مقالات

أسد يزور التاريخ – الأسبوع

هل تتذكرون المسلسل الأمريكي الشهير «الجذور» الذي عُرض لأول مرة في مصر خلال فترة الثمانينيات على شاشة التلفزيون المصري؟ لقد حظي بمتابعة جماهيرية واسعة وتفاعل كبير من المشاهدين المصريين مع قصة «كونتا كينتي» ومعاناته مع العبودية، وربما يرجع هذا النجاح الكبير إلى أنه تناول معاناة الأفارقة الذين كانوا يُختطفون من بلادهم ويُنقلون إلى أمريكا ليُباعوا عبيدًا، مقدمًا بذلك مرحلة مهمة من التاريخ الأمريكي.

منذ الإعلان عن فيلم «أسد» ثار كثير من الجدل حول طبيعة القصة التي يقدمها، وحول الصورة التي يرسمها لمصر في القرن التاسع عشر، ومع مشاهدة تفاصيل العمل والتعرف على خطوطه الدرامية الرئيسية، يبرز سؤال مهم: هل نحن أمام عمل يستلهم التاريخ المصري بالفعل، أم أمام محاولة لاستيراد النموذج الأمريكي الخاص بقصص العبودية وإعادة إنتاجه داخل البيئة المصرية؟

إن المتابع للأفلام الأمريكية الشهيرة يكتشف بسهولة أن فيلم «أسد» يقترب في بنيته الدرامية من عدد من الأعمال التي حققت نجاحًا عالميًا، وعلى رأسها مسلسل «جذور» الشهير ب«كونتا كينتي»، الذي قدم قصة العبد الأسود الذي يتمرد على واقعه ويصبح رمزًا للمقاومة والبحث عن الحرية، كما يقترب الفيلم من أعمال أخرى تناولت نماذج من العبيد الذين تحولوا إلى رموز للمقاومة في مواجهة الاستعباد.

والمشكلة ليست في التأثر بأعمال عالمية، فالفن بطبيعته يتأثر ويتفاعل مع التجارب المختلفة، لكن الأزمة تبدأ عندما يتم استيراد نموذج درامي كامل من بيئة تاريخية واجتماعية مختلفة تمامًا، ثم إسقاطه على التاريخ المصري وكأنه يعبر عنه بدقة.

ففي الولايات المتحدة الامريكية كانت العبودية جزءًا محوريًا من تكوين المجتمع الأمريكي لقرون طويلة، وكانت الصراعات المرتبطة بها عنصرًا أساسيًا في تشكيل التاريخ الأمريكي الحديث، لذلك جاءت أعمال مثل «كونتا كينتي» و«جانغو طليقًا» و«12 عامًا من العبودية» لتعالج جرحًا تاريخيًا حقيقيًا وممتدًا داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

أما في فيلم «أسد»، فيبدو وكأن صناع العمل حاولوا نقل هذه الرؤية الأمريكية بحذافيرها إلى مصر، ليصبح المجتمع المصري هو الآخر مجتمعًا تدور هويته الأساسية حول العبودية والعنصرية والصراع بين السادة والعبيد.

وهنا تظهر المشكلة، لأن الفيلم لا يقدم هذه العناصر باعتبارها جزءًا محدودًا من واقع تاريخي معقد، بل يجعلها محور الصورة كلها.

فالمشاهد الذي لا يعرف شيئًا عن تاريخ مصر لن يرى في الفيلم دولة كانت تشهد تحولات سياسية وإدارية وثقافية كبرى، ولن يرى مجتمعًا متعدد الطبقات والتيارات والأفكار، بل سيرى عالمًا منقسمًا بين سادة يمارسون القهر وعبيد يبحثون عن الخلاص، وكأن تاريخ مصر كله قد اختُزل في هذه الثنائية الدرامية البسيطة.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الفيلم يتعامل مع بعض القضايا الاجتماعية والتاريخية بمنطق الدراما الأمريكية الحديثة، لا بمنطق الواقع المصري في القرن التاسع عشر.

ففكرة العبد الذي يتحول إلى رمز شامل للتحرر، وفكرة المجتمع الذي تدور حركته حول الصراع العنصري، وفكرة البطل الفرد الذي يغير التاريخ وحده، كلها عناصر مألوفة في السينما الأمريكية، لكنها غريبة عندما تُطرح باعتبارها التعبير الأصدق عن المجتمع المصري في تلك المرحلة.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الاقتباس من النماذج الأمريكية، بل يمتد إلى تشكيل صورة ذهنية سلبية عن مصر لدى الجمهور غير المصري، وربما حتى لدى بعض المصريين الذين لا يملكون معرفة كافية بتاريخهم.

فالأعمال السينمائية الضخمة لا يشاهدها أبناء البلد فقط، بل تصل إلى جمهور عالمي قد يتعامل معها باعتبارها نافذة على التاريخ الحقيقي. وعندما يرى هذا الجمهور مصر من خلال مشاهد العبودية والقهر والعنصرية، فإن النتيجة الطبيعية هي تكوين صورة مشوهة أو ناقصة عن المجتمع المصري.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: ما الرسالة التي يريد الفيلم تقديمها؟ هل الهدف هو قراءة نقدية للتاريخ؟ أم إثارة الجدل؟ أم تقديم نسخة مصرية من قصص العبودية الأمريكية التي أثبتت نجاحها عالميًا؟

المؤسف أن الفيلم لا يبدو منشغلًا بتقديم إجابات تاريخية أو فكرية عميقة بقدر انشغاله بصناعة صراع درامي قادر على جذب الانتباه. ولذلك تبدو القضايا المطروحة فيه أقرب إلى أدوات درامية منها إلى محاولة جادة لفهم التاريخ أو تفسيره.

إن الفن الحقيقي لا يخشى الاقتراب من المناطق المظلمة في التاريخ، لكنه في الوقت نفسه لا يحول الاستثناء إلى قاعدة، ولا يجعل الجزء ممثلًا للكل، أما عندما يتم اختيار أكثر الجوانب إثارة للجدل وتقديمها باعتبارها الصورة الأساسية لمجتمع كامل، فإننا نكون أمام عمل يغامر بتشكيل وعي الجمهور على أسس غير متوازنة.

ولم يحقق الفيلم النجاح الجماهيري المطلوب، وربما يكون ذلك أحد أسباب رفعه من دور العرض السينمائي. صحيح أنه لفت الأنظار بضخامة إنتاجه ومشاهده الملحمية، لكن يبقى السؤال الأهم: هل خدم الفيلم التاريخ المصري، أم أنه استبدل الرواية المصرية برواية مستوردة من هوليوود؟ وهل قدم قراءة حقيقية جديدة للماضي، أم أعاد إنتاج نموذج «كونتا كينتي» و«جانغو» و«سبارتاكوس» بأسماء مصرية بعيدة عن التاريخ المصري؟

المؤكد أن الجدل الذي أثاره الفيلم لا يتعلق فقط بقيمته الفنية، بل يتعلق أيضًا بالصورة التي يقدمها عن مصر وتاريخها، وهي صورة يرى كثيرون أنها أقرب إلى الخيال الأمريكي منها إلى الواقع المصري.

وتزداد حدة الجدل لأن الفيلم تناول عددًا من النقاط المثيرة للجدل، خاصة ما يتعلق بتقديم بعض الشخصيات النافذة باعتبارها نتاج علاقات بين سادة بيض ونساء من طبقة العبيد، وقد تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى مجرد تفصيلة درامية، لكنها تحمل أبعادًا أبعد من ذلك بكثير، لأنها لا تتعلق بمصير شخصيات داخل العمل فقط، بل تمس الطريقة التي يُعاد بها تقديم المجتمع المصري وتكوينه التاريخي أمام الجمهور.

ففي الأعمال الأمريكية التي تناولت تاريخ العبودية، كثيرًا ما استُخدمت هذه الفكرة للتعبير عن واقع اجتماعي وتاريخي ارتبط بالمجتمع الأمريكي خلال فترات معينة.

أما نقل هذا النموذج إلى السياق المصري دون سند تاريخي واضح داخل العمل، فيجعل الأمر يبدو وكأن الفيلم يستعير الرواية الأمريكية ويُسقطها على مصر، لا باعتبارها حالة استثنائية أو قصة فردية خيالية، بل باعتبارها جزءًا من الصورة العامة للمجتمع.

وهنا تكمن خطورة المعالجة الدرامية، فالمشاهد العادي، وخاصة غير المتخصص في التاريخ، قد يخرج بانطباع مفاده أن المجتمع المصري في تلك الحقبة كان قائمًا بصورة أساسية على علاقات السادة والعبيد، وأن قطاعات واسعة من المصريين تعود أصولها إلى هذا السياق.

وهي رسالة ضمنية تثير كثيرًا من التساؤلات، ليس لأنها تفتح باب النقاش التاريخي، بل لأنها تقدم تصورًا يبتعد عن الفهم الحقيقي للمجتمع المصري وتطوره عبر القرون.

وإذا كان من حق الفن أن يتخيل ويبتكر، فإن من حقنا أيضًا أن نتساءل: أين تنتهي حدود الخيال الفني، وأين تبدأ مسؤولية احترام السياق التاريخي؟ فالفيلم لا يقدم نفسه باعتباره عالمًا خياليًا منفصلًا، بل يستند إلى بيئة مصرية وتفاصيل تاريخية تمنح المشاهد إحساسًا بأنه أمام إعادة تمثيل للماضي.

إن المشكلة الأساسية في «أسد» ليست في تناوله موضوع العبودية ذاته، وإنما في اعتماده على قوالب سردية مستوردة من الدراما الأمريكية، ثم إسقاطها على التاريخ المصري بصورة قد تدفع المتلقي إلى الخلط بين الخيال الدرامي والواقع التاريخي، وبذلك يتحول الفيلم من محاولة لقراءة التاريخ إلى إعادة تشكيله وفق رؤية درامية لا تعكس خصوصية التجربة المصرية.

لذا يجب هنا التمييز بين طبيعة العبودية في الولايات المتحدة وطبيعة أوضاع الرق التي عرفتها مصر خلال فترات تاريخية مختلفة.

ففي الولايات المتحدة كان نظام العبودية قائمًا على أساس اقتصادي واجتماعي متكامل، حيث جرى استقدام ملايين الأفارقة قسرًا للعمل في المزارع، وأصبحت العبودية جزءًا من البنية القانونية والسياسية للدولة والمجتمع، وهو ما أدى لاحقًا إلى صراعات كبرى وحرب أهلية ما زالت آثارها حاضرة في الوعي الأمريكي حتى اليوم.

أما في مصر، فرغم وجود الرق بوصفه ظاهرة تاريخية عرفتها مجتمعات عديدة في العالم القديم والحديث، فإنه لم يكن يمثل الأساس الذي قامت عليه هوية المجتمع المصري أو بنيته الاقتصادية والاجتماعية بالشكل الذي عرفته الولايات المتحدة.

كما أن المجتمع المصري في القرن التاسع عشر كان يعيش تحولات واسعة في مجالات الإدارة والتعليم والجيش والاقتصاد والعلاقات الدولية، وهي تحولات أكثر اتساعًا من اختزالها في ثنائية السادة والعبيد.

ولهذا فإن استنساخ النموذج الدرامي الأمريكي القائم على الصراع المركزي بين السيد الأبيض والعبد الأسود، ثم نقله إلى البيئة المصرية، قد يدفع المشاهد إلى تصور أن التجربتين التاريخيتين كانتا متطابقتين، بينما تؤكد الدراسات التاريخية أن لكل مجتمع ظروفه وسياقاته الخاصة التي لا يجوز إغفالها أو تذويبها داخل قوالب درامية مستوردة – علما بان نظام الرق في مصر لم يقوم على الأفارقة.

ومن هنا تبرز أهمية التفرقة بين الاستلهام الفني المشروع وبين إعادة صياغة التاريخ بما يؤدي إلى خلق صورة ذهنية لا تعكس حقيقة التطور التاريخي للمجتمع المصري.

ويبقى فى النهاية سؤال مهم: هل يحمل الفيلم، ملامح الخطاب الذي تروج له حركة الأفروسنتريك بشأن أصول المصريين والحضارة المصرية؟ وهو تساؤل مشروع في ظل الصورة التي يقدمها العمل للتاريخ والمجتمع المصري.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts