من بين أكثر الروايات شيوعًا حول حرب يونيو 1967 الاعتقاد بأن الضربة الجوية الإسرائيلية التي افتتحت الحرب جاءت مفاجأة كاملة للقيادة المصرية، وأن أحدًا لم يكن يتوقعها أو يحذر منها. غير أن شهادة الفريق صلاح الدين الحديدي، رئيس المحكمة العسكرية العليا التي حاكمت قادة الطيران والدفاع الجوي بعد الحرب، تقدم صورة مختلفة تمامًا.
وقد أدلى الحديدي بهذه الشهادة للكاتب الصحفي هشام عبد الغفار، ونشرتها مجلة «الشباب» في عدد أكتوبر 1991، كاشفًا عن جانب مهم من المناقشات التي سبقت الحرب بأيام قليلة.
في مساء الثاني من يونيو 1967، عقد الرئيس جمال عبد الناصر اجتماعًا موسعًا ضم المشير عبد الحكيم عامر وكبار قادة القوات المسلحة المصرية. كانت المنطقة آنذاك تقف على حافة الانفجار، فيما تتوالى التقارير والتحذيرات التي تشير إلى اقتراب مواجهة عسكرية واسعة.
وخلال الاجتماع أبلغ عبد الناصر الحاضرين بأن المعلومات والتقديرات المتوافرة لديه تشير إلى احتمال قيام إسرائيل بتوجيه ضربة جوية ضد مصر صباح الخامس من يونيو. ولم يكن الحديث يدور حول احتمال بعيد أو مجرد افتراض نظري، بل عن معلومات مؤكدة وصلت إلى القيادة السياسية.
وكانت مصر قد حققت بالفعل أهدافها السياسية الأساسية من خلال سحب قوات الطوارئ الدولية من الحدود وإغلاق خليج العقبة. وانطلاقًا من حسابات سياسية ودبلوماسية، كان عبد الناصر يدرك أن توجيه الضربة العسكرية الأولى لإسرائيل سيؤدي إلى فقدان مصر قدرًا كبيرًا من التعاطف الدولي، خاصة في ظل التحذيرات الأمريكية والسوفيتية والفرنسية التي أكدت أن الطرف الذي يبدأ الحرب سيتحمل عواقب سياسية خطيرة. لذلك اتخذ عبد الناصر قرارًا بعدم المبادأة بالهجوم، والاكتفاء بتلقي الضربة الأولى ثم الرد عليها بضربة مضادة. لكن قبل أن يحسم موقفه النهائي، أراد أن يعرف من قادته العسكريين النتائج المترتبة على هذا القرار.
ومن هنا جاء الحوار المهم الذي دار بين الرئيس جمال عبد الناصر والفريق صدقي محمود، قائد القوات الجوية المصرية، وهو الحوار الذي ظهر لاحقًا خلال محاكمة صدقي محمود بعد النكسة.
التفت عبد الناصر إلى قائد قواته الجوية وسأله: «افرض يا صدقي أنك تلقيت الضربة الأولى، فما تقديرك للخسائر التي ستلحق بقواتك الجوية؟»
فأجاب صدقي محمود بأن الخسائر المتوقعة لن تزيد على ما بين 10 و20 في المائة من حجم القوات الجوية.
كان الرد مطمئنًا، فهذه النسبة تعني عمليًا أن ما بين 80 و90 في المائة من القوة الجوية المصرية سيظل سليمًا وقادرًا على مواصلة القتال. ولذلك واصل عبد الناصر استفساره قائلًا: «إذا بقي لديك ثمانون أو تسعون في المائة من قواتك الجوية، فما حجم الخسائر التي تستطيع إلحاقها بالعدو؟».
فجاء الرد أكثر تفاؤلًا من السؤال نفسه، إذ أكد قائد القوات الجوية أن الطيران المصري سيكون قادرًا على تدمير ما بين 60 و70 في المائة من القوة الجوية الإسرائيلية.
وهنا تتجلى واحدة من أهم الحقائق التي كثيرًا ما تغيب عن قراءة أحداث يونيو 1967.
فجمال عبد الناصر، بوصفه قائدًا سياسيًا، لم يكن يمتلك بطبيعته الوسائل الفنية التي تمكنه من تقدير كفاءة المطارات أو مدى جاهزية الطائرات أو حجم الخسائر المحتملة أو قدرة القوات الجوية على الصمود والرد.كانت تلك مسؤولية القادة العسكريين المختصين، ومن الطبيعي أن تعتمد القيادة السياسية على ما يقدمه هؤلاء من معلومات وتقديرات مهنية.
لقد ناقش عبد الناصر احتمال الضربة الجوية الإسرائيلية قبل وقوعها بثلاثة أيام كاملة، لكنه بنى تصوره لكيفية التعامل معها على أساس التقديرات التي تلقاها من القيادة العسكرية. وكانت تلك التقديرات تؤكد أن القوات الجوية المصرية قادرة على استيعاب الضربة الأولى، وأن معظم قوتها سيظل قادرًا على القتال، وأن الرد المصري سيوقع خسائر جسيمة بالقوات الجوية الإسرائيلية، غير أن ما وقع صباح الخامس من يونيو كان مختلفًا تمامًا.
ففي غضون ساعات قليلة انهارت تلك التقديرات أمام الواقع. لم تكن الخسائر في حدود 10 أو 20 في المائة كما قيل للرئيس، بل تجاوزت ذلك بما لا يقاس. تعرضت القوات الجوية المصرية لضربة قاصمة أدت إلى شل قدرتها القتالية، ولم يبق ذلك الحجم الكبير من الطائرات الذي افترضت التقديرات السابقة أنه سيكون متاحًا لتنفيذ الضربة المضادة، وهكذا سقطت الخطة منذ لحظتها الأولى، لأن الأساس الذي قامت عليه لم يكن صحيحًا.
إن شهادة الفريق صلاح الدين الحديدي لا تكشف فقط أن القيادة المصرية كانت تتوقع الضربة الجوية الإسرائيلية قبل وقوعها، وإنما تكشف كذلك مأساة أعمق وأكثر خطورة، فصانع القرار السياسي كان يتحرك وفق معلومات وتقديرات قدمها له المسؤولون العسكريون المختصون، ثم أثبتت وقائع الحرب أن جانبًا مهمًا من تلك التقديرات لم يكن دقيقًا.
وكان الفارق بين ما قيل في قاعة الاجتماع مساء الثاني من يونيو وما جرى فوق المطارات المصرية صباح الخامس من يونيو هو الفارق بين التصور والواقع، وبين الحسابات النظرية وقسوة الحرب الفعلية.
ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من مأساة يونيو 1967، فالكارثة لم تكن في غياب التحذير، وإنما في سوء التقدير.
– الصورة لجزء من حوار الفريق صلاح الدين الحديدي مع مجلة «الشباب» في عدد أكتوبر 1991.
اقرأ أيضاًوفاة حسانين أحمد أحد أبطال حرب أكتوبر 1973
أحد أبطال حرب أكتوبر.. أبرز المعلومات عن اللواء الراحل كمال مدبولي









