قد يكتشف العالم بعد سنوات أن ما يجرى اليوم في الشرق الأوسط وأوكرانيا وتايوان لم يكن مجموعة أزمات متفرقة، بل بداية لحرب باردة جديدة يعاد خلالها توزيع القوة العالمية. فالتاريخ لا يعلن عن نفسه أثناء حدوثه، بل نفهمه فقط بعد أن تتغير خرائط النفوذ وتعاد كتابة قواعد اللعبة الدولي.
فهل نشهد أكبر عملية إعادة توزيع للقوة في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفيتي؟
لم يعد السؤال اليوم من انتصر في جبهة أو خسر في أخرى، ولا من أطلق الصاروخ الأول أو الأخير، بل لماذا تشتعل أوكرانيا والشرق الأوسط وتايوان والبحر الأحمر في توقيت متقارب؟ وهل هي أزمات منفصلة، أم أننا أمام لحظة تاريخية يعاد خلالها توزيع النفوذ العالمي بين قوى صاعدة وأخرى تحاول الحفاظ على مكانتها؟
ما يبدو على الشاشات حروباً متفرقة قد يكون في الحقيقة فصولاً مختلفة لمعركة أكبر تدور حول الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات التجارية ومراكز النفوذ السياسي خلال النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين. وربما يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الشرق الأوسط هو الهدف الرئيسي، بينما تشير الوقائع إلى أنه أصبح ساحة اختبار وميداناً تتقاطع فوقه حسابات القوى الكبرى.
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي تمتعت الولايات المتحدة بموقع القوة المهيمنة عالمياً، لكن المشهد الدولي تغير بصورة متسارعة. فالصين تواصل صعودها الاقتصادي والتكنولوجي، وروسيا استعادت جزءاً مهماً من قدرتها على التأثير، بينما بدأت قوى إقليمية عديدة في البحث عن أدوار أكبر داخل النظام العالمي الجديد.ولم يعد الصراع يدور حول السيطرة على منطقة بعينها، بل حول تحديد قواعد النظام الدولي القادم ومن يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والقرار السياسي.
وفي ظل هذه المتغيرات بدأت دوائر عديدة داخل واشنطن تعيد النظر في أولوياتها الاستراتيجية بين الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ. ولا يعني ذلك نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه يؤكد أن عالم المصالح المتحركة بدأ يفرض نفسه حتى على أكثر التحالفات استقرارا.
في قلب هذا المشهد يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل استطاعت إسرائيل تحقيق أهدافها الاستراتيجية؟ فعلى المستوى العسكري حافظت على تفوقها النوعي، لكنها وجدت نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، تتعدد فيها ساحات الاشتباك وتتداخل فيها القوى الفاعلة. كما أن تصاعد المواجهة غير المباشرة مع إيران، واستمرار التوتر في غزة ولبنان والبحر الأحمر، يشير إلى أن تكلفة إدارة الأمن الإقليمي أصبحت أعلى وأكثر استنزافاً. ويبقى غياب التسوية النهائية للقضية الفلسطينية عاملاً رئيسياً في إعادة إنتاج التوتر، ما يجعل أي مكاسب عسكرية غير كافية لتحقيق استقرار دائم.
ورغم أن الأنظار تتجه عادة إلى العواصم الكبرى، فإن البحرين والكويت وسلطنة عمان والأردن أصبحت تمثل نقاط ارتكاز شديدة الحساسية في معادلة الصراع. فالبحرين ترتبط بالوجود العسكري الأمريكي في الخليج، والكويت تمثل عقدة لوجستية مهمة، بينما تؤدي سلطنة عمان دور قناة الاتصال الهادئة بين الخصوم، ويظل الأردن أحد أهم مفاتيح استقرار المشرق العربي. لذلك فإن الضغوط التي تتعرض لها هذه الدول غالباً ما ترتبط بأدوارها الاستراتيجية أكثر من ارتباطها بحدودها الجغرافية.
وفي قلب هذا التشابك يبرز لبنان كأحد أكثر الملفات حساسية، ليس بسبب حجمه الجغرافي، بل بسبب موقعه داخل شبكة النفوذ الإقليمي. ولذلك فإن أي تسوية كبرى في الشرق الأوسط يصعب أن تتجاهل الوضع اللبناني أو توازناته المعقدة.
وعلى الجانب الدولي شهدت السنوات الأخيرة تقارباً متزايداً بين موسكو وطهران، وهو ما منح روسيا هامشا أوسع للحركة في ظل تعدد الأزمات الدولية. فكلما تفرقت جهود خصومها بين عدة جبهات، زادت قدرتها على تحسين موقعها التفاوضي.
أما الصين فتبدو وكأنها تراهن على الزمن. فهي لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والاستثمار طويل المدى. ومن هنا تكتسب تايوان أهمية استثنائية باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في معادلة التوازن الدولي.
أحد أكبر التحولات التي يشهدها العالم اليوم هو تراجع فكرة التحالفات الجامدة وصعود مفهوم المصالح المتغيرة. فالدول قد تتنافس في ملف وتتعاون في آخر، وقد تبدو متصارعة سياسيا بينما تحافظ على شراكات اقتصادية واسعة، وهو ما يجعل المصالح الاقتصادية والأمنية المحرك الرئيسي للقرارات الدولية.
وربما تدور المعركة الأهم بعيداً عن ساحات القتال، حيث أصبحت الممرات التجارية العالمية جزءا أساسيا من الصراع الدولي. فقناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي والممرات البحرية الآسيوية لم تعد مجرد طرق للتجارة، بل أدوات تأثير في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة. ومع تصاعد الديون العالمية وتباطؤ النمو الاقتصادي واشتداد المنافسة التكنولوجية، أصبحت معركة النفوذ الاقتصادي لا تقل أهمية عن الصراع العسكري.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى واشنطن وموسكو وبكين، تبدو أوروبا وكأنها تتحمل جزءاً كبيراً من تكلفة الصراعات الحالية، سواء عبر أزمة الطاقة أو الضغوط الاقتصادية والأمنية المتزايدة، ما يجعلها من أكثر الأطراف تعرضاً للاستنزاف إذا استمرت الأزمات لفترة طويلة.
وربما تكون المفاجأة الأكبر أن الصراع القادم لن يحسم فقط في ميادين القتال التقليدية. فالدول الكبرى تضخ استثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والحروب السيبرانية وتحليل البيانات، لأن السيطرة على المعلومات والخوارزميات قد تصبح أحد أهم مصادر القوة في المستقبل.
وبينما تتجه أنظار العالم نحو الشرق الأوسط وأوكرانيا، شهدت الحدود بين باكستان وأفغانستان تصعيداً عسكرياً أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في جنوب آسيا، وحول ما إذا كانت هذه الجبهة تمثل امتداداً للمنافسة الدولية على النفوذ والممرات الاستراتيجية.
كما يظل الملف الفنزويلي أحد ميادين اختبار النفوذ الأمريكي داخل نصف الكرة الغربي، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات داخلية ومنافسة متزايدة مع الصين وروسيا، ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على إدارة عدة جبهات مفتوحة في آن واحد.
من ناحية أخرى برزت قوى إقليمية اختارت العمل على مسار موازٍ يقوم على إدارة الأزمات ومنع الانفجار الشامل. فتركيا تسعى إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية مؤثرة، بينما نجحت الإمارات في بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية. أما مصر، فتظل أحد أهم ركائز الاستقرار الإقليمي، من خلال دورها في القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر والاتصالات السياسية والمباحثات الأمنية التي تسهم في احتواء الأزمات ومنع اتساع نطاق الصراع.
والتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ بإعلان رسمي، بل بسلسلة أزمات تبدو منفصلة قبل أن يكتشف العالم لاحقاً أنها كانت أجزاءً من حدث واحد غير موازين القوة لعقود طويلة.
وربما يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى كل أزمة باعتبارها ملفاً منفصلاً عن غيره. فمن كابول إلى كييف، ومن غزة إلى تايوان، ومن البحر الأحمر إلى كاراكاس، تبدو الجبهات متباعدة على الخريطة لكنها قد تكون متصلة داخل عملية أكبر عنوانها إعادة توزيع القوة العالمية.
وبينما تنشغل العيون بالصواريخ والطائرات، قد تكون المعركة الحقيقية تدور في الغرف المغلقة حيث تتفاوض الدول على خرائط النفوذ والطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية. فالحروب تفرض الوقائع على الأرض، لكن التسويات هي التي تكتب شكل العالم الذي يأتي بعدها.
لذلك قد لا يكون الشرق الأوسط هو الهدف، بل ساحة المعركة، وقد لا تكون الحرب هي الغاية بل إعادة توزيع القوة في العالم. أما السؤال الذي سيبقى مطروحا فهو: هل نشهد نهاية النظام الدولي الذي ولد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؟ أم أننا ما زلنا في الفصل الأول من عملية إعادة تشكيل العالم.
اقرأ أيضاًمن يكتب خاتمة الصراع في الشرق الأوسط.. ومن يملك أوراق الاقتصاد العالمي؟
الخارجية الصينية: نطالب جميع الأطراف في الشرق الأوسط بالحفاظ على الهدوء وضبط النفس
النفط والملاحة وسلاسل الإمداد.. تداعيات خطيرة لحرب إيران على الاقتصاد العالمي









