حين يصبح الإهمال أخطر من الخطر نفسه.. من يحمي الطفل أو الطفله حين يغيب الحارس الأمين الحقيقي؟
هناك حقيقة أؤمن بها بكل يقين، وأبدأ بها حديثي قبل أي كلمة أخرى: أنا أعشق المرأة، وأكن للأم واللأمومة كل الاحترام والتقدير والتبجيل.
فالأم ليست مجرد امرأة أنجبت طفلًا وأصبحت تُنادى بـ«ماما»، بل هي أول وطن يعرفه الإنسان، وأول قلب يحتضنه، وأول عين تسهر عليه، وأول حصن يحميه من قسوة العالم.
الأم حين تحمل طفلها لا تحمل جسدًا فقط، بل تحمل روحًا كاملة، وأمانة عظيمة، ومسؤولية سيُسأل عنها الإنسان أمام الله قبل أن يُسأل عنها أمام المجتمع أو الأسرة أو الزوج.
لكن ما شاهدته أمس داخل إحدى صالات الألعاب الرياضية جعلني أتوقف طويلًا أمام سؤال مؤلم: ماذا يحدث حين يغيب الحارس عن الأمانة؟
ففي أحد الأندية الخاصة، كان طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره يخضع لتدريب رياضي تحت إشراف مدرب خاص.
للوهلة الأولى قد يبدو المشهد طبيعيًا، لكن دقائق قليلة كانت كافية لكشف صورة مختلفة تمامًا.
كان الطفل يتلقى التوبيخ بصورة مستمرة.
«أنت لا تسمع الكلام».
«وزنك ما زال كبيرًا».
«لن يصبح جسمك رياضيًا».
«لن تكون شخصًا جيدًا».
عبارات تتكرر على مسامع طفل لم يكتمل وعيه بعد، وكأنها سهام تُطلق نحو ثقته بنفسه في كل دقيقة.
الأخطر من ذلك أن المدرب كان منشغلًا بهاتفه المحمول معظم الوقت، تاركًا الطفل يعد التكرارات بنفسه ويؤدي بعض الحركات دون متابعة دقيقة، في مخالفة واضحة لأبسط قواعد التدريب الآمن للأطفال، والطامة الكبري أنه تم توبيخة بشكل صارخ حتي انفجر في البكاء في عز تمرينه.
ويؤكد أطباء الطب الرياضي وخبراء التربية البدنية واطباء القلب أن تدريب الأطفال يحتاج إلى متابعة مباشرة ومستمرة بسبب عدم اكتمال النمو العضلي والعظمي، وأن أي خطأ في أداء التمرينات أو استخدام الأوزان أو بذل مجهود يفوق القدرة البدنية او حديثة في وقت لعبة ومجهوده اللي بيبذله قد يؤدي إلى إصابات بالمفاصل أو العضلات أو العمود الفقري أو ضرر علي قلبه لا قدر الله.
لكن الضرر الجسدي لم يكن أكثر ما أثار القلق، فالضرر النفسي كان أكبر بكثير.
علم النفس الحديث يؤكد أن الطفل الذي يتعرض بشكل متكرر للسخرية أو الإهانة بسبب وزنه أو شكله الجسدي يكون أكثر عرضة لفقدان الثقة بالنفس، واضطرابات القلق، واضطرابات صورة الجسد، وقد يحمل آثار هذه التجارب معه لسنوات طويلة.
الطفل لا يسمع الكلمات فقط، بل يصدقها، حين يسمع باستمرار أنه فاشل، يبدأ في تصديق أنه فاشل، وحين يسمع أنه قبيح، يبدأ في رؤية نفسه كذلك.
وحين يسمع أنه أقل من الآخرين، يبدأ في بناء شخصيته على هذا الشعور المؤلم.
والمأساة الأكبر أن كل ذلك كان يحدث أمام والدته، كانت ترى، وتسمع، وتراقب، لكنها لم تتدخل.
وهنا تتجاوز القضية حدود التدريب الخاطئ لتصل إلى منطقة أكثر خطورة.. وهي منطقة الصمت.. منطقة الخذلان من أقرب الناس للطفل.. .منطقة السلبية أو الانشغال ببعض الأمور التافهة أمام رعاية طفلك.
ففي كثير من الأحيان لا يصنع الأذى شخص واحد فقط، بل يصنعه أيضًا من يشاهده ويسمح باستمراره.
إن الطفل الصغير لا يمتلك القدرة على الدفاع عن نفسه أمام الكبار.
ولا يملك الشجاعة لمواجهة مدرب أو معلم أو أي سلطة يعتقد أنها أقوى منه.
ولهذا جعل الله الوالدين حراسًا له، فإذا تراجع الحارس، فمن يبقى؟
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الطفل ليس الخطأ نفسه، بل شعوره أن أقرب الناس إليه لم يدافعوا عنه.
وهنا تبدأ الجروح التي لا تُرى
جروح الصمت.
وجروح الخذلان.
وجروح الإحساس بأنه وحده.
ولعل ما نراه أحيانًا في الأندية والحدائق وحمامات السباحة يعكس جانبًا من هذه المشكلة.
أطفال تُترك مسؤوليتهم بالكامل للمدربين أو المربيات أو العاملين وأمهات وآباء ينشغلون بالهواتف أو الأحاديث أو الأعمال بينما يتحرك الأطفال بعيدًا عن أعينهم.
وفي بعض الأحيان تحدث الفاجعة الكبري بكل اسف في حدوث اذي علي الطفل أو الطفله نتيجه الإهمال ويمكن أن يتطور الأمر للفقدان لاقدر الله.
لا أحد ينكر أن الحياة أصبحت أكثر صعوبة وضغطًا، وأن الأمهات والآباء يواجهون تحديات هائلة، لكن المسؤولية لا تسقط بسبب الانشغال، فالطفل لا يحتاج إلى الأموال بقدر حاجته إلى الحضور، ولا يحتاج إلى الكماليات بقدر حاجته إلى الأمان.
ولا يحتاج إلى الاشتراكات والدروس بقدر حاجته إلى عين تراقبه وقلب يطمئن عليه واذان تسمعة وفكر وعقل واحساس يحتويه ويحتوي مشاكله وتحدياته التي يراها ويشعر بها في كل مرحله من حياته.
ولهذا جاءت مكانة الأم في الإسلام عظيمة بصورة استثنائية، حين سُئل النبي ﷺ: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك».
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى:«وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ».
هذه المكانة لم تُمنح للأم لأنها أنجبت فقط بل لأنها تضحي وتسهر وتخاف وتحمي وتقاتل من أجل أبنائها كل يوم.
الأم العظيمة ليست التي توفر لطفلها كل شيء.
بل التي تكون حاضرة حين يحتاجها.
التي تلاحظ الخطر قبل وقوعه.
التي تتدخل حين يجب التدخل.
التي تدافع حين يجب الدفاع.
التي تدرك أن التربية ليست طعامًا وملابس ومدرسة فقط.
بل بناء نفس إنسان كامل.
فالطفل الذي نحميه اليوم يصبح رجلًا أو امرأة غدًا.
والطفل الذي نهمله اليوم قد يحمل آثار هذا الإهمال سنوات طويلة.
ولهذا فإن الأمانة الحقيقية ليست في حجم ما ننفقه على أبنائنا.
بل في مقدار ما نقدمه لهم من اهتمام ورعاية وحضور ومسؤولية.
فالمال يمكن تعويضه، أما الطفولة إذا انكسرت فلا يمكن استعادتها.
وفي النهاية، ليست الرسالة إدانة لأم أو أب، ولا الحكم على أحد من موقف واحد بل دعوة للتأمل، دعوة لأن نتذكر أن الأطفال ليسوا مشاريع رياضية ولا أرقامًا على الميزان ولا صورًا على مواقع التواصل الاجتماعي، إنهم أرواح أودعها الله بين أيدينا وكل روح منها أمانة والأمانة لا تُقاس بما نملكه لها، بل بما نبذله من أجل حمايتها.
اقرأ أيضاًنهضت من رماد القيود









