعلنتها واشنطن مع بداية الحرب، وبين ما يجري التفاوض حوله فعلياً اليوم.
هرمز يتقدم على النووي
يرى إيهاب عباس أن المشهد الحالي يكشف دوامة سياسية تبدو ملامحها في الأفق، معتبرا أن إدارة ترامب انتقلت عمليا من سقف الأهداف الكبرى التي رفعتها في بداية الحرب إلى التركيز على ملف فتح مضيق هرمز، بوصفه الإنجاز الأبرز الجاري تسويقه حاليا.
ويشير عباس إلى أن المشكلة المرتبطة بالمضيق لم تكن قائمة قبل اندلاع الحرب، معتبرا أن واشنطن باتت اليوم تفاوض على إعادة فتح ممر مائي “لم يكن مغلقا قبل 90 يوما”، مقابل الإفراج عن مليارات الدولارات لإيران.
ووفق توصيفه، فإن الحديث عن تقديم 12 مليار دولار لطهران يجري في مقابل لا شيء، في ظل غياب أي تفاهم واضح بشأن البرنامج النووي الإيراني أو الملفات الأخرى التي سبق أن أعلن ترامب أنها تمثل جوهر المواجهة مع إيران.
ويشدد عباس على أن طهران نفسها لا تزال تنكر التوصل إلى تفاهمات مع واشنطن بشأن الملف النووي، فيما يغيب الحديث بالكامل، بحسب قوله، عن ملف الصواريخ الباليستية أو أذرع إيران الإقليمية، وهي الملفات التي كانت الإدارة الأمريكية قد وضعتها سابقاً ضمن شروطها الأساسية.
أهداف الحرب.. بين المعلن والواقع
وفي تقييمه لنتائج المواجهة حتى الآن، يذهب عباس إلى أن الحديث عن “اتفاق عظيم” يبدو مبالغا فيه، رغم اعتباره أن تثبيت وقف إطلاق النار يمثل بحد ذاته تطورا إيجابيا ينعكس على الاقتصادات المحلية والعالمية والأميركية، من خلال تجنب استمرار الحرب وما يرافقها من اضطرابات.
لكن، وعلى مستوى الأهداف السياسية والاستراتيجية التي أعلنها ترامب في بداية الحرب، يؤكد عباس أن أيا منها لم يتحقق فعليا. فبحسب قراءته، لم يتم حل البرنامج النووي الإيراني، كما لم تحسم مسألة الصواريخ الباليستية، ولم تقطع أذرع إيران الإقليمية كما تعهدت واشنطن سابقا.
ويضيف أن هدفا جديدا “أُضيف جبرا” إلى مسار الحرب، يتمثل في فتح مضيق هرمز، معتبرا أن هذا الملف تحول فجأة إلى العنوان الرئيسي الذي يجري الاحتفاء به سياسيا من قبل ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، رغم أنه لم يكن ضمن الأهداف الأصلية للحرب.
انفراجة اقتصادية.. دون تسوية شاملة
ورغم انتقاداته للمسار التفاوضي، يقر عباس بأن وقف إطلاق النار يحمل آثارا إيجابية على الاقتصاد العالمي، معتبرا أن غياب الحرب يتيح فرصة لتعافي الاقتصادات والأسواق التي تأثرت بالتصعيد العسكري في المنطقة.
ويشير إلى أن استقرار المنطقة يظل هدفا مطلوبا، خصوصا في ظل الإمكانات الاقتصادية والبشرية والاجتماعية التي تمتلكها دول الشرق الأوسط. ووفق رؤيته، فإن المنطقة تملك مقومات تؤهلها لأن تصبح من أبرز مناطق العالم اقتصادياً وتنموياً، إذا ما توفرت بيئة تعاون حقيقي بين دولها.
وفي هذا السياق، يتوقف عباس عند رؤية ترامب المعلنة للمنطقة، معتبرا أن الرئيس الأميركي يطرح تصورا يقوم على تحقيق السلام الإقليمي والعمل المشترك بين مختلف الدول، بما فيها إيران وإسرائيل والدول العربية، بهدف تحويل الشرق الأوسط إلى مساحة تعاون وفرص بدلا من الصراعات.
اتفاقات إبراهام وشروط التطبيع
وفي ما يتعلق بدعوة ترامب السعودية وقطر إلى الانضمام الفوري لاتفاقات إبراهام، يؤكد عباس أن الموقف السعودي يرتبط بضرورة حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه وإقامة دولته.
ويعتبر أن قطر وباكستان تتبنيان المقاربة نفسها، مشيرا إلى أنه لا يعتقد بوجود مشكلة لدى هذه الدول في الدخول ضمن مسار سلام مع إسرائيل، طالما أن إسرائيل تسهل للطرف الآخر الوصول إلى السلام.
ويعكس هذا الطرح، وفق قراءة عباس، أن ملف التطبيع لا يزال مرتبطا بالسياق السياسي الأشمل للقضية الفلسطينية، وليس مجرد جزء من ترتيبات إقليمية منفصلة عن جذور الصراع.
وبين مفاوضات المضيق، وتعقيدات الملف النووي، ومحاولات توسيع اتفاقات إبراهام، تبدو المنطقة، وفق القراءة المطروحة، أمام مرحلة تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالاقتصادية والسياسية، فيما يبقى السؤال الأساسي مطروحاً حول ما إذا كانت التفاهمات الجارية تمثل تسوية حقيقية للصراع، أم مجرد إدارة مؤقتة لتداعياته الأكثر إلحاحا.






