الحمد لله الذي زيّن الإنسان بالعقل، وشرّفه بالإيمان، وجعل مكارم الأخلاق سُلَّمًا إلى رضوانه، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ المصطفى، الذي بعثه الله متمّمًا لمحاسن الأخلاق، وعلى آله الطيبين الطاهرين، مصابيح الدجى وسفن النجاة، وصحابته المنتجبين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن من أعظم ما ابتُليت به الأمم في أزمان ضعف البصائر واختلاط المعايير أن يُرفع الخسيس ويُوضع النفيس، وأن تُتَّخذ التفاهة صناعة، والإسفاف ثقافة، والانحلال تقدّماً، حتى يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً عند طائفة من الناس. وقد صدق الله العظيم إذ يقول: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا».
ويقول سبحانه: «وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا».
فهذه آية جامعة رسمت للمؤمن طريق السمو، فلا خصومة مع السفهاء، ولا انحدار إلى مهاوي الابتذال، ولا مشاركة في أسواق اللغو والباطل.
ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن قيمة المرء ليست فيما يرفع صوته به، بل فيما يرفع قدره عند الله، فقال: «إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً»، وقال: «ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».
وما كان الإسلام دين ألفاظٍ مجردة أو شعاراتٍ مرفوعة، بل كان مدرسةً لصناعة الإنسان الكريم، الإنسان الذي يملك نفسه إذا هاجت الشهوات، ويملك لسانه إذا استفزّت الخصومات، ويملك عقله إذا اجتاحته أمواج الفتن.
وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يرى أن الأخلاق تاج العقل وزينة الإيمان، فقال: «من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته».
وقال أيضا: «ثمرة العقل مداراة الناس».
فالنفس الكريمة تأبى أن تتلطخ بأدران الإسفاف، كما تأبى الجواهر النفيسة أن تُلقى في مزابل الطريق. وما أكثر من خسروا هيبتهم حين ظنوا أن الجرأة في البذاءة شجاعة، وأن الوقاحة حرية، وأن التهتك تحرر، وما علموا أن الحرية الحقة هي التحرر من أسر الهوى، لا الارتماء في أحضانه.
ولقد نبّه أهل البيت عليهم السلام إلى خطر انحدار الإنسان خلف الأهواء والدعوات المضللة فقد روي عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: «عجبت لمن يتفكر في مأكوله كيف لا يتفكر في معقوله، فيجنب بطنه ما يؤذيه ويودع صدره ما يرديه».
وهذا من أعظم ما يحتاجه المسلم في عصر الإعلام المفتوح إذ لم تعد الفتنة تطرق الأبواب، بل تدخل البيوت عبر الشاشات، وتستأذن العقول عبر الصور والكلمات والمقاطع التي تُزيَّن للناس حتى يظنوا الرذيلة فناً، والتفاهة إبداعاً، والانحلال تحضراً.
وما أكثر ما نرى اليوم من وسائل إعلام ومنصات تواصل تتاجر بغرائز الناس، وتبني شهرتها على إثارة السفه، وتروّج لكل ما يخدش الحياء ويهدم الوقار ويضعف الانتماء إلى القيم الأصيلة. وليس الخطر في وجود هذه الدعوات فحسب، بل في الاعتياد عليها، فإن النفوس إذا ألفت المنكر لم تستنكره، وإذا جاورت القبح استحسنته.
وقد قيل قديماً والنفسُ كالطفلِ إن تُهمله شبَّ على حبِّ الرضاعِ وإن تفطمه ينفطمِ
ومن هنا كان واجب المسلم أن يكون حارسا على قلبه وعقله، فلا يجعل كل ما يُعرض عليه جديرا بالمتابعة، ولا كل مشهورٍ أهلاً للاقتداء، ولا كل رائجٍ مستحقا للإعجاب ولا كل قول يصدق بغير برهان فما أكثر ما يردده أعداء الأوطان من إشاعات ودعايات كاذبة يهيجون فيها الناس على اوطانهم خدمة لأعدائهم والمشاريع الشيطانية التي يريدون بها خراب البلاد.
إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية إنما حفظت هويتها عبر القرون بالحياء والعفاف وصيانة الحرمات واحترام الكبير وتوقير الأسرة وحفظ اللسان. وهذه ليست عادات عابرة، بل حصون حضارية وأخلاقية قامت عليها حياة الناس واستقرارهم وإن أعداء الإنسانية يروجون للوقيعة بين بني الإنسان وهدمه عبر نشر الفحش والفاحشة في هذه المجتمعات ولابد لنا من مقاومة هذه المخططات بترقية النفوس وتنزيهها عن الإسفاف والانزلاق إلى دركاته.
وقد أحسن المتنبي حين قال: وإذا كانت النفوسُ كبارا تعبت في مرادها الأجسامُ فالنفوس الكبيرة لا ترضى بالدنايا، ولا تتغذى على التوافه، ولا تستطيب مواطن السقوط. وإنما ترتفع بالعلم والأدب والحكمة والعمل الصالح.
فإذا فسد اللسان سقطت المروءة، وإذا ضاعت المروءة هان الإنسان على نفسه قبل أن يهون على الناس.
ولقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول: «إذا تمّ العقل نقص الكلام»، فكيف بمن جعل حياته كلها ضجيجا وجدالاً وسباباً وتتبعاً للعورات وملاحقةً لكل نازلةٍ وتفاهة؟!».
ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح ميت إيلام إن الرقي الحقيقي ليس في تقليد كل وافد، ولا الذوبان في كل ثقافة، وإنما في أن يأخذ المسلم من الحضارة علمها وإبداعها ومنجزاتها النافعة، ويترك ما يناقض دينه وأخلاقه وكرامته وأعراف مجتمعه. فالحكمة ضالة المؤمن، لكنه لا يبيع ثوابته ليشتري سراباً، ولا يهدم بيته ليبني نافذة.
إن الله تعالى لم يكلّفك أن تكون مشهورا، ولكنه كلّفك أن تكون صالحا. ولم يأمرك أن ترضي الناس جميعا، ولكنه أمرك أن ترضي رب الناس. فاجعل لسانك معمورا بالذكر، وقلبك معمورا بالتقوى، ووقتك معمورا بما ينفع، وابتعد عن مواطن السخف والابتذال، فإن المرء يُعرف بمجالسه، ويُقاس بحديثه، ويُحكم عليه بما يختار لنفسه.
واعلم أن الكلمة مسؤولية، والنظر أمانة، والمتابعة موقف، وأن الله سائلك عن عمرك فيما أفنيته، وعن سمعك وبصرك وفؤادك فيما استعملتها.
فطوبى لمن حفظ دينه في زمن الفتن، وصان مروءته في زمن الابتذال، وتمسك بأخلاق الإسلام في زمن التسيب، وكان كما أراد الله له: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ».
أولئك هم أهل الرفعة حقا، وإن لم تعرفهم المنصات، وأهل المجد صدقا، وإن لم تصنعهم الشاشات، لأن مجدهم موصول بالسماء، وأخلاقهم مستمدة من نور النبوة، وسيرتهم معطرة بهدي القرآن وأقوال العترة الطاهرة.
والحمد لله رب العالمين.
اقرأ أيضاحين تغيب الثقافة
