مقالات

الكراهية.. حين يخسر الإنسان أخاه ويخسر نفسه – الأسبوع

ما أشدَّ حاجة الإنسان إلى الحب، وما أشدَّ فقره إلى الرحمة، وما أعظم خسارته حين يستبدل دفءَ المودة ببرودة الكراهية، ونور الألفة بظلام الفرقة، وسعة القلب بضيق العصبية.

فما من داءٍ أفتك بالأمم من داء الكراهية، ولا من نارٍ أحرقت الحضارات كما أحرقتها الأحقاد حين تستقر في النفوس، فتفسد الضمائر قبل أن تفسد العلاقات، وتهدم القلوب قبل أن تهدم الأوطان.

ولقد شاء الله تعالى أن يخلق الإنسان ليكون خليفةً في أرضه، لا معول هدمٍ فيها، وأن يجعله رسول عمرانٍ لا رسول خراب، وأن يودع في قلبه من أسرار الرحمة ما يؤهله لحمل أمانة الاستخلاف، فقال سبحانه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، ولم يقل جاعل في الأرض متنازعين أو متباغضين أو متقاطعين. وما كانت رسالة السماء إلى الأرض إلا رسالة جمعٍ بعد فرقة، ورحمةٍ بعد قسوة، ومودةٍ بعد جفاء.

ولذلك جاء الإسلام ليعيد الإنسان إلى إنسانيته، ويرد القلب إلى فطرته الأولى، ويغرس في الأرواح بذور المحبة، حتى جعل الله تعالى اسمين من أعظم أسمائه الحسنى: الرحمن الرحيم، وكأن الكون كله قد كُتب عليه أن يقوم على الرحمة لا على القسوة، وعلى التعارف لا على التناكر، وعلى التعاون لا على التدابر. قال تعالى:

﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾، فكانت الغاية تعارفاً لا تناحراً، وتكاملاً لا تصادماً، وتواصلاً لا تقاطعاً.

غير أن الإنسان، حين ينسى حكمة الخالق، يتحول الاختلاف عنده من نعمة إلى نقمة، ومن وسيلة إثراء إلى أداة صراع، فينشأ التعصب حيث ينبغي أن يكون التفهم، وتنبت الكراهية حيث ينبغي أن تزهر المحبة.

وهكذا ولدت في مجتمعاتنا أمراض المذهبية المتعصبة، والطائفية العمياء، والحزبية الضيقة، والعصبيات التي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى صار بعض الناس يفرحون بما لديهم من انتماءات أكثر مما يفرحون بانتمائهم إلى الإنسانية أو إلى أمة الإسلام الجامعة.

وما أبعد هؤلاء عن روح القرآن الكريم الذي أعلن منذ البداية أن الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه، فقال سبحانه: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾.

فلو أراد الله أن يجعل الناس نسخاً متطابقة لفعل، ولكنه أرادهم مختلفين في الألسنة والألوان والثقافات والمدارك والاستعدادات، لأن الحياة لا تزدهر بالتشابه المطلق، وإنما تزدهر بالتنوع والتكامل. فكما تتآلف ألوان الربيع المختلفة لتصنع جمال البستان، وتتجمع الأنهار المتعددة لتصب في بحر واحد، كذلك أراد الله للبشر أن يختلفوا اختلاف تنوعٍ لا اختلاف تضاد، واختلاف تكاملٍ لا اختلاف إلغاء.

إن أعظم مأساة تعيشها مجتمعاتنا اليوم ليست في اختلاف الآراء، وإنما في تحويل الآراء إلى متاريس، والمذاهب إلى خنادق، والانتماءات إلى أسوار عالية تمنع القلوب من أن ترى ما وراءها من إنسانية مشتركة. وما أكثر ما سالت الدماء بسبب أفكار كان يمكن أن تكون مجالاً للحوار، وما أكثر ما تقاطعت الأرحام بسبب مسائل كان يمكن أن تبقى في حدود الاجتهاد.

وقد جاء القرآن ليضرب للبشرية مثلاً خالداً في مواجهة العنف بالكف عن العنف، وفي مقاومة الكراهية بروح الإيمان، وذلك حين حكى قصة ابني آدم، فقال على لسان المظلوم لأخيه الظالم: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين﴾. إنها كلمة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتعلن

أن الإنسان لا يصبح شبيهاً بخصمه لمجرد أن خصمه ظلمه، وأن الشر لا يُعالج دائماً بشر مثله، بل قد تُطفأ نار العداوة بماء الحكمة والحلم والإحسان.

وهذه هي المدرسة التي تربى فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى صار أعظم نموذج إنساني في تحويل الأعداء إلى أحباء. خرج إلى الطائف يحمل النور لقومه، فما استقبلوه إلا بالحجارة، وأدموا قدميه الشريفتين، وأغروا به السفهاء والصبيان، حتى سال الدم من جسده الطاهر. وهناك، في تلك اللحظة التي كان يمكن أن يدعو فيها عليهم دعوة غضب، جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فإذا بالنبي الرحيم يقول: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد

الله وحده». أي قلب هذا الذي يرى في الذين آذوه مشروع هداية لا مشروع انتقام؟ وأي روح هذه التي ترد الإساءة بالأمل بدل اللعنة؟

ثم انظر إليه يوم فتح مكة، وقد دخلها منتصراً بعد أعوام من الإيذاء والحصار والتشريد والحروب والمؤامرات، وقد صار الذين أخرجوه من دياره تحت سلطانه، ينتظرون حكمه فيهم، وهو القادر على الاقتصاص منهم جميعاً. فسألهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال كلمته التي خلدها التاريخ: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». فكان عفوه أعظم من انتصاره، وكانت رحمته أكبر من قوته، وكان فتح القلوب أوسع من فتح المدن.

وعلى هذا النهج سار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي لم يرَ الإنسان من خلال طائفته أو دينه أو انتمائه، بل رآه مخلوقاً لله قبل كل شيء. ويُروى أنه مرَّ ذات يوم على كنيسة ومعه بعض أصحابه، فقال أحدهم: “لطالما عُصي الله في هذا المكان”، فالتفت إليه الإمام علي عليه السلام قائلاً: “ويحك، بل لطالما عُبد الله هنا”. إنها كلمة تختصر فلسفة كاملة في النظر إلى الآخر، فلسفة تبحث عن المشتركات قبل الاختلافات، وعن مواطن القرب قبل مواطن البعد، وعن آثار الإيمان بالله قبل تفاصيل التباين بين الناس.

ومن هنا جاءت كلمته الخالدة التي ينبغي أن تُكتب بماء الذهب في كل مؤسسة تربوية وثقافية وإعلامية: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”. فما أعظمها من قاعدة! وما أرحبها من رؤية! وما أحوج العالم إليها اليوم! فهي لا تترك مساحة للكراهية، ولا تمنح التعصب مبرراً، بل تجعل الإنسان محاطاً بدائرتين من المحبة: دائرة الأخوة الإيمانية، ودائرة الأخوة الإنسانية.

وقد أدرك أهل البيت عليهم السلام أن المجتمعات لا تُبنى بالانتقام بل بالعفو، ولا تُصلحها القسوة بل الرحمة، فكان الإمام الحسن عليه السلام يقابل الإساءة بالإحسان، وكان الإمام زين العابدين عليه السلام يدعو لمن أساء إليه، وكان الإمام الصادق عليه السلام يحث أصحابه على حسن الخلق مع جميع الناس، ويقول:

“كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً”. لأن الدين في جوهره أخلاق قبل أن يكون شعارات، ورحمة قبل أن يكون جدالاً، ومحبة قبل أن يكون خصومة.

ولقد وعى الحكماء والشعراء هذه الحقيقة منذ القدم، فقالوا:

الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ

بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ

فالإنسان لا يعيش منفرداً، ولا ينهض وحده، ولا يحقق رسالته إلا بالتعاون مع غيره. وما الأمة إلا شبكة واسعة من القلوب المتآلفة، فإذا تمزقت خيوطها تمزق كيانها كله.

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر وجدنا أن حاجتنا إلى هذه المعاني أصبحت أشد من أي وقت مضى. فالتردي الاجتماعي،

والانحدار الأخلاقي، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الأمنية، والصراعات الفكرية والسياسية، كلها تجعل من ثقافة المحبة ضرورة وجودية لا ترفاً أخلاقياً. إن مجتمعاتٍ يستهلكها التباغض لا تستطيع أن تبني، وأممٌ تستنزف طاقاتها في صراعاتها الداخلية لا تستطيع أن تنافس، وشعوبٌ تربي أبناءها على الخوف من المختلف لا تستطيع أن تصنع مستقبلاً مزدهراً.

إننا اليوم بحاجة إلى ثورة أخلاقية هادئة تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، وتعيد إلى القلوب صفاءها، وإلى العلاقات دفئها، وإلى المجتمع تماسكه. بحاجة إلى أن نربي أبناءنا على أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن المخالف ليس خصماً بالضرورة، وأن

الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو جماعة أو حزب أو طائفة.

وإن المسؤولية في ذلك تقع على الجميع: على الأسرة التي تغرس البذرة الأولى في قلب الطفل، وعلى المدرسة التي تشكل وعيه، وعلى المسجد والكنيسة التي تهذب روحه، وعلى الجامعة التي توسع أفقه، وعلى الإعلام الذي يصنع مزاجه العام، وعلى الدولة التي ترعى وحدة المجتمع وتحميها. فكل هؤلاء مؤتمنون على إعادة بناء جسور المحبة بين الناس، وتجفيف منابع الكراهية، ومقاومة كل خطاب يدعو إلى الإقصاء والتباغض والاحتقار.

فيا أولياء الأمور، ويا قادة الفكر والرأي، ويا أصحاب القرار في كل موقع، أعيدوا إلى الناس لغة المحبة بعد أن أتعبتهم لغة

الخصومة، وأحيوا فيهم روح الأخوة بعد أن أنهكتهم الانقسامات، وذكروهم بأنهم جميعاً عباد لله، وأن الأرض تتسع للجميع، وأن الله لم يستخلفهم فيها ليتنازعوا عليها، بل ليتعاونوا على إصلاحها وعمرانها.

وحين تنتصر المحبة على الكراهية، والرحمة على القسوة، والعقل على التعصب، سيكتشف الإنسان أنه لم يكن بحاجة إلى أن يهزم أخاه، بل كان بحاجة إلى أن يربح أخاه، وأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُسقط خصماً، بل تلك التي تُقيم جسراً، وتجمع قلباً إلى قلب، وروحاً إلى روح، حتى يتحقق وعد الله لعباده بأن يكونوا أمةً شاهدة على الناس، ورحمةً للعالمين.

اقرأ أيضاًمن تكلم فى المهد

المستقبل الذي نستعد اليوم لقيادته غدًا … قبل أن نتكيف مع واقع صنعه الآخرون

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts