مقالات

من أجل حاجٍ واحد.. تتحرك دولة – الأسبوع

في الوقت الذي تُربك فيه المناسبات الكبرى كثيرًا من دول العالم وتتعثر فيه مدنٌ كاملة أمام حدثٍ رياضي أو تجمعٍ جماهيري محدود تقف المملكة العربية السعودية كل عام أمام أعظم وأكبر وأصعب تجمع بشري على وجه الأرض ثم تديره -بفضل الله- باحترافيةٍ تزداد إبهارًا عامًا بعد عام.

ملايين البشر، عشرات الجنسيات، مئات اللغات، ومشاعر تمتد بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.. والمشاعر المقدسة وسط درجات حرارة مرتفعة وحركة لا تتوقف وتفاصيل إنسانية وأمنية وصحية ولوجستية بالغة التعقيد.

ومع ذلك: يظل الحج في المملكة قصة نجاح تُروى للعالم لا بالضجيج.. بل بالفعل، ولعل ما أكده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله ووفقه- خلال الحفل السنوي الكبير الذي أُقيم خلال الموسم في منى لاستقبال كبار الشخصيات الإسلامية وضيوف خادم الحرمين الشريفين. يلخّص فلسفة المملكة في خدمة الحج والحجاج، حين شدّد سموه على أن المملكة العربية السعودية تواصل تسخير جميع إمكاناتها وطاقاتها لخدمة ضيوف الرحمن.

انطلاقًا من شرف هذه الرسالة العظيمة التي قامت عليها هذه البلاد المباركة منذ عهد الملك المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- وحتى هذا العهد الزاهر.. فلم تكن تلك الكلمات مجرد خطابٍ رسمي.. بل كانت تعبيرًا صادقًا عن نهج دولة ترى في خدمة الحرمين الشريفين والحجاج والمعتمرين مسؤولية تاريخية وشرفًا دينيًا ورسالةً تتجاوز حدود السياسة إلى عمق العقيدة والانتماء.

هذه العناية لم تبدأ اليوم.. بل وُلدت مع هذا الوطن المبارك منذ عهد الملك المؤسس، الذي أدرك منذ البدايات أن خدمة الحرمين الشريفين ليست مسؤولية سياسية فحسب بل أنها شرفٌ ديني.. وتاريخي وإنساني عظيم..

فمنذ توحيد هذه البلاد بدأت رحلة الأمن بعد عقود من الاضطرابات، وتحوّلت طرق الحج من مساراتٍ مرهقة ومحفوفة بالمخاطر إلى طرقٍ آمنة تسير فيها قوافل الحجاج بطمأنينة وأمان..

ثم توالت العهود الزاهرة: الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبد الله وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- حيث دخلت خدمة الحج والعمرة مرحلةً جديدة من التطوير الشامل والرؤية المستقبلية غير المسبوقة.

ولم تعد خدمة الحاج مجرد تنظيمٍ موسمي بل أصبحت منظومة دولة كاملة تعمل على مدار العام وتُدار بأعلى معايير التقنية والإدارة والتخطيط والأمن، والخدمة الإنسانية.. ورغم ما يمر به العالم والمنطقة من أزمات سياسية وتحولات إقليمية ومفاوضات دولية وحروب واضطرابات إلا أن المملكة لم تجعل يومًا تلك الملفات تصرفها عن رسالتها الكبرى في خدمة ضيوف الرحمن.

فهنا بحمد الله: وطنٌ يعرف جيدًا أن شرف خدمة الحاج لا تؤجله الأحداث ولا تُربكه الأزمات.. وكما نشهد ونتابع كل عام تبدأ الاستعدادات لموسم الحج مبكرًا، عبر مراجعات دقيقة وقراءة واعية للتحديات ومعالجة أي ملاحظات وتطوير دائم لكل تفصيل مهما بدا صغيرًا.. وهنا تتجلى عظمة العمل المؤسسي الحقيقي..

فالدولة كلها تتحول إلى «بعثة حج كبرى».. من وزارة الداخلية إلى وزارة الحج والعمرة، إلى الصحة، إلى النقل والخدمات اللوجستية، إلى وزارة الشؤون الإسلامية، إلى الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، إلى الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين، إلى أمانات المدن، إلى الجهات الأمنية والعسكرية إلى آلاف المتطوعين والكشافة والعاملين في الميدان.. الجميع يعمل بروح فريقٍ واحد دفه الأول أن يؤدي الحاج نسكه بأمنٍ وطمأنينة وكرامة.

وفي الجانب الأمني تحديدًا قدّمت المملكة للعالم نموذجًا يُدرّس في إدارة الحشود وحماية الأرواح وتنظيم الحركة البشرية.. ولعل الاستعراض الأمني العسكري الأخير والذي شاهدته عبر القناة السعودية والذي شرّف بحضوره صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية كان رسالة واضحة بحجم الجاهزية والكفاءة والانضباط.. ذلك المشهد لم يكن مجرد عرضٍ عسكري بل إعلان دولةٍ تعرف حجم المسؤولية.

رجال أمن من مختلف القطاعات: الأمن العام، قوات الطوارئ، الدفاع المدني، المرور، الجوازات، الطيران الأمني، القوات الخاصة لأمن الحج والعمرة، والهلال الأحمر.. كلهم يعملون ضمن منظومة دقيقة تُدار باحترافية عالية يقودها رجال آمنوا بأن خدمة الحاج شرفٌ قبل أن تكون مهمة.. وقد حملت كلمات سمو وزير الداخلية معاني كبيرة من الحزم والإنسانية والثقة فيما جاءت كلمة معالي مدير الأمن العام الفريق محمد البسامي لتؤكد حجم الخبرة السعودية المتراكمة في إدارة الحشود وتأمين الحج حتى أصبحت المملكة مرجعًا عالميًا في هذا المجال.

أما وزارة الحج والعمرة فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نموذجٍ متطور في إدارة تجربة الحاج منذ مغادرته بلده وحتى عودته إليه منصات رقمية بطاقات ذكية تطبيقات تقنية إجراءات أكثر سرعة وخدمات تسهّل رحلة الحاج بكل تفاصيلها.

وفي الجانب الصحي: تواصل وزارة الصحة تقديم واحدة من أكبر وأعقد المنظومات الصحية الموسمية في العالم، مستشفيات، ومراكز طبية، وإسعاف جوي، وكوادر تعمل على مدار الساعة، وخطط وقائية وعلاجية متقدمة كل ذلك من أجل سلامة الملايين.

ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي تقوم به وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد عبر برامج التوعية واستضافة ضيوف خادم الحرمين الشريفين من مختلف دول العالم، وما يُقدَّم لهم من رعاية واهتمام يعكس صورة المملكة ورسالتها الإسلامية المعتدلة، كما أن الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين تؤدي رسالة عظيمة في تنظيم الشعائر، وتيسير العبادة، والعناية بالتوجيه والإرشاد والخدمات الدينية داخل الحرمين الشريفين.

وفي كل موسم حج نشاهد كيف تتحول التقنية إلى رحمة: ذكاء اصطناعي، وكاميرات ذكية، وخرائط رقمية، وإدارة دقيقة للتفويج، وقطار المشاعر، وقطار الحرمين، وشبكات نقل حديثة، ومتابعة لحظية لكل التفاصيل، إنها ليست مجرد خدمات، بل هندسة متكاملة لراحة الإنسان، وحين يغادر الحاج إلى بلده قد ينسى أسماء الفنادق والشوارع لكنه لا ينسى أبدًا أنه رأى وطنًا بأكمله يتحرك لخدمته.. يرى رجل الأمن واقفًا تحت الشمس ويرى الطبيب والمتطوع والعامل والمسؤول والمواطن في صورة وطنٍ اختار منذ تأسيسه أن يكون شرفه الأكبر خدمة الإسلام والمسلمين.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يصبح موسم الحج نموذجًا عالميًا تُدرسه الوفود والخبراء والمؤسسات.. ففي الوقت الذي تنجح فيه بعض الدول بإدارة حدثٍ يحضره عشرات الآلاف تدير المملكة حركة ملايين البشر خلال أيام معدودة بكفاءةٍ تزداد تطورًا وخبرةٍ تتراكم ورؤيةٍ لا تتوقف.

إنها قصة وطن.. كلما ظن العالم أنه بلغ ذروة الإبهار قدّمت المملكة ما هو أعظم.. وسيظل الحج بإذن الله شاهدًا للتاريخ.. أن هذه البلاد المباركة لا تحمل شرف الحرمين اسمًا فقط.. بل جعلته عملاً.. وإخلاصاً ورسالةً لا تنتهي.

اقرأ أيضاًالمفتي يهنئ خادم الحرمين الشريفين بنجاح موسم الحج لهذا العام 1447هـ

«إعلامي الوزراء» يسلط الضوء على فوز بعثة الحج المصرية بالدرع الفضي لجائزة «لبّيتم»

بعد انتهاء الحج.. استئناف خدمات إصدار تأشيرات العمرة اعتبارا من اليوم

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts