أمجد عبد الحليم
أمجد عبد الحليم
بين مدٍّ وجزر، بين النوارس والأصداف، كانت حكايات مدينتنا الساحرة لا تنتهي أبدًا، إنها الإسكندرية مدينة النور والفن والجمال، كنا في طفولتنا وصدر شبابنا لا نفكر في مغادرتها لأي مدينة أخرى حتى ولو على سبيل التغيير أو الترفيه، لماذا نغادر مدينتنا العامرة وفيها كل شيء متاح ومتوافر بشكل جذاب خاصة في فصل الصيف وموسم الزخم الذي ينتظره أغلب أهلها، فإن كنت باحثًا عن عروض المسرح فستجد مسارح الإسكندرية العريقة تحتضن أهم وأشهر نجوم الفن المصري الذين جاءوا إليها في الصيف ليتنافسوا على حصد قلوب وإعجاب المشاهد السكندري العاشق للإبداع والكوميديا الهادفة، كنا نشاهد في صيف واحد أكثر من 10 عروض لنجوم الصف الأول أمثال عادل إمام وسعيد صالح وسهير البابلي وسيد زيان ومحمد نجم وفؤاد المهندس وغيرهم كثيرون إلى جانب بعض فرق الشباب ومسارح الدولة وعروض وزارة الثقافة، أما عشاق السينما فكانت عروض دور سينما محطة الرمل مثل مترو وأمير وغيرهما عامرة دائمًا بأحدث وأرقى الأفلام العربية والأجنبية مع حفلات خاصة يحضرها نجوم تلك الأعمال ليعرفوا بأنفسهم رأى جمهور الإسكندرية الذواق في أعمالهم، كان هؤلاء يعرفون جيدًا أن أهل الثغر هم دائمًا ترمومتر جيد لقياس نجاح أى عمل أو إبداع، ولذلك كنت تجدهم هنا باهتمام يسيرون في شوارعنا ليستشعروا بأنفسهم قدر نجوميتهم ودقة بوصلة أعمالهم بين جمهور الإسكندرية الذي يجيد الفرز بمهارة ولا يعرف المجاملة، تبحث عن الحفلات الغنائية وأنشطة الأوبرا أو معارض الفن التشكيلي أو معارض الكتاب وحتى حفلات وعروض السيرك، فتجدها منتشرة بكثرة في أرجاء المدينة، كل شيء هنا كان حاضرًا وبقوة لعشاق الفن والفكر والثقافة، رائحة التاريخ كانت تفوح من شوارعنا القديمة في كوم الدكة وغيرها، كنت تشعر أنك في متحف فنى مفتوح للجمهور اسمه الإسكندرية، لا شيء يعيق تمتعك بمدينتك الساحرة فلا ضجيج ولا صخب ولا زحام، كانت مدينتنا حتى بداية الألفية الثالثة أو بعدها بسنوات قليلة جاذبة لكل عشاق ومتذوقي الفن حتى غابت شمسها قليلًا منذ عقد أو يزيد، لم نعد نميز مدينتنا كثيرًا عن بقية المدن، الهدوء الفكري يضرب كل مكان حتى الإسكندرية مهد الحضارة والفكر، الكل يسقط تحت وطأة موجات التغيير وسرعة الحياة وسيادة الإنترنت وبرامجه اللعينة، حراك ضئيل هنا أو هناك يحضره نخب متكررة بلا انتشار حقيقي بين الجماهير، لا رائحة تفوح فتجذب الهائمين بحثًا عن الإبداع، حالة من السكون الإبداعي تصاحبها حالة من النزوح غير العادي لأهل الجنوب وسكان الدلتا تجاه مدينتنا لتتحول تركيبتها الديموغرافية التي كانت تميزها عن بقية مدن العالم، حتى اللغة تتغير وتكاد تختفى تلك اللكنة السكندرية التي كان الناس يتغنون بها من شدة تميزها، ما زالت مدينتي تنتظر من يعيد استخراج اللآلئ من بين أصدافها كي تعود لمجدها وعهد بريقها المفقود، ليس تحيزًا لمدينتي التي أعيش فيها وتعيش في وجداني منذ عقود، ولكنها حقًا تستحق، فمن يمنح عروسنا قُبلة الحياة
