د. طارق هلال
في منطقة اعتادت أن تتحدث بلغة القوة، لا يمكن النظر إلى الصواريخ باعتبارها مجرد أدوات حرب، ولا إلى المفاوضات باعتبارها طريقاً للسلام فقط. فكثيراً ما كانت الصواريخ رسائل سياسية، وكانت طاولات التفاوض ساحات صراع لا تقل أهمية عن ميادين القتال.
التطورات الأخيرة بين إيران وإسرائيل كشفت عن مشهد أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح. فبينما أعلنت طهران أن ضرباتها جاءت في إطار “الدفاع عن النفس” والرد على ما اعتبرته انتهاكات إسرائيلية متكررة، سارع الرئيس الأمريكي إلى مطالبة إسرائيل بضبط النفس وعدم الرد، مؤكداً أن فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل كانت الضربة الإيرانية محاولة لنسف المفاوضات، أم أنها كانت جزءاً من عملية تفاوض تجري بالنار؟
التفاوض تحت غطاء الصواريخ
المتابع لمسار الأزمة يلاحظ أن جميع الأطراف حاولت تحقيق معادلة دقيقة، إيران أرادت إثبات أنها ما زالت قادرة على الردع والرد، وإسرائيل أرادت الحفاظ على صورة التفوق العسكري، بينما سعت الولايات المتحدة إلى منع خروج الأمور عن السيطرة. لذلك تبدو الضربة الإيرانية أقرب إلى “رسالة قوة محسوبة” منها إلى إعلان حرب شاملة. فطهران تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة قد يهدد ما تبقى من قدراتها الاقتصادية ويؤخر أي انفراجة سياسية أو مالية محتملة، كما أن واشنطن ليست في وضع يسمح لها بخوض حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط. ومن ثم فإن ما نشهده قد يكون الفصل الأخير من المواجهة العسكرية قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر جدية من التفاوض.
لماذا البحرين والكويت؟
إذا صحت التقارير المتعلقة بالهجمات أو التهديدات التي استهدفت البحرين والكويت قبل التصعيد الأخير، فإن الرسالة لم تكن موجهة إلى هاتين الدولتين بقدر ما كانت موجهة إلى الولايات المتحدة. فالمنطقة الخليجية تمثل العمق الاستراتيجي للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، وتضم قواعد ومنشآت عسكرية ولوجستية تمثل جزءاً رئيسيًا من منظومة الردع الأمريكية. ومن ثم فإن أي استهداف أو تهديد لهذه المناطق يحمل رسالة واضحة مفادها أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى داخل حدودها، بل ستنعكس على مجمل البنية الأمنية في الخليج. واختيار التوقيت، فيرتبط غالباً بمحاولة رفع سقف التفاوض وتحسين شروط أي اتفاق مرتقب، وإثبات أن طهران ما زالت تمتلك أوراق ضغط قادرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى.
إسرائيل بين الرغبة في الرد والضغوط الأمريكية
الموقف الإسرائيلي يبدو أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالحكومة الإسرائيلية تدرك أن عدم الرد قد يفسر داخلياً على أنه تراجع أمام إيران، لكنها تدرك أيضاً أن الرد الواسع قد ينسف الجهود الأمريكية الجارية ويضعها في مواجهة ضغوط دولية متزايدة. ولهذا السبب تبدو تل أبيب وكأنها تتحرك داخل مساحة ضيقة بين ضرورة الحفاظ على الردع وبين عدم الدخول في حرب قد لا تحقق أهدافها السياسية.
مضيق هرمز.. الورقة التي لم تسقط
في خضم هذه التطورات، أعادت طهران التذكير بأحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية، وهو مضيق هرمز. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر بحري، بل شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة العالمية. وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسعار النفط وأسواق المال وسلاسل الإمداد الدولية. ولهذا فإن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تدرك أن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه دون معالجة الملفات العالقة مع إيران، وأن استمرار التوتر سيبقي الاقتصاد العالمي رهينة لأي تصعيد مفاجئ.
مصر.. الدبلوماسية الهادئة في زمن العواصف
وسط هذه التوترات المتصاعدة، يبرز الدور المصري باعتباره أحد أهم عوامل الاتزان في المنطقة. فالقاهرة ترتبط بعلاقات استراتيجية راسخة مع دول الخليج العربي، وتدرك أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وتمتلك القاهرة ميزة نادرة في المشهد الإقليمي الحالي، فهي تحظى بثقة دول الخليج، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات اتصال مع مختلف القوى الإقليمية، الأمر الذي يجعلها من أكثر الأطراف قدرة على المساهمة في منع التصعيد وتحويل مسار الأزمة من المواجهة إلى التهدئة، وقد تكمن أهمية هذا الدور في أن المنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من المواجهات، بل إلى قوى قادرة على منع الانفجار وإعادة الأطراف إلى مسار التهدئة. ومن هنا تأتي أهمية أي جهود أو اتصالات مصرية تهدف إلى تخفيض التوتر، والحفاظ على استقرار الخليج، ومنع انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة قد تهدد أمن المنطقة بأكملها.
الداخل الأمريكي.. اللاعب الخفي في معادلة الصراع
ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى طهران وتل أبيب عند تحليل مسار الأزمة، فإن واشنطن نفسها أصبحت ساحة صراع سياسي لا تقل أهمية عن ساحات المواجهة العسكرية. فالإدارة الأمريكية تواجه ضغوطاً متزايدة من الكونجرس والرأي العام والتيارات السياسية المختلفة، بين من يدعو إلى دعم إسرائيل دون قيود، ومن يرى أن الأولوية يجب أن تكون للاقتصاد الأمريكي ومواجهة التحديات الداخلية والمنافسة مع الصين. كما أن أي تصعيد عسكري واسع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما ينعكس مباشرة على المزاج الشعبي الأمريكي. لذلك تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على قوة الردع الأمريكية ودعم الحلفاء من جهة، ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة من جهة أخرى. ومن هنا يمكن القول إن مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية لن يتحدد فقط بحجم الصواريخ المتبادلة أو طبيعة التحركات العسكرية، بل أيضاً بقدرة صانع القرار الأمريكي على مواجهة الضغوط الداخلية وتوظيفها في خدمة أهدافه الاستراتيجية دون دفع المنطقة إلى حافة الانفجار.
الداخل الإسرائيلي.. حسابات البقاء السياسي وحدود القوة العسكرية
إذا كانت واشنطن تتحرك تحت ضغط الاقتصاد والانتخابات، فإن إسرائيل تتحرك تحت ضغط الأمن والسياسة معاً. فالحكومة الإسرائيلية تدرك أن أي تراجع في مواجهة إيران قد ينظر إليه داخلياً باعتباره إخفاقاً في تحقيق الردع، خاصة بعد سنوات من تقديم المشروع النووي الإيراني باعتباره التهديد الوجودي الأكبر للدولة العبرية. وفي المقابل، فإن الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة يحمل مخاطر كبيرة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً. لذلك تجد القيادة الإسرائيلية نفسها أمام معادلة معقدة، فهي مطالبة بالحفاظ على صورة القوة وعدم الظهور بمظهر المتراجع، وفي الوقت نفسه مطالبة بتجنب حرب طويلة قد تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية وتزيد الضغوط السياسية الداخلية. ومن ثم فإن قرارات تل أبيب خلال المرحلة المقبلة لن تحكمها الاعتبارات العسكرية فقط، بل ستتأثر أيضاً بحسابات التوازنات السياسية الداخلية ومستقبل الحكومة وقدرتها على الحفاظ على الدعم الشعبي في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
الرابح الحقيقي من الأزمة
بعيداً عن حسابات النصر والهزيمة العسكرية، تبدو بعض القوى الدولية وكأنها المستفيد الأكبر من استمرار التوتر دون الوصول إلى حرب شاملة. فارتفاع الطلب على الصناعات العسكرية، وإعادة تشكيل التحالفات الأمنية، وزيادة اعتماد دول المنطقة على المظلة الدفاعية للقوى الكبرى، كلها عوامل تمنح بعض الأطراف الدولية مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن أطلق الصاروخ أو من اعترضه، بل بمن نجح في توظيف الأزمة لتعزيز نفوذه ومصالحه على المدى الطويل.
وبذلك لم تعد معادلة الحرب والسلام في الشرق الأوسط رهينة حسابات طهران وواشنطن وتل أبيب فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بضغوط الداخل في كل دولة، حيث قد تلعب صناديق الاقتراع والخلافات السياسية والضغوط الاقتصادية دوراً لا يقل تأثيراً عن الصواريخ والطائرات في رسم مستقبل المنطقة.
الحقيقة أن ما جرى خلال الأيام الماضية لا يعكس انتصار طرف أو هزيمة آخر، بل يكشف عن مرحلة انتقالية دقيقة يحاول فيها الجميع إعادة رسم قواعد الاشتباك. إيران تريد اعترافاً بدورها الإقليمي ومصالحها الأمنية، إسرائيل تريد ضمانات تمنع أي تهديد مستقبلي، الولايات المتحدة تريد اتفاقاً يحفظ مصالحها ويجنبها حرباً جديدة. أما الدول العربية، وفي مقدمتها مصر ودول الخليج، فتسعى إلى حماية الاستقرار ومنع المنطقة من الانزلاق إلى دوامة صراعات جديدة.
ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة: هل كانت الصواريخ الأخيرة آخر رسائل القوة قبل اتفاق كبير، أم أنها مجرد مقدمة لجولة جديدة من الصراع لم تتضح ملامحها بعد؟ لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن تتحول الصواريخ المتبادلة إلى أوراق ضغط تفتح الباب أمام تسوية جديدة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وإما أن يصبح التفاوض نفسه جزءاً من معركة أطول وأكثر تعقيداً. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل المنطقة لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل ستحدده قدرة الأطراف المختلفة على إدارة الصراع قبل أن يتحول إلى مواجهة لا يخرج منها أحد منتصراً بالكامل.
اقرأ أيضاًعاجل| الحوثيون: حظر كامل على الملاحة بالبحر الأحمر تجاه إسرائيل
الفصائل اليمنية تدخل الحرب رسميا.. إطلاق دفعة صواريخ تجاه دولة الاحتلال
عاجل| جيش الاحتلال يعلن قصف عدة مواقع بمجمع ماهشهر للبتروكيماويات في إيران









