في التقييم الاستراتيجي لمآلات المواجهة الأخيرة في المنطقة، لا يمكن الوقوف عند السطح العسكري المتمثل في تبادل الرشقات الصاروخية أو أمد الأربعين يومًا من الصراع، بل يجب النفاذ إلى عمق التحولات الهيكلية التي أعادت صياغة موازين القوى برمتها.
إن الصمود الإيراني في مواجهة محاولات تغيير النظام لم يكن مجرد حدث تكتيكي عابر، بل هو مؤشر على تحول عميق في مفهوم الردع الإقليمي، حيث أثبتت المعركة أن حسابات الخصوم أخطأت بدقة في تقدير مرونة المؤسسة الشبكية لطهران.
فبالرغم من الضربات القاسية التي تلقتها بنية القيادة العليا واغتيال الصفوف الأولى والثانية، إلا أن الاعتماد على ترسانة منخفضة التكلفة وفائقة التأثير، كالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، كان كافيًا لشلّ منظومات دفاعية غربية تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات.
هذا التباين في كلفة الحرب خلق ما يُعرف استراتيجيًا بالردع غير المتماثل، حيث لم يعد التفوق التكنولوجي المطلق ضمانة للحسم، وتحول النفوذ الأمريكي في القواعد المحيطة بالمنطقة من عناصر ضغط إلى أهداف محتملة سارعت واشنطن لتجنب غرقها في مستنقع استنزاف لا ينتهي.
ولعل أبرز إيجابيات هذه الحرب الاستراتيجية، أنها رفعت الغطاء الزائف عن أسطورة «الجيش الذي لا يقهر»، وكشفت بوضوح عن الضعف الهيكلي لإسرائيل عند أول مواجهة عسكرية حقيقية وشاملة تخوضها منذ حرب أكتوبر 1973.
فالمشهد في الداخل الإسرائيلي لم يعد كما كان، إذ إن حجم الدمار والارتباك الذي أحدثته الضربات الإيرانية في العمق أثبت أن منظومة الردع الإسرائيلية أصيبت في مقتل، وبناءً على هذه المعطيات، فإن تفكير تل أبيب في الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة مع قوى إقليمية كبرى وتقليدية في المنطقة، مثل مصر أو تركيا، أصبح مستبعداً جداً وضرباً من الجنون الجيوسياسي.
فإذا كانت ترسانة من الصواريخ والمسيرات لدولة محاصرة لسنوات طويلة قد أحدثت هذا الشرخ الحاد في الأمن الإسرائيلي، فكيف سيكون الحال إذا واجهت جيوشاً نظامية متكاملة تمتلك عقيدة عسكرية صلبة وعمقاً استراتيجياً وبشرياً هائلاً؟
والسؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا بعد هذا المشهد: هل فشل مخطط الشرق الأوسط الجديد؟
الإجابة التي تفرضها القراءة المعمقة هي لا، المخطط لم يسقط، ولكن جرى تحديث البرمجيات السياسية المشغلة له وتغير السيناريو تمامًا.
فالسياسة البراغماتية للقوى العظمى عندما تعجز الحروب عن تحقيق الإنهاء الكامل للخصم فيها، تحولها فورًا نحو الاحتواء والتوظيف، والانتقال اليوم من سيناريو الهيمنة الإسرائيلية المطلقة والعلنية إلى سيناريو «الكماشة الجيوسياسية الثنائية» بين إسرائيل وإيران يعكس واقعًا جديدًا يتم فيه الاعتراف بالدولة الفارسية كقوة إقليمية نافذة بحكم الأمر الواقع، لتصبح الطرف الآخر في معادلة توازن رعب غير معلن، هذا الوجود الإيراني القوي والمخيف غدا بمثابة الخنجر في خاصرة الجوار الإقليمي، وتحديدًا دول الخليج، مما ينتج عنه مفارقة جيوسياسية خطيرة.
فكلما ازداد التخوف من النفوذ الإيراني وقوته الصاروخية، زاد الارتماء والاعتماد التلقائي على المظلة الأمنية الأمريكية والإسرائيلية طلبًا للحماية، وبذلك يتحقق هدف السيطرة على المنطقة عبر إدارة الصراع الداخلي وتوظيف “الفزاعات الجيوسياسية” بدلاً من حسم المعارك.
هذا الواقع المأزوم يعيد إلى الأذهان حقيقة استراتيجية غابت عن البعض، وهي أنه لا حماية حقيقية للدول العربية إلا عبر الاتحاد وتشكيل قوة عربية مشتركة، وهو الطرح القومي والرؤية الثاقبة التي عبّر عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ سنوات طويلة كدرع واقٍ للأمة، ولم تستجب لها بعض دول الخليج آنذاك نظراً لضغوط خارجية وحسابات صراع النفوذ الإقليمي، غير أن هذه الحرب جاءت لتثبت أيضاً وبما لا يدع مجالاً للشك أن مصر هي حجر الزاوية الحقيقي في المنطقة، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تشكيل واقع إقليمي جديد يهدف إلى تهميشها.
لقد برهنت القاهرة على أنها قوة فاعلة ومحورية على الساحتين العالمية والإقليمية، فبرغم كل ما تعرضت وتتعرض له من مؤامرات خبيثة تهدف إلى حصارها جيوسياسياً واقتصادياً، إلا أنها نجحت نجاحاً باهراً في تفكيك تلك المؤامرات وتركيع محاصريها، لتظل هي كلمة السر الوحيدة لاستقرار الشرق الأوسط وثباته.
أمام هذا الثقل المصري العصي على الانكسار، ستحاول الولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة المقبلة احتواء القاهرة ولكن بأسلوب مغاير، وذلك عبر إطلاق يد النفوذ المصري والتمدد في القارة الأفريقية كنوع من التعويض أو الإشغال الاستراتيجي.
في المقابل تترك واشنطن دول الخليج وحيدة تتجاذبها أمواج تلك الكماشة ما بين إيران وإسرائيل، إلا أن هذا المخطط الأمريكي الجديد محكوم عليه بالفشل الذريع لأسباب عديدة:
أولها وعي القيادة السياسية المصرية بطبيعة هذه المناورات وفهمها لأساليب القوى العظمى، وثانيها الترابط العضوي غير القابل للفصل بين الأمن القومي المصري وأمن الخليج العربي ككل.
إن الدرس الأكثر خطورة وأهمية والذي لابد أن تتعلمه دول المنطقة من هذه المواجهة، يكمن في تصدع الهيبة الردعية للولايات المتحدة الأمريكية التي ظهرت أمام القوة العسكرية الإيرانية كـ «نمر من ورق»، وهذا الوصف لا ينبع من قلة إمكانياتها العسكرية، بل من غياب الإرادة السياسية والقدرة على تحمل الكلفة البشرية والاقتصادية للحروب المفتوحة.
لقد أظهرت الحرب الحالية أن الاعتماد المطلق على الحليف الخارجي هو مراهنة على سراب استراتيجي، فالدول الكبرى تدير مصالحها بناءً على موازين الربح والخسارة.
وعند أول اختبار حقيقي فضلت واشنطن التراجع واحتواء القوة الإيرانية وتوظيفها بدلاً من الدخول في حرب شاملة لتفكيكها، إننا لسنا أمام نهاية التاريخ في الشرق الأوسط، بل أمام ولادة نظام إقليمي متعدد الأقطاب محليًا تحكمه المصالح البراغماتية الصرفة، والخروج من حدي هذه الكماشة يتطلب من القوى العربية إعادة قراءة المشهد بعيدًا عن العواطف، والالتفاف حول حجر الزاوية المصري، وبناء عناصر قوة ذاتية مشتركة قادرة على فرض شروطها في عالم لا يحترم إلا من يمتلك أوراق القوة على الأرض.
اقرأ أيضاًالشرق الأوسط بعد إيران
مصطفى بكري: القوى الكبرى تسعى لفرض واقع جديد بالمنطقة يقوم على الدويلات الطائفية والعرقية
