لا تبدو إسرائيل مقبلة على انتخابات عادية، بل على لحظة اختبار عميقة قد تعيد تعريف شكل السلطة فيها، سواء استمر بنيامين نتنياهو في المشهد أو غادره تحت ضغط السياسة أو صناديق الاقتراع. فالرجل الذي أعاد تشكيل اليمين الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين، يواجه اليوم معادلة أكثر تعقيداً من مجرد منافسة انتخابية تقليدية: أزمة ثقة داخل الائتلاف، وانقسام في المجتمع، وتآكل في القدرة على إنتاج أغلبية مستقرة.
الحكومة الحالية، التي قامت على توازنات دقيقة بين اليمين القومي والأحزاب الدينية، لم تكن يوماً كتلة متماسكة بقدر ما كانت تسوية مؤقتة بين قوى متناقضة. ومع تراكم الخلافات، خصوصاً حول ملف تجنيد “الحريديم” بدأت هذه التناقضات تتحول من صراع مؤجل إلى انفجار سياسي محتمل. فالقضية هنا ليست قانوناً تقنياً، بل سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الدولة: من يتحمل العبء.. .، ومن يُستثنى منه.. ؟
في خلفية هذا المشهد، يقف نتنياهو باعتباره لاعباً مركزياً، لكنه ليس مضمونا كما كان في السابق. فرغم تقدمه في استطلاعات الرأي الفردية، فإن النظام السياسي الإسرائيلي لا يحسم بالزعامة الفردية، بل بقدرة الكتل على بناء ائتلافات معقدة داخل برلمان شديد التشتت. ومن هنا، تصبح الأرقام وحدها غير كافية لصناعة حكومة مستقرة.
المفارقة أن المعارضة بدورها لا تقدم بديلاً واضحاً أو موحداً. فهي خليط من تيارات يمينية ووسطية وشخصيات عسكرية وسياسية سابقة، تتقاطع في هدف إزاحة نتنياهو، لكنها تختلف حول شكل اليوم التالي. حتى الأحزاب التي تُصنف كوسط أو يسار تتبنى اليوم خطاباً أكثر حذراً، متأثرة بتحولات الأمن الإقليمي وما بعد أحداث السابع من أكتوبر، ما جعل الفوارق الأيديولوجية أقل وضوحاً مما كانت عليه في السابق.
في هذا السياق، عاد إلى الواجهة اسم ( نفتالي بينيت ) بوصفه احتمالاً لقيادة مرحلة انتقالية، إلى جانب يائير لابيد، بينما يبرز قادة عسكريون سابقون كلاعبين جدد يحاولون استثمار حالة الإرهاق الشعبي من الطبقة السياسية التقليدية. لكن هذه الشخصيات، رغم حضورها الإعلامي، لا تزال تواجه سؤال الشرعية السياسية القادرة على بناء أغلبية حاكمة.
أما الأحزاب العربية داخل إسرائيل، فتبقى جزءاً أساسياً من المعادلة العددية، لكنها خارج الحسابات السياسية الفعلية عند معظم الكتل الصهيونية، ما يخلق مفارقة بنيوية تمنع تشكيل أغلبية بديلة رغم إمكانية ذلك حسابياً. وهذه العقدة تحديداً هي ما يبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار حالة الجمود السياسي.
في الجوهر، لا يتعلق السؤال الإسرائيلي اليوم بمن سيهزم نتنياهو، بل بما إذا كانت إسرائيل نفسها قادرة على إنتاج بديل سياسي متماسك. فحتى في حال تراجعه، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن البديل المحتمل لن يكون انقلاباً أيديولوجياً، بل إعادة تدوير لليمين بصيغة أقل حدة وأكثر براجماتية، دون تغيير جذري في الملفات الكبرى، وعلى رأسها العلاقة مع الفلسطينيين.
المؤشرات كلها توحي بأن المرحلة المقبلة، إن جاءت بدون نتنياهو، لن تكون انتقالاً إلى يسار سياسي أو مشروع سلام، بل إعادة ترتيب داخل البيت اليميني نفسه: تخفيف في الخطاب، تعديل في الأسلوب، وربما إعادة ضبط للعلاقة بين الحكومة والمؤسسات، دون المساس بجوهر السياسات الاستراتيجية.
هكذا تبدو إسرائيل أمام مشهد مفتوح: لا غالب واضح، ولا بديل مكتمل، ولا نهاية محسومة لمرحلة نتنياهو بعد.إنها حالة سيولة سياسية عنوانها الأبرز أن السلطة لم تعد تُحسم بشخص، بل بتوازنات هشة قابلة للانقلاب في أي لحظة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من يحكم بعد نتنياهو؟
بل: أي إسرائيل ستولد من بعده.. .. ، ، ؟
كاتب وباحث متخصص في الجيوسياسية والصراعات الدولية، ، !!









