عن عمر ناهز 104 أعوام، رحل عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا وإنسانيًا عظيمًا. ويُعد موران من آخر رموز جيل الرواد والمفكرين الكبار الذين أثروا الفكر الإنساني المعاصر. فقد عاش إنسانًا ومات إنسانًا، مناصرًا لقضايا الإنسان والإنسانية، ومدافعًا عن قيم الحرية والعدالة والسلام.
كان موران سياسيًا ذا ميول يسارية، وقد انعكس ذلك بوضوح على مسيرته العلمية والأكاديمية، فضلًا عن إنجازاته الفكرية والفلسفية والفنية ومؤلفاته الغزيرة والمتنوعة التي دارت حول الطبيعة البشرية وتعقيداتها. ولهذا اشتهر عالميًا بنظريته المعروفة بـ«الفكر المركب»، التي سعت إلى فهم الظواهر الإنسانية والاجتماعية من منظور شامل ومترابط.
ووفقًا لموسوعة ويكيبيديا، وُلد إدغار موران في الثامن من يوليو عام 1922، وعاش أحداثًا دولية كبرى بسبب عمره المديد، من بينها الحرب العالمية الثانية وما سبقها وما تلاها من تحولات تاريخية. وكان من المعارضين للفاشية خلال فترة الحرب الأهلية الإسبانية، كما ناهض الاستعمار بمختلف أشكاله، وشارك في مقاومة الاحتلال النازي لبلاده فرنسا حتى تحريرها خلال الحرب العالمية الثانية.
كما عُرف بدفاعه المستمر عن حقوق الشعب الفلسطيني، ومساندته لحق الجزائر في نيل استقلالها، ودفاعه عن رموز وقادة المقاومة الجزائرية. ويُحسب له أيضًا مشاركته، وهو في الثالثة بعد المائة من عمره، في الاحتجاجات المناهضة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد تعرض للمحاكمات بسبب مواقفه الرافضة لسياسات إسرائيل، كما انتقد استخدام تهمة «معاداة السامية» لأغراض سياسية، متسائلًا: كيف يمكن لمن تعرضوا للاضطهاد والتعذيب أن يمارسوا جرائم إبادة بحق الشعب الفلسطيني؟
وقد تُرجمت إلى اللغة العربية العديد من مؤلفاته، من بينها: المنهج، والفكر، والمستقبل، ومدخل إلى الفكر المركب، والمعارف الضرورية لتربية المستقبل، وإلى أين يسير العالم؟. ورغم إرثه العلمي والفلسفي الضخم، فقد اشتهر أيضًا بمواقفه الصريحة ومناصرته لقضايا الإنسان وحق الشعوب في التحرر من الاستعمار والهيمنة.
وفي عام 2002، شارك في تأسيس الكلية الدولية للأخلاقيات والسياسة والعلوم، بهدف تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الأخلاقية التي تواجه العالم. وخلال مسيرته الفكرية، تناول وجوه الهمجية المختلفة، من العنصرية والتعصب الديني إلى الاستعمار والأنظمة الشمولية، موضحًا كيف تتشابك هذه الأشكال من العنف والهيمنة مع الاتجاهات التاريخية الكبرى.
وفي كتابه المهم إلى أين يسير العالم؟، رأى أن البشرية، رغم ما حققته من تقدم علمي وتقني هائل، ما تزال غارقة في النزاعات والحروب والصدامات، معتبرًا أننا لا نزال نعيش، من الناحية الأخلاقية والإنسانية، في «العصر الحديدي».
وقد رحل هذا المفكر الكبير بعد أن قال يومًا: «أنا متفائل، أنا متشائم، آمل على أرضية من اليأس». وهي عبارة لخصت بعمق رؤيته للعالم وعلاقته بالحياة، وعكست تأمله الدائم في مصير الإنسان ومستقبل البشرية.
وخلال مراسم تأبينه في باريس، أشادت به المؤسسات العلمية والثقافية الفرنسية، مؤكدة أنه ظل حتى أيامه الأخيرة منصتًا للعالم وللآخرين، ومدافعًا عن القضايا الإنسانية الكبرى التي شغلت فكره وعمره. وأكدت أن الفراغ الذي تركه هائل، غير أن شجاعته ووفاءه للبشرية، إلى جانب صرامته الأخلاقية وحسّه النقدي، ستظل حاضرة ومؤثرة في الأجيال القادمة.
ومع رحيل هؤلاء المفكرين والفلاسفة الكبار الذين أفنوا حياتهم في الدعوة إلى التحلي بالقيم الإنسانية والمثل العليا، ونشر ثقافة المحبة والسلام التي تطمح إليها البشرية عبر العصور، يظل السؤال مطروحًا: هل يتعظ قادة العالم من أفكار هؤلاء المفكرين، ويعملون على الاستفادة من إرثهم الفكري والإنساني من أجل بناء عالم أكثر عدلًا وسلامًا؟









