لم يكن ظهور العقيد الليبي معمر القذافي في أول قمة عربية يحضرها مجرد مشاركة لرئيس دولة جديد، بل كان أشبه بعاصفة سياسية ضربت قاعة المؤتمر في الرباط، منذ اللحظة الأولى. فقد جاء الضابط الشاب، الذي لم يمضِ سوى أسابيع على نجاح ثورة الفاتح من سبتمبر، حاملاً عقلية الثائر أكثر من عقلية الدبلوماسي، مؤمنًا بأن الثورة لا تعترف بالبروتوكولات، ولا تُقيم وزنًا للألقاب الملكية أو الأعراف السياسية.
كانت الأجواء في القمة العربية مشحونة أصلًا بسبب تداعيات الصراع مع إسرائيل والاستعدادات العسكرية، إلا أن وجود القذافي أضاف إليها توترًا من نوع آخر. فمنذ استلامه بطاقة الدعوة، شطب بنفسه عبارة “صاحب الفخامة”، وطلب أن يُكتب فقط “العقيد”، معتبرًا أن الألقاب ليست سوى بقايا عهد أراد أن يدفنه مع الملكية الليبية.
لكن المشهد الأكثر إثارة وقع قبل افتتاح الجلسة، عندما شاهد رئيس الديوان الملكي المغربي مولاي عبد الحفيظ يقبّل يد الملك الحسن الثاني وفقًا للتقاليد الملكية المغربية. وقف القذافي محتجًا بصوت مرتفع قائلاً: “ما زلنا في عصر السادة والعبيد.. .أنا لا أجلس في مؤتمر تُقبّل فيه الأيدي.”
ساد الذهول القاعة، بينما بدا الملك الحسن الثاني مستغربًا من هذا التصرف غير المسبوق، واضطر الرئيس جمال عبد الناصر إلى التدخل لاحتواء الموقف حتى لا يبدأ المؤتمر بأزمة دبلوماسية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فعندما طلب الكلمة خاطب رئيس القمة قائلاً: “يا حسن”، دون أن يسبقه بلقب “جلالة الملك”، ثم التفت إلى الملك فيصل قائلاً: “اسكت يا فيصل”. كانت تلك لحظة صادمة في تاريخ القمم العربية، إذ لم يسبق أن خاطب رئيس عربي الملوك بهذه الطريقة.
وفي الاستراحة، صنع القذافي مشهدًا آخر لا يقل غرابة، عندما شاهد الجنرال المغربي محمد أوفقير، فسأل عنه، وما إن عرف أنه الرجل المتهم في قضية اختفاء المعارض المغربي المهدي بن بركة، حتى أخذ يطارده داخل أروقة المؤتمر وهو يصرخ بأنه “مجرم”، في مشهد بدا أقرب إلى فيلم سياسي منه إلى اجتماع لرؤساء الدول.
غير أن الجانب الأكثر أهمية لم يكن في هذه الطرائف، وإنما في الجلسات السرية التي دوّن الرئيس جمال عبد الناصر وقائعها بخط يده. هناك ظهر القذافي بصورة مختلفة، فقد كان يهاجم حالة العجز العربي، ويقول إن الجميع يتحدث عن الحشد العسكري، بينما لا أحد يحدد ماذا سيفعل بالفعل.
قال بوضوح:
“لا فائدة من هذه القمة.. .كل واحد يكرر ما قاله صباحًا.. .دعونا نواجه الشعوب بالحقيقة.”
وطالب بأن تعلن كل دولة ما تستطيع تقديمه عمليًا، لا أن تكتفي بالخطب الرنانة. وعندما طُرح سؤال بسيط: “من المستعد للحشد؟”، ساد الصمت، ولم تجد معظم الوفود إجابة واضحة.
كان المشهد كاشفًا لحجم الانقسام العربي في تلك المرحلة، وهو ما جعل القذافي يعلن، في لحظة غضب، أن الشعوب العربية ينبغي أن تعرف الحقيقة كاملة، وأن استمرار المؤتمرات بهذه الطريقة لن يحرر فلسطين.
طرائف العقيد في المؤتمرات العربية
لم تكن هذه الواقعة الوحيدة في مسيرة القذافي داخل القمم العربية، فقد عُرف دائمًا بخروجه عن النص، ومن أشهر مواقفه:
رفضه الدائم للألقاب الرسمية والاكتفاء بلقب “العقيد”.
مخاطبة الملوك والرؤساء بأسمائهم المجردة.
الاعتراض على المراسم والبروتوكولات الملكية.
مقاطعة المتحدثين بقوله: “ادخلوا في الموضوع”.
اتهام بعض القادة بالتقصير أمام الجميع دون مجاملة.
الدخول في مشادات كلامية متكررة مع عدد من الزعماء العرب.
تحويل كثير من جلسات القمم إلى مشاهد سياسية لا تخلو من الطرافة والجدل.
وفي قمة القاهرة التي أعقبت أحداث أيلول الأسود، عاد القذافي ليهاجم الأنظمة العربية، مطالبًا بإجراءات حاسمة بدلًا من البيانات الختامية، وهو ما جعل حضوره مثيرًا للجدل في كل اجتماع عربي تقريبًا.
هل كان القذافي على حق؟
قد يختلف المؤرخون حول أسلوب معمر القذافي، لكن كثيرين سيعترفون بأن بعض ما قاله داخل تلك الجلسات كان يعكس واقعًا عربيًا مأزومًا. فقد رأى أن البيانات الإنشائية لا تصنع حربًا، وأن الخطابات لا تحرر أرضًا، وأن الشعوب تستحق معرفة الحقيقة بدلًا من الاكتفاء بالشعارات.
لكن في المقابل، فإن اندفاعه الثوري، وافتقاره إلى الخبرة الدبلوماسية، جعلا رسائله تضيع وسط الضجيج الذي أحدثه أسلوبه الصدامي.
تبقى المفارقة الأكثر إثارة أن الرجل الذي دخل أول قمة عربية رافضًا للألقاب والبروتوكولات، أصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الزعماء إثارة للجدل، وصاحب بروتوكول خاص به، وخيمة ترافقه في زياراته، وملابس عسكرية غريبة، وحرس نسائي، حتى صار حضوره في المؤتمرات حدثًا إعلاميًا بحد ذاته.
وهكذا سيظل معمر القذافي شخصية استثنائية في التاريخ العربي، ثائرًا تمرد على الأعراف، وسياسيًا أربك الجميع، ورجلًا ترك من الطرائف والمواقف ما يكفي لملء كتب كاملة، لكنه ترك أيضًا أسئلة لا تزال مفتوحة: هل كان سابقًا لعصره؟ أم أن أسلوبه كان السبب في ضياع كثير من أفكاره؟ ذلك سؤال سيظل المؤرخون يختلفون حوله طويلًا.. .. ، ، !!
اقرأ أيضاًبعد 12 عاما.. حكم قضائي في ليبيا يبرئ 31 من رموز نظام القذافي بأحداث فبراير 2011








