لم تكن موجة الصعود التاريخية التي قادتها شركات الأمريكية خلال العامين الماضيين مجرد دورة صعود اعتيادية في أسواق المال، بل مثلت حالة من النشوة الاستثمارية دعمتها الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، والتوقعات بأن تقود هذه التكنولوجيا إلى أكبر طفرة في الإنتاجية والأرباح منذ ظهور الإنترنت.
لكن الأسواق المالية لا يتم تقييمها في الواقع فقط، بل في المستقبل أيضًا. وحين تتجاوز التوقعات قدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد الأرباح، تبدأ مرحلة إعادة التقييم.
ومن هنا، فإن التصحيح الذي تشهده وول ستريت اليوم لا ينبغي النظر إليه بإعتباره مجرد موجة بيع عابرة، بل بإعتباره اختبارًا حقيقيًا للفجوة بين التوقعات المالية والأسس الاقتصادية، وتكشف الأرقام حجم هذا التحول، ففي يونيو 2026 فقدت أسهم عمالقة التكنولوجيا الأمريكية نحو 3 تريليونات دولار من قيمتها السوقية، لتتراجع قيمتها المجمعة إلى حوالي 20.8 تريليون دولار، في أكبر خسارة شهرية لهذه المجموعة منذ أصبحت المحرك الرئيسي للأسواق الأمريكية.
والأهم أن هذا التراجع جاء في وقت ظل فيه مؤشر S&P 500 متماسكًا نسبيًا، بما يعكس بداية تحول في قيادة السوق واتساع ظاهرة إعادة توزيع الاستثمارات بين القطاعات.
ولا تكمن أهمية هذه الشركات في حجمها فقط، بل في درجة تركّزها داخل السوق الأمريكية، فهي تمثل ما يقرب من ثلث القيمة السوقية لمؤشر S&P 500، وهو مستوى غير مسبوق تاريخيًا، بما يجعل أي إعادة تسعير واسعة النطاق فيها قادرة على التأثير في أداء المؤشر بأكمله، بل وفي ثروة المستثمرين والاقتصاد الحقيقي كذلك.
ولفهم ما يجري، يصبح من المفيد العودة إلى الأدبيات الكلاسيكية للأزمات المالية. فقد أوضح الاقتصادي هيمان مينسكي أن فترات الاستقرار الطويلة تخلق تدريجيًا سلوكًا استثماريًا أكثر جرأة، حيث تنتقل الأسواق من التمويل القائم على الأرباح الفعلية إلى الاعتماد على استمرار ارتفاع الأسعار، حتى تأتي اللحظة التي يكتشف فيها المستثمرون أن التوقعات سبقت الواقع.
أما تشارلز كيندلبرجر فقد وصف الفقاعات بأنها تمر بمراحل تبدأ بالازدهار ثم المضاربة المفرطة، قبل أن تدخل مرحلة جني الأرباح وتصاعد القلق، وربما تنتهي إذا اختلت الأسس الاقتصادية بحالة من الذعر والانهيار، وفي ضوء هذين النموذجين، تبدو الأسواق الأمريكية اليوم أقرب إلى مرحلة إعادة التسعير منها إلى مرحلة الانهيار الشامل. فالذكاء الاصطناعي ليس فقاعة وهمية، بل ثورة تكنولوجية حقيقية، إلا أن الأسواق ربما بالغت في تقدير سرعة تحول هذه الثورة إلى أرباح وتدفقات نقدية.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغل المستثمرين: هل يواكب العائد الاقتصادي الحقيقي حجم الأموال التي تُضخ في الذكاء الاصطناعي؟ تشير التقديرات إلى أن الإنفاق الرأسمالي لعمالقة التكنولوجيا على مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيصل إلى نحو 725 مليار دولار خلال عام 2026، وهو رقم يوازي الناتج المحلي الإجمالي لدول متوسطة الحجم. لكن هذا الإنفاق الضخم لم ينعكس بعد بصورة متناسبة على نمو التدفقات النقدية الحرة، وهو ما دفع كثيرًا من المستثمرين إلى إعادة تقييم رهاناتهم. وقد ناقشت أبحاث صادرة عن مؤسسات مالية كبرى، وفي مقدمتها Goldman Sachs، هذه الفجوة بين الإنفاق الرأسمالي والعائد المتوقع، مؤكدة أن السوق أصبح يركز بصورة أكبر على قدرة الشركات على تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى أرباح فعلية، وليس مجرد نمو في الإيرادات أو زيادة في الإنفاق.
وفي المقابل، لا تزال مؤسسات أخرى ترى أن موجة الاستثمار الحالية تستند إلى نمو حقيقي في الأرباح، وليس إلى مضاربة خالصة، وهو ما يعكس استمرار الانقسام داخل وول ستريت حول تقييم المرحلة الحالية.
وفي الوقت نفسه، يقف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أمام واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا منذ سنوات، فاستمرار أسعار الفائدة المرتفعة يعني بقاء تكلفة رأس المال عند مستويات تضغط على الشركات ذات التقييمات المرتفعة، وتجعل السندات الحكومية أكثر جاذبية للمستثمرين. أما التسرع في خفض الفائدة فقد يتم تفسيره باعتباره إقرارًا بضعف الاقتصاد، بما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التقلبات. لذلك لم تعد الأسواق تراقب فقط نتائج أعمال شركات التكنولوجيا، بل أصبحت تتابع بيانات التضخم، وسوق العمل، والعوائد على السندات، باعتبارها العوامل التي ستحدد ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي قادرًا على تحقيق هبوط ناعم، أم أنه يتجه إلى تباطؤ أكثر حدة.
وتزداد حساسية هذا المشهد لأن قطاع التكنولوجيا أصبح يمثل مركز الثقل في السوق الأمريكية. وتشير تقديرات مؤسسات إدارة الأصول إلى أن أكبر الشركات المدرجة تستحوذ على نسبة غير مسبوقة من القيمة السوقية للمؤشر، كما تقود الجزء الأكبر من الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية الرقمية.
الأمر الذي يجعل أي تباطؤ في استثماراتها ينعكس سريعًا على سلاسل التوريد، والاستثمار الخاص، والنمو الاقتصادي. ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تراجع أسعار الأسهم وحده، بل في انتقال هذا التصحيح إلى الاقتصاد الحقيقي عبر ما يعرف بأثر الثروة. فعندما تتراجع قيمة المحافظ الاستثمارية، تنخفض شهية الإنفاق والاستهلاك والاستثمار، وهو ما قد يبطئ النشاط الاقتصادي، خاصة إذا تزامن مع صدمات في أسعار الطاقة أو اضطرابات جيوسياسية تعيد إشعال الضغوط التضخمية.
ومع ذلك، فإن المقارنة مع فقاعة شركات الإنترنت في مطلع الألفية ينبغي أن تتم بحذر. فالشركات التي تقود موجة الذكاء الاصطناعي اليوم تحقق أرباحًا بمئات المليارات من الدولارات، وتمتلك ميزانيات قوية وتدفقات نقدية ضخمة، بخلاف كثير من شركات فقاعة الإنترنت التي لم تكن قد أثبتت نماذج أعمالها بعد.ولهذا، فإن ما يحدث حاليًا يبدو أقرب إلى إعادة ضبط للتوقعات منه إلى انهيار لأسس التكنولوجيا نفسها. في النهاية.
لا يتمثل السؤال الأهم في ما إذا كانت الأسهم ستواصل الصعود أو الهبوط، بل في قدرة الاقتصاد الحقيقي على اللحاق بالتوقعات التي سبقت الزمن. فإذا نجحت الشركات في تحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية أعلى وأرباح مستدامة، فقد يُنظر إلى التصحيح الحالي باعتباره محطة صحية في دورة نمو طويلة. أما إذا استمرت الفجوة بين التقييمات المالية والاقتصاد الحقيقي، فقد تدخل الأسواق مرحلة أكثر عمقًا من إعادة التسعير، تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
بعد نشوة الذكاء الاصطناعي، لم يعد المستثمرون يكتفون بشراء الوعد، بل أصبحوا يطالبون بالدليل. وهذا، في جوهره، هو الاختبار الحقيقي الذي تواجهه وول ستريت اليوم.
منصات ذكية بأيدٍ طلابية.. طلاب «BIS» بجامعة أسيوط الأهلية يبدعون في مشروعات التخرج
