صالح أبو مسلم
صالح أبو مسلم
يقول الله تعالى في سورة الرعد: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) وقد بين الله للإنسان في هذه الآية الكريمة النهج القويم الذي يجب أن يسير عليه طوال حياته، ضمانا لأمنه وسلامته ومن ثم ضمان أمن وسلام الكون، وذلك من خلال ما ضربه الله لنا لهذين المثلين المتناقضين، فإما اختيار الحق في ثباته وبقائه، وإما اختيار الباطل في اضمحلاله وسرعة فنائه. وامتدادا لتلك المعاني، فإن الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية قد بينت الحلال والحرام، وأن الإنسان قد خلقه الله حرا ليكون حرا في اختياره، لما ينفعه وينفع الكون، وبين ما يضره ويضر الكون، حرا في اختياره للنجاح والفلاح، أو الفشل والخسران، حرا لاختياره طريق الخير، وطريق الشر، حرا لاختيار الزبد الذي يذهب جفاء، أو اختياره لما ينفع الناس ويمكث في الأرض، فالباطل صوره كثيرة، ومصيره الهلاك والخسران، وأما الخير وما ينفع الناس فهو ممتد وماكث في الأرض كالعلم الذي ننتفع به، والزرع الذي يملأ الكون خيرا ونماءً، ونفعا للناس عبر الزمان والمكان، فمن اختار الحق كان له نجاحا واستمرارا، ومن اختار الباطل فكان للإنسان الضرر والهلاك، فالعمل الصالح يبقى نافعا لأهله وزمانه، والعمل السيئ يضمحل ويزول سريعا، فالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها فالسماء، والشجرة الخبيثة تُجتث من الأرض وما لها من قرار.
إن الحكمة من تلك الآيات القرآنية وفقا للتفسيرات الدينية هو أن الله جلّ شأنه لكي لا يكون للإنسان حجة وضح لنا الفرق بين الحق والباطل، وبين من اتقى الشبهات واستبرأ لدينه وعرضه، وبين من غرته نفسه والدنيا حتى اغمضتا عينيه عن طريق الهدى إلى أن ضاع وهلك، بل وحتى انطبق عليه معنى الآية الكريمة في سورة الكهف ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، وهؤلاء الأخسرون يقصد بهم الله تعالى من يفنون أعمارهم وجهودهم في أعمال يعتقدون بأنها صالحة، في حين أنها أعمال باطلة ومرفوضة من الله، ودليل ذلك أن من الناس من يعمل العمل ويظن أنه محسن، في حين أنه يصبح ممن حبطت أعمالهم وسعيهم في الدنيا، ولو أنه راجع نفسه والتزم بما شرعه الله سيجد أن الحق يبقى ويقود صاحبه إلى الجنة، وأن الباطل لا يبقى ويزول سريعا، ويقود صاحبه إلي النار، ما يستوجب من الإنسان أن يراجع نفسه، ويتمسك بكل عمل ينفع فيه الناس والمجتمع، وأن نتحد جميعا على ما ينفع الناس، وأن نجتمع على كل ما هو طيب.
