أنا من مواليد صيف 1974. مرحلة فاصلة بين زمن المد القومي، والانفتاح الاقتصادي (!!!)، الذي انزلق تدريجيًا بمصر نحو الغرب منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وحتى 2002، قبل أن ندخل في فترة اضطراب حاد سياسي واجتماعي بين 2011 وصيف 2013، عندما جنحت جماعة الإخوان وتماهت مع عواصم معادية لمصر، فتفاقمت التبعية المؤقتة، غير أن شعبنا ومؤسساته سارعوا بثورة 30 يونيو 2013، لتصحيح المسار.
إعادة الاعتبار إلى مفهوم «السيادة الوطنية»، ومواصلة تعزيزه منذ 2014، لم تكن سهلة نتيجة تحالف وتجبر أطراف المؤامرة، لكن على كل الأحوال، فإن الامتداد الزمني طوال أكثر من 5 عقود عشتها حتى الآن، بما شهده من تحولات كبرى تغيرت فيها طبيعة الدولة، واختلفت أدوات إدارة الشأن العام، ومعها تبدلت صورة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، يجعل التقليد الرسمي لصلاة العيد ملخصًا لعصور رئاسية متباينة التوجهات.
حدث صلاة العيد لم يفقد حضوره في الذاكرة العامة بما يحمله من طابع ديني واجتماعي، ودلالات تتجاوز حدود الشعيرة إلى صورة الدولة نفسها. ظل حاضرًا في كل مرحلة زمنية مرت بها مصر، منذ عهد الزعيم جمال عبد الناصر حتى زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي، بداية من طريقة ظهور رئيس الجمهورية، وصولًا إلى الخطاب الإعلامي والتنظيم الرسمي الذي ظل يعبر عن طبيعة الدولة في كل فترة زمنية، وكيفية تقديمها في المجال العام. ويتتابع هذا المشهد في ذاكرتي كلما أديت صلاة العيد بحضور السيد الرئيس، خلال السنوات الأخيرة.
*
تبدو صلاة العيد في مصر أكبر من مناسبة دينية. منذ عقود، أصبح مشهد الرئيس في صلاة العيد جزءًا من تفاصيل الذاكرة العامة، تراقبه الأسر أمام التلفزيون، تتداوله الصحف. طريقة الحضور لم تكن واحدة، فقد تعددت الصور بين الانضباط، الهيبة، الطابع الشعبي، وأحيانًا الهدوء الإداري أو الحضور الإنساني المباشر. ظلت الصلاة نفسها ثابتة، لكن تغيّر شكل الدولة، لغة الإعلام، ومزاج المجتمع.
القراءات والمشاهدات تُظهر روح صلاة العيد في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. حينها كان صباح العيد يحمل روح زمن مختلف تمامًا. مصر الخارجة من سنوات الملكية والاحتلال، والمندفعة نحو مشروع سياسي واجتماعي كبير، لم تكن تنظر إلى رئيسها باعتباره مسئولًا يدير ملفات يومية، بل قائدًا يَعِدُ بتغيير كبير. كانت في زمن عبد الناصر أقرب إلى صورة الدولة الجديدة وهي تقدم نفسها للمصريين.
المشهد وقتها لم يكن مزدحمًا بالتفاصيل الدقيقة التي بدأ الناس يتابعونها لاحقًا عن الرؤساء. لا كاميرات ترصد كل حركة، لا متابعة فورية لتعبيرات الوجه، ولا مقاطع قصيرة تنتشر خلال دقائق. كانت الصورة: رئيس يصل إلى الصلاة وسط تنظيم رسمي واضح، حضور كبار رجال الدولة، ووجوه تعرف جيدًا أن الرجل الذي يتقدم الصفوف يمثل دولة تريد تثبيت حضورها بعد سنوات عاصفة من التحولات شديدة القسوة.
الرسمية كانت جزءًا أساسيًا من المشهد.صلاة العيد في عهد عبد الناصر بدت امتدادًا لصورة الدولة المركزية القوية. كل شيء مرتب، ومحسوب، وهادئ. لكن وسط هذا الانضباط ظهرت سمة مهمة، فالرئيس القادم من خلفية اجتماعية متوسطة، والضابط الذي لم يحمل ملامح الطبقة الأرستقراطية القديمة، بدا لدى قطاعات واسعة أقرب إلى المصري العادي منه إلى الحاكم البعيد عن الشعب.
لم يكن هذا الاقتراب «شخصيًا» بالمعنى المعروف اليوم. لم يكن الناس يتابعون تفاصيل حياته اليومية. كانت العلاقة أقرب إلى علاقة جمهور بزعيم كبير. المصريون كانوا يرون الرئيس من بعيد نسبيًا، لذلك حملت أجواء صلاة العيد مزيجًا من وقار الدولة من جهة، وشعورًا شعبيًا بالانتماء من جهة أخرى. وبعد الصلاة، لم يكن المشهد ينتهي عند حدود الشعيرة الدينية، إذ كانت المناسبة تتحول إلى مساحة لتأكيد الثقة أو التأييد، خاصة مع ارتباط اسم عبد الناصر بالاستقلال الوطني ومعانٍ كبرى أخرى في زمن المد القومي.
الإعلام لعب دورًا مهمًا في تشكيل تلك الصورة. ظل الراديو حاضرًا بقوة، ثم جاء التلفزيون بصورة محدودة نسبيًا مقارنة بما نعرفه الآن. لم تكن صلاة العيد حدثًا مليئًا باللقطات التفصيلية، بل مشهدًا عامًا يركز على الصورة الكبرى: الرئيس، والدولة، والجمهور. الروح وقتها كانت تتجسد في رئيس يحضر بوصفه قائد مشروع جماعي. الناس كانت تنتظر منه شعورًا بالثقة في زمن مليء بالأحلام الكبيرة.
*
عامل «السن» لم يكن يسمح لي بتقييم روح صلاة العيد في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، راجعت مقاطع فيديو واطلعت على قدر كبير من المعلومات، فتبين لي أنها كانت تتأرجح بين التدين الشعبي ومحاولة جعل الاقتراب من الناس أكثر حضورًا. صورة الرئيس نفسها لم تتغير سياسيًا فقط، بل امتدت إلى التفاصيل التي يلتقطها الناس في المناسبات العامة. جاء بعد الزعيم، عبد الناصر، لكنه لم يرغب في أن يكون نسخة منه، لذلك حملت طريقته في الظهور روحًا مختلفة تمامًا.
أصبحت صلاة العيد أقل رسمية في صورتها العامة، وأكثر قربًا من التدين الشعبي المصري المعروف ببساطته ودفئه. لم يكن المشهد محكومًا فقط بهيبة الدولة القوية، بل دخلت إليه شخصية الرئيس نفسه: طريقة الكلام، الابتسامة، والحضور الذي يميل أحيانًا إلى التلقائية وإظهار المشاعر.. السادات كان يعرف جيدًا أهمية الصورة. لم يكن يحب أن يظهر كرجل محاط بالبروتوكولات، بل كرئيس يمد الجسور مع الناس، ويستخدم أسلوبًا أقرب إلى الحديث المباشر مع المواطنين.
حتى في المناسبات الدينية، بدا حريصًا على أن يترك انطباعًا بأنه قريب من المزاج الشعبي المصري المحافظ، وليس مجرد رئيس يلتزم بالرسميات. لذا حملت صلاة العيد في عهده ملامح مختلفة. لم يظهر فقط كقائد دولة، بل كرئيس يُظهر تدينه الشخصي بشكل أوضح. كانت نقطة مهمة في بناء صورته العامة، لاسيما بعد سنوات ارتبط فيها الحكم في أذهان كثيرين بالخطاب القومي والسياسي أكثر من الملامح الدينية الواضحة التي كانت تظهر في مناسبات عدة، كصلاة العيد.
في زمن السادات، صار الدين حاضرًا بقوة أكبر في المجال العام.. ظهر ذلك حتى في طريقة تناول الإعلام للمناسبات الدينية. صلاة العيد كانت مساحة تحمل إشارات عن هوية المجتمع واتجاه الدولة. الرئيس نفسه كان جزءًا أساسيًا من تلك الإشارات. اللافت أيضًا أنه امتلك قدرة خاصة على تحويل المناسبات العامة إلى مشاهد تحمل طابعًا شخصيًا. كان يفضل المصافحة، الاقتراب، والحديث بنبرة شعبية.. عرف كيف يقدم نفسه بصورة مختلفة عن الحاكم المحافظ.
خلف تلك الأجواء، كانت مصر تمر بسنوات شديدة الصعوبة، عاشت الحرب ثم السلام، والانفتاح الاقتصادي (!!!)، ثم تحولات اجتماعية مثيرة للجدل، وعليه، فقد حمل مشهد صلاة العيد في عهد السادات أحيانًا تناقضات العصر كله: دفء في الصورة، وقلق في خلفية المشهد.هناك من رآه رئيسًا قريبًا من الناس، يعرف كيف يخاطب مشاعرهم الدينية والاجتماعية، ويظهر بينهم بروح بسيطة، وهناك من تعامل بحذر مع الأسلوب، خاصة مع التفاعلات التي صنعت انقسامًا واسعًا داخل المجتمع.
مع ذلك، ظلت صلاة العيد في عهده مختلفة. لم تعد فقط مناسبة تظهر قوة الدولة، بل يظهر فيها الرئيس كشخص يريد أن يقول للمصريين إنه يعرفهم جيدًا: يعرف القرية، المسجد، الشارع، وطبيعة التدين الشعبي الذي ظل حاضرًا بقوة في المجتمع المصري. حتى لغة الجسد كانت مختلفة. السادات بدا أحيانًا كأنه يحاول تقليل المسافة مع الناس، ولو بصريًا على الأقل. ارتبطت صور صلاة العيد في عهده بإحساس عام، من وجهة نظري، أن الرئيس يريد أن يكون أقرب إلى الناس، بصورة مختلفة عما كانت عليه الأجواء في زمن الزعيم جمال عبد الناصر.
*
أرى أن المشهد كله في عهد الرئيس محمد حسني مبارك، رحمه الله، كان يميل إلى الهدوء. أقصد إيقاع الدولة الرتيب حتى في صلاة العيد.مع وصوله إلى الحكم منتصف أكتوبر 1981، دخلت مصر مرحلة مختلفة في الشكل والإيقاع وطبيعة حضور الرئيس في الحياة العامة. الـ30 عامًا التي قضاها في السلطة صنعت نوعًا من الاعتياد، الذي لم يظهر السياسة وحدها، بل حتى في المشهد العام بشكل واضح، وعبرت عنه المناسبات العامة والدينية، كصلاة العيد.
في عهد مبارك، فقدت صلاة العيد جانبًا من الحدة السياسية، أو بمعنى آخر الرمزية الكبيرة التي ظهرت في العهدين السابقين. لم تعد مرتبطة بمشروع ثوري واسع كما حدث زمن الزعيم عبد الناصر، ولا بالحضور الشخصي المتحرك والمليء بالمفاجآت كما كان الحال مع الرئيس السادات. أصبحت أقرب إلى مناسبة مستقرة، هادئة، منظمة بدقة، تعكس طبيعة رئيس يميل إلى الإدارة أكثر من الخطابة، وإلى الاستمرار أكثر من التغيير المفاجئ.
كان مبارك حريصًا على صورة الرئيس المنضبط. حضوره في صلاة العيد اتسم بالهدوء الشديد، الحركة المحسوبة.. طريقة ظهوره بدت امتدادًا لشخصيته العامة: رجل عسكري سابق يفضل الاستقرار. ومع مرور الوقت صار المصريون يعرفون شكل المشهد تقريبًا قبل أن يبدأ: مسجد كبير، حضور رسمي واسع، صفوف منظمة، وكاميرات تنقل صورة مستقرة ومتكررة. وبالنسبة لقطاع من الناس، كان الانتظام يحمل معنى إيجابيًا، الدولة تبدو ثابتة، والرئيس حاضر بهدوء، والمؤسسات تتحرك وفق إيقاع واضح لا يتغير كثيرًا.
لكن قطاعًا آخر رأى المشهد بصورة مختلفة. التكرار الطويل خلق إحساسًا بالجمود لدى البعض، خاصة مع اتساع المسافة تدريجيًا بين مؤسسة الرئاسة والحياة اليومية للمواطنين. لم يكن مبارك رئيسًا يعتمد على الحضور العاطفي المباشر، وفي المناسبات الدينية ظل محافظًا على قدر واضح من الرسمية. كان أقرب إلى رئيس يفضّل أن تتحدث الدولة عنه أكثر مما يتحدث هو عن نفسه، وبالتالي حملت صلاة العيد في عهده طابعًا بروتوكوليًا واضحًا، حتى مع احتفاظها بالهدوء والرسمية المعروفة في المناسبات الرسمية المصرية.
الإعلام كان يلعب دورًا مهمًا في تثبيت تلك الصورة. البث التلفزيوني كان يقدم المناسبة باعتبارها جزءًا من انتظام الدولة واستقرارها. اللقطات كانت محسوبة، والكاميرات لا تبحث كثيرًا عن التفاصيل الإنسانية الصغيرة، بل عن الصورة العامة: الرئيس يؤدي الصلاة، يحيي الحضور، ثم يغادر وسط إجراءات معتادة. لكن لا يمكن اختزال المشهد في الهدوء الكامل، بدا مبارك بالنسبة لشريحة من الرأي العام رئيسًا لا يحب المغامرات، وصلاة العيد نفسها أصبحت امتدادًا لهذا الإحساس: الهدوء، البروتوكول، الاستقرار، والتكرار.
لا مشهد صاخب، ولا حضور عاطفي واضح، بل دولة تحاول أن تبدو مستقرة حتى في أكثر المناسبات قربًا من الناس. غير أن السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك غيّرت طريقة استقبال الناس لهذه المشاهد، تعامل بعض المواطنين مع المناسبات الرسمية، كصلاة العيد، باعتبارها بعيدة عن تفاصيلهم اليومية. الفجوة النفسية اتسعت تدريجيًا، وأصبح كثيرون يريدون رؤية رئيس يبدو أقرب إلى معاناتهم، لا مجرد حاضر في إطار رسمي منظم. صلاة العيد في عهده كانت، إلى حد كبير، آخر مرحلة ظل فيها الرئيس يظهر كرمز رسمي ثابت أكثر من كونه شخصية حاضرة يوميًا في وجدان الناس وتفاصيلهم الصغيرة.
*
مع وصول الرئيس، عبد الفتاح السيسي، إلى الحكم، تغيّر شكل الحضور الرئاسي في المناسبات العامة بصورة واضحة، وربما كانت صلاة العيد من أكثر المشاهد التي يظهر فيها هذا التغيّر، ليس فقط بسبب شخصية الرئيس، بل لأن مصر دخلت زمنًا مختلفًا بالكامل: الكاميرا المفتوحة طوال الوقت، الصورة السريعة، والمواطن الذي يتابع كل تفصيلة ويُصدر حكمه فورًا، إيجابًا أو سلبًا، مهما كانت معطياته!
في عهد الرئيس السيسي، المشهد أصبح أقرب إلى مساحة تختلط فيها السياسة بالمشاعر اليومية. لم يعد ظهوره مقتصرًا على أداء الصلاة والتحية الرسمية، بل صار يحمل تفاصيل صغيرة يتوقف عندها الناس: طريقة المصافحة، التعامل مع الأطفال، أسر الشهداء، الطلبة، القيادات التنفيذية والشعبية، حتى الابتسام وتعبيرات الوجه أصبحت جزءًا من تفاعلات المشهد.
اللافت أن الرئيس السيسي بدا مدركًا منذ البداية أن المواطن المصري تغيّر. الناس لم تعد تكتفي بصورة الرئيس الرسمي الذي يظهر من بعيد ثم يغادر. سرعة الحياة، وتحديات الإقليم وتقاطعاتها مع مصر، جعلت قطاعات واسعة تبحث عن شعور أن من يحكم يعرف حجم ما يعيشه الناس. لذلك، تحمل صلاة العيد طابعًا إنسانيًا أوضح من المراحل السابقة، عبر تفاصيل بسيطة تصل بسرعة إلى الجمهور.
أبناء الشهداء أصبحوا جزءًا شبه ثابت من المشهد الاحتفالي. تكريم رئاسي لأسر من قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن. تفاعل الرئيس، مصافحته، حديثه مع أنجالهم، ابتسامته، ومشاهد توزيع «العيدية» في بعض المرات، كلها لقطات تنتشر بقوة، ليس لأنها جديدة تمامًا على الثقافة المصرية، بل لأنها مرتبطة بفكرة العيد نفسها في وجدان الناس.
هنا يظهر فارق واضح بين عصر وآخر. في زمن عبد الناصر، كانت الجماهير تبحث عن القائد الملهم. وفي زمن مبارك، كان الاهتمام الأكبر لدى كثيرين هو الاستقرار والهدوء. أما في المرحلة الحالية، ومع ما يحيط بالإقليم من تعقيدات وضغوط داخلية وخارجية، فإن جزءًا من الجمهور يبحث أيضًا عن شعور بأن الحضور السياسي ليس بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية.
لغة الرئيس السيسي بعد صلاة العيد تكشف هذا الاتجاه بوضوح. حديثه غالبًا يميل إلى البساطة، الشرح المباشر، ومحاولة طمأنة الناس بتوضيح ما يجري على الأرض من تطورات وإجراءات في ظروف شديدة التعقيد عالميًا وإقليميًا. حين يتحدث عن أزمات صعبة، لا يلجأ إلى لغة سياسية مركبة، بل إلى مفردات قريبة من الكلام اليومي الذي يسمعه المواطن في بيته أو عمله. هذه النبرة الأخوية والأبوية والحضور الإنساني لم تأتِ من فراغ.
مصر في السنوات الأخيرة عاشت ضغوطًا كبيرة، وتحديات مريرة بحكم إرث طويل من التحولات الاقتصادية منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بـ«الثلاثية السوداء» 2011- 2013، ثم إصلاحات اقتصادية قاسية، وتوتر إقليمي، وأزمات عالمية متلاحقة. ومن هنا، فالمناسبات الدينية والاجتماعية مساحة مهمّة لتقريب المسافة النفسية بين المستوى الرسمي والرأي العام، في ظل سيل كثيف من الرسائل المشبوهة عبر مواقع التواصل.
الإعلام الجديد غيّر كثيرًا من شكل التلقي. في السابق، كانت صلاة العيد تظهر عبر لقطات محدودة في نشرات الأخبار، أما الآن فالمقاطع القصيرة تنتشر خلال دقائق، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى مادة للنقاش. أصبحت اللقطة الإنسانية جزءًا أساسيًا من الصورة العامة، سواء كان ذلك مقصودًا أو نتيجة طبيعة الزمن الإعلامي الذي يتغذى على التفاعلات المتواصلة من رواد الشبكات الاجتماعية.
قد تتباين الآراء حول الملفات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية، لكن من الصعب إنكار أن صلاة العيد في عهد الرئيس السيسي حملت شكلًا مختلفًا في العلاقة بين الرئيس والمناسبة نفسها، علاقة تقوم على الاقتراب الإنساني المباشر أكثر من الاكتفاء بالصورة الرسمية التقليدية التي ظلت لسنوات طويلة الشكل الغالب لحضور الرئاسة في الأعياد خلال عقود الجمهورية المصرية بل أصبخت تحظى بالانتشار الفوري عبر آلاف المقاطع والتعليقات والصور المنتشرة خلال دقائق. المشهد لم يعد مغلقًا أو محكومًا بالكامل بالبروتوكول، بل صار مفتوحًا على ردود فعل فورية ومتباينة.
*
السؤال الذي يشغلني: هل تغيّرت صلاة العيد نفسها على المستوى الشعبي؟ حين أتأمل، كمواطن، صور رؤساء مصر السابقين في صلاة العيد عبر العقود، فالمسألة لا تعني فقط اختلاف الأشخاص، بل اختلاف مصر نفسها. الوجوه تتغير، طريقة الحضور تتغير، وحتى المشاعر المرتبطة بالمشهد لم تعد كما كانت. صلاة العيد، رغم ثباتها كشعيرة دينية، تظل دائمًا مساحة هادئة تعكس طبيعة المجتمع وتعاطيه مع القضايا والملفات العامة، في تحول يكشف شيئًا مهمًا عن تغيّر المجتمع المصري نفسه.
لم تعد صلاة العيد مجرد طقس تقليدي ثابت الشكل، بل أصبحت مساحة لقراءة علاقة الناس بالمؤسسات الرسمية. هل الرئيس بعيد أم قريب؟ رسمي أكثر من اللازم أم بسيط أكثر من المعتاد؟ هل يبدو مطمئنًا؟ هل يتحدث بأسلوب سياسي تقليدي أم بطريقة أقرب إلى الحديث اليومي الذي يعكس ما يدور في البيوت المصرية؟ ربما لهذا السبب ظلت صور صلاة العيد حاضرة في الذاكرة المصرية عبر العصور، ليس بسبب الطقس الديني وحده، بل لأنها لحظة قصيرة تكشف ما هو أعمق: كيف أراد كل رئيس أن يراه الناس، وكيف كان المجتمع نفسه يرى رئيسه في كل مرحلة من تاريخ مصر.
نعم، على مدار عقود طويلة تغيّرت وجوه الرؤساء، وتغيّرت معها طريقة حضورهم في صلاة العيد، لكن المشهد نفسه ظل يحمل قيمة خاصة عند المصريين، لأنه يجمع بين ما هو ديني وما هو اجتماعي وما هو سياسي في لحظة واحدة قصيرة، يراها الملايين ويقرأ كل شخص تفاصيلها بطريقته. ربما تكشف هذه الرحلة الطويلة شيئًا مهمًا عن مصر نفسها. المجتمع الذي كان يبحث يومًا عن الزعيم الملهم، عاد لاحقًا يبحث عن الرئيس القريب من الناس، ثم عن الاستقرار، ثم عن الإحساس بأن الدولة ترى تحديات مواطنيها وتتفهمها.
يختلف الناس حول كل عهد، وتتباين المواقف السياسية والاقتصادية بصورة واضحة، لكن تبقى صور صباح العيد جزءًا من ذاكرة المصريين، ذاكرة لا تتوقف فقط عند من صلى في الصف الأول، بل عند الروح التي حملها كل عصر معه إلى ساحة الصلاة. كل عام وحضراتكم، وشعبنا العظيم، وأمتنا العربية من المحيط إلى الخليج بكل الخير. عيدكم مبارك إن شاء الله.









