مقالات

شمس الملوك – الأسبوع

في زمن تحول فيه كل شيء لسباق سريع نحو الترند، وبعيدًا عن صخب السوشيال ميديا، والفيديوهات السريعة التي تُستهلك ثم تُنسى، هناك امرأة تجلس كل صباح أمام شرفة تطل على النيل، تحمل في صوتها دفئًا يشبه أصوات الأمهات، يمنحك شعورًا بالأمان والسكينة، لا تقدم شيئًا استثنائيًا، ولا تسعى وراء الأضواء، بل تفتح لنا بابًا صغيرًا، بمجرد تجاوزه تشعر وكأنك تستعيد شيئًا افتقدته وسط زحام الأيام.

الفنانة المعتزلة شمس البارودي، أو «شمس الملوك» كما أصبح اسم حسابها على فيسبوك، أو كما يحب متابعوها أن ينادوها الآن، لم تعد مجرد فنانة معتزلة تظهر للحديث عن الماضي، بل أصبحت حالة إنسانية كاملة، حكاية دافئة يسمعها الناس هربًا من ضغوط الحياة.

لا أعرف كيف حدث الأمر بالتحديد، لكنني كواحد من آلاف المتابعين، أصبحت مرتبطًا بفيديوهاتها بشكل غريب، أستيقظ صباحًا وأنتظر ظهورها بصوتها الهادئ وهي تحكي عن يومها البسيط، كأنها تحكي لنا عن أيامنا نحن، وبالليل، أجد نفسي تلقائيًا أفتح هاتفي منتظرًا فيديو جديدًا منها، كأنها أصبحت جزءًا ثابتًا من يومنا دون أن نشعر.

الغريب أن «شمس الملوك» لا تفعل شيئًا لافتًا بالمعنى المعتاد للسوشيال ميديا، لا كاميرات احترافية، لا إضاءة ولا إعداد مبالغ فيه، فقط امرأة تجلس في بيتها، تطل من شرفتها على النيل، ترصد المراكب وهي تمر بهدوء، وتشارك متابعيها فطورها وكأنها تدعوهم للجلوس معها، تسترجع ذكرياتها مع زوجها الراحل الفنان حسن يوسف بحب لا يزال حيًا، فتشعر أن الغياب أحيانًا لا يطفىء الحب، بل يجعله أكثر صدقًا، وتحكي بعفوية نادرة عن تفاصيل يومها، مستعيدة ما مضى من أيامها، وعن الحياة ببساطتها الأولى.

لكن ربما هنا يكمن السر، الناس لم تعد تبحث فقط عن الإبهار، الناس أصبحت تبحث عن الطمأنينة، فبيت شمس البارودي نفسه يبدو وكأنه قطعة محفوظة من الزمن الجميل، «العفش القديم»، الموبيليا الكلاسيكية، التفاصيل التي تحمل روح السنين، كلها تمنحك إحساسًا بأن البيت ما زال محتفظًا بروح حسن يوسف وذكرياته، وكأنه لم يغب تمامًا، بل لا يزال حاضرًا في كل زوايا المكان، وفي الحكايات التي ترويها عنه بحب هادئ بعيد عن التصنع، وهي تسميه دائمًا «حبيب قلبي».

ورغم أنها يمكنها تغيير ديكور منزلها بالكامل ومجاراة البيوت الحديثة، إلا أنها تركت كل شيء كما هو تقريبًا، كأنها تؤمن أن بعض الأماكن لا تمس لأن الذكريات التي تسكنها أكبر من أي تجديد.

وبينما تتحرك بكاميرا هاتفها بين أركان بيتها، تشعر أن الزمن نفسه أصبح أبطأ قليلًا، لا شيء مصطنع، لا ترتيب مبالغ فيه لإبهار الناس، فقط بيت مصري دافئ عاش سنوات طويلة من الحب والذكريات.

وحين تنادي قططها الصغيرة «زبادي» و«مستكة» و«لوزة»، وكانت «لوزة» القطة المفضلة لدى حسن يوسف وقد تبناها من الساحل الشمالي، تبتسم دون أن تشعر، كأنك في بيت تعرفه منذ سنوات، رغم أنك لم تزوره يومًا.

الأكثر تأثيرًا في تجربتها أنها حين تتحدث عن التزامها واعتزالها الفن، لا تفعل ذلك بمنطق التشدد أو إصدار الأحكام، بل بروح هادئة مليئة بالرضا والسكينة، تقدم نموذجًا مختلفًا للتدين، نموذجًا بسيطًا ووسطيًا ومطمئنًا، بعيدًا عن القسوة والمبالغات، فقط إنسانة حقيقية تعيش يومها كما هو، وتنقل هذا الصدق للناس دون تزييف أو تجميل.

ورغم ما مرت به من ألم الفقد ومرارة الغياب، بعد رحيل ابنها الأصغر عبد الله، وزوجها الفنان حسن يوسف، فإنك تشعر في كلامها برضا عميق بقضاء الله وقدره، تتحدث عن الصلاة والراحة النفسية، وعن رحلتها مع الالتزام كإنسانة وجدت سلامها الداخلي، لا كشخص يريد أن يفرض قناعاته على الآخرين، وربما لهذا السبب أحبها الناس أكثر، لأنهم رأوا فيها صورة للدين بسماحته وهدوئه وإنسانيته.

شمس البارودي لم تقدم محتوى بقدر ما قدمت إحساسًا، إحساس أن الحياة يمكن أن تكون هادئة، وأن الإنسان لا يحتاج دائمًا أن يبهر الناس، يكفي فقط أن يكون صادقًا.

ومن فرط هذا الارتباط الغريب الذي صنعته دون أن تقصد، وجدت نفسي أحيانًا أفكر، ماذا لو ذهبت يومًا فقط لأقف أسفل البلكونة التي تطل منها على النيل؟ لا لالتقاط صورة، ولا لاقتحام خصوصيتها أو فرض نفسي عليها، بل فقط لأرى هذا المكان الحقيقي الذي يخرج منه كل هذا الدفء، ذلك الركن الهادئ الذي أصبح بالنسبة لكثيرين مساحة طمأنينة يومية، وصوتًا ننتظره كأننا نطمئن به على شخص قريب من العائلة.

وربما جمال التجربة كلها أنها صنعت هذا القرب الإنساني الكبير دون أن تعرف معظم من يتعلقون بها، ودون أن تبذل أي محاولة متعمدة لكسبهم، فقط كانت على طبيعتها، فشعر الناس أنها تشبه شيئًا قديمًا وجميلًا افتقدوه طويلًا.

ورغم مرور الزمن، ما زالت تحتفظ شمس البارودي بنفس صوتها الدافئ الجميل الذي عرفها الجمهور به منذ سنوات طويلة، والمفارقة أنها لا تظهر بوجهها في تلك الفيديوهات، ومع ذلك حققت ارتباطًا ومشاهدات كبيرة جدًا، الناس تعلقت بصوتها فقط، بطريقة كلامها، بتلقائيتها، وكأن حضورها الحقيقي ليس في الصورة، بل في الإحساس الذي تتركه داخل كل من يستمع إليها.

وربما لهذا السبب بالتحديد، أصبح كثيرون مثلي ينتظرون فيديوهاتها صباحًا وليلًا، ليس لمتابعة حدث جديد، بل فقط للحصول على جرعة صغيرة من الدفء، بعد اختارت البساطة فدخلت القلوب دون استئذان.

وفي النهاية، لم تكن «شمس الملوك» يومًا مجرد محتوى على السوشيال ميديا، بل كانت لحظة صادقة أثبتت إن الإنسان أحيانًا لا يحتاج أكثر من صوت صادق ليشعر أن العالم أقل قسوة مما نظن.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts