ماذا لو تعثرت مسارات ثورة 30 يونيو، واستمرت جماعة “الإخوان” في إدارة مفاصل الدولة المصرية حتى يومنا هذا؟
الواقع المأزوم للتنظيم والانقسام والتشرذم الإخواني المستمر في الشتات مع بداية النصف الثاني من عام 2026، بما يشهده من تناحر علني وتخوين واتهامات متبادلة باختلاس الأموال وتبديد الأصول مع توزيع متفق عليه لبعض الأدوار، يدفعنا فورًا إلى طرح هذا التساؤل المهم، لنقرأ الحاضر بأسلوب الفرضيات البديلة.
المشاهد موثقة بسطور بيانات الصراع على شرعية مفقودة وانقسام أفقي وعمودي موثق، بين جناح يقوده الهارب محمود حسين من إحدى الدول باسم القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، وجناح آخر في لندن يقوده الهارب صلاح عبد الحق “ظاهريًا” بالصفة ذاتها، فضلًا عن فلول الخلايا المسلحة التي تتجمع تحت لافتة ما يسمى “تيار التغيير الإخواني”، بينما تتناثر هنا وهناك شراذم أخرى بين الانشقاق والتمرد أو اعتزال الجميع، واتهامات بين أدعياء الربانية والدين لا تتوقف عند الخيانة والعمالة والفساد الأخلاقي.
عندما نعود إلى السلوك التنظيمي لجماعة “الإخوان” الإرهابية منذ بداية خروجهم من باطن الأرض إلى ظاهر العمل العلني بعد أحداث يناير 2011، ثم ما توهموا أنه الانتقال إلى مرحلة “التمكين” خلال عام حكمهم الأول والأخير (2012-2013)، نستخرج العديد من الوقائع التي تثبت أن الجماعة لا تؤمن بمفهوم “رجل الدولة”، وإنما تعتمد على “الولاء التنظيمي المطلق” كمعيار وحيد للإدارة.
الواقع المرير أطل برأسه في حركة المحافظين الشهيرة الصادمة للعديد من أبناء التنظيم، وتعيينات ديوان الرئاسة الانتقائية، والصراع المكتوم بين الحرس القديم ورجال خيرت الشاطر الذين التهموا المناصب بشراهة وتركوا الفتات لمن كانوا يوصفون بأنهم حملوا ما يسمى “راية الدعوة” والجماعة بحلوها ومرها وأفنوا سنوات عمرهم داخل التنظيم، وكانت الكوادر البارزة من هذه الفئة تتوهم أنها ستحصد ثمار سنوات طويلة، لكنها فوجئت بالإقصاء والتهميش، وفُرض عليهم الرضا قسريًا بأدوار الكومبارس والمجاميع لإنتاج مشاهد يتصدر بطولتها مجهولون خرجوا من سرداب التنظيم.
بناءً على هذا السلوك المُجرَّب، لو استمر حكمهم حتى عام 2026 ووقع الانشقاق والتشرذم بين جناحين أو أكثر وهم في مقاعد السلطة في مصر وليس في بلاد الشتات، لانتقلت معركة “مكتب الإرشاد” فورًا إلى داخل أروقة الوزارات والمؤسسات الحكومية التي جرى توزيع عناصرهم وقليل من عناصر الحلفاء عليها.
كنا سنشهد حالة من الشلل البيروقراطي غير المسبوق، وزير يتبع جبهة الحاكم التنفيذي خيرت الشاطر يصدر قرارًا، فيعطله وكيل أول وزارة يدين بالولاء المالي لجبهة الحرس القديم أو يخضع لسلطان مجهول صاحب قرار في التنظيم السري. القرارات الاستراتيجية للدولة، بدءًا من التعيينات في المناصب المهمة وصولًا إلى إدارة المرافق الحيوية، كانت ستحكمها التوازنات التنظيمية وشراء الولاءات داخل القواعد الإخوانية، وليس المصلحة العامة. الدولة في هذا السيناريو كانت ستتحول إلى إقطاعيات إدارية متناحرة، يُموّل كل جناح منها منصاته ومعاركه الداخلية من ميزانية الوزارات والقطاعات التي يسيطر عليها.
الفرضية التفكيكية تأخذنا إلى الشق الأمني، وهو الملف الأكثر خطورة. لطالما سعت الجماعة تاريخيًا إلى العمل على تنفيذ مخطط لإضعاف الأجهزة الأمنية والهيمنة عليها، وحاولت في شهورها الأخيرة خلق كيانات موازية لحمايتها. وفي حال فشل ثورة 30 يونيو، واستمرارهم في السلطة، كان صعود “تيار التغيير” (الكماليين) المؤمن بالعمل المسلح سيصطدم حتمًا برغبة الحرس القديم في التقية بالتهدئة والمواءمة للحفاظ على مكاسب السلطة، ولا سيما أن هذه الخلايا ظهرت مبكرًا باستعراض القوة والتعدي على خصوم الجماعة بادعاء حماية مقر مكتب الإرشاد ومكاتب حزب “الحرية والعدالة”، واستباحت دماء المصريين وأمنهم.
لكن هذا الصراع لم يكن ليمر عبر بيانات إلكترونية كما يحدث اليوم في الشتات، بل كان سيترجم إلى محاولات لتسليح مجموعات من شباب الجماعة تحت غطاء “اللجان الشعبية الرسمية” أو “الحرس الثوري” -المشروع الذي لم يستكمل- لفرض إرادة جناح ضد آخر. وهنا كان السيناريو سيتجه حتمًا نحو صدام دامٍ، ليس لأن الدولة ستستسلم، ولكن لأن الدولة بمؤسساتها تمتلك عقيدة وطنية صلبة ترفض منطق الميليشيات. هذا التماسك المؤسسي الوطني كان سيقف حائلًا دون تفكيك البلاد، لكنه في الوقت ذاته كان سيعني الدخول في مواجهة عنيفة ومباشرة داخل المدن لإخماد محاولات الأجنحة الإخوانية المتصارعة لفرض واقع الإرهاب المسلح.
اقتصاديًا، كشفت الصراعات الموثقة بين الأجنحة الإخوانية عن عقلية تدير أموال التنظيم بمنطق “الشركات المغلقة” والمصالح النفعية الضيقة، وحرب الاستحواذ على التمويل المشبوه الذي ظهرت ينابيعه بوضوح في الملاذات الآمنة.
بالبناء على ذلك، لو استمر الإخوان في الحكم، لجرى رهن المقدرات الاقتصادية المصرية لصالح شبكات التمويل المشبوه العابرة للحدود.المشروعات الكبرى التي طُرحت في عهدهم، كانت ستتحول إلى بؤر نفوذ مالي مباشر يتصارع عليها أباطرة غسل الأموال من كل الجنسيات ورجال الأعمال التابعين للجبهات المختلفة. وبمجرد حدوث الانشقاق التنظيمي، كان الاقتصاد المصري سيصاب بصدمات عنيفة نتيجة تجميد الأصول، وتنازع الأجنحة على ملكية الشركات والمشروعات الحيوية، وتحول الموازنة العامة إلى أدوات لإنقاذ الجناح الحاكم أو سداد فواتير القوى الإقليمية الداعمة له.
على الصعيد الدولي، نرى اليوم كيف ترتمي هذه الأجنحة في أحضان أجهزة استخبارات وعواصم مختلفة، ويتنقلون بين تلبية شروط القوى الإقليمية في الشرق، ومغازلة العواصم الغربية للحفاظ على وضعية اللجوء والحماية المؤقتة.
في حال بقائهم في السلطة، كانت السياسة الخارجية لمصر ستفقد استقلاليتها تمامًا، وتصبح سيادة الدولة مجزأة. كنا سنرى رداءً دبلوماسيًا مشوهًا: جناح حاكم يقدم تنازلات استراتيجية في ملفات الأمن القومي الحيوية كأوراق تفاوضية لضمان دعم دولي ضد الجناح الإخواني الخصم، وجناح آخر يستقوي بمحاور إقليمية لقلب موازين القوى داخل القاهرة. مصر، كلاعب إقليمي كبير، كانت ستتحول من فاعل يصنع السياسات إلى ساحة لتصفية حسابات المحاور الدولية عبر وكلاء التنظيم المتنافسين.
إن القراءة الهادئة والموضوعية لواقع التشرذم الإخواني الراهن، بعد سنوات من سقوطهم، تثبت أن الأزمة الوجودية التي تعيشها الجماعة اليوم هي نتاج جينات تنظيمية أصيلة في عقليتها العقيمة، حيث تتقدم مصلحة التنظيم دائمًا على منطق الدين والدولة.
هذا الانكشاف الفاضح في ذروة تشتتهم يعيد الاعتبار لضرورة وأهمية قرار الإنقاذ الوطني في يونيو 2013. لقد كان خروجًا من نفق مظلم ومحتوم، فالجماعة التي عجزت عن إدارة شؤون تنظيمها المنهار في الشتات، وفشلت قيادتها في الحد من سيول اتهامات السرقة والخيانة على مستوى أفرادها المطاريد، كانت حتمًا ستقود الدولة المصرية إلى حافة الانهيار والصراع الدموي.









