تُدار في حوض النيل والشرق الأوسط واحدة من أعقد استراتيجيات “الاستدراج الصبور” عبر الجغرافيا السياسية وشبكات المياه.
إن التعامل مع سد النهضة والتصعيد الإثيوبي المتزايد لبناء سدود جديدة خلفه باعتبارها مجرد “مشروعات تنموية” هو قراءة قاصرة تتغافل عن أبعاد استراتيجية خبيثة.
فهذا التوظيف الهيدرولوجي هو تطبيق عملي لمخطط يهدف لإعادة رسم خرائط النفوذ عبر خنق الدولة المصرية، واستهداف مركز ثقلها الصلب المتمثل في الجيش المصري.
لم تكن فكرة تحويل الشرايين المائية إلى أسلحة جيوسياسية وليدة المصادفة، بل بلور معالمها الكاتب جوردون ألكسندر عام 1993 في كتابه “حرب المياه”، مستشرفاً التحكم في منابع الأنهار لإرغام دول المصب على الخضوع.
وتتجلى أبعاد هذا المخطط اليوم في التصريح الخطير لوزير المياه الإثيوبي “هابتامو إيتيفا” بنيّة بلاده بناء سدود إضافية على النيل الأزرق فرضاً للأمر الواقع.
هذا التصعيد يمثل النواة الصلبة لسيناريو ضغط تنفذه أدوات مشروع “الشرق الأوسط الجديد” لإجبار مصر على خوض صراع عسكري مباشر ومكلف يستنزف مقدرات المؤسسة العسكرية.
وتتقاطع هذه الحرب المائية مع أطروحة “تصادُم الحضارات” لسامويل هنتنجتون، والتي افترضت أن صراعات المستقبل ستدور بين “الكتل الحضارية”.
وتطبيقاً لهذا الطرح لتفكيك الإقليم، يجري هندسة حلف إقليمي “سني” يضم تركيا وباكستان والسعودية، مع محاولات مستميتة لضم مصر لتكون القوة العسكرية الضاربة له.
تتوزع الأدوار بدهاء، إذ تلعب تركيا دور المحفز لاستقطاب القاهرة، بينما تشكل باكستان حليفاً عسكرياً لواشنطن. والهدف الخفي ليس تمكين الشعوب، بل إبراز هذا التكتل كتهديد مباشر لإسرائيل وللمصالح الغربية، مما يمهد لمواجهة مفتعلة بين الحلف الغربي والحلف السني، تكون نتيجتها ضرب الجيش المصري وتفكيك دول المنطقة من الداخل.
ولا ينفصل هذا التسييج عن التحولات الأخيرة في سوريا، فقد جرى تحويل الأراضي السورية بدقة إلى منصة تجميع لوجستية ورعاية للإرهابيين وعناصر جماعة الإخوان. والمخطط هنا هو فتح مسار اختراق جغرافي صريح ينطلق من الداخل السوري جنوباً عبر الجولان المحتل، ليكون رأس جسر لتسلل هذه العناصر وتدفقها نحو سيناء والحدود الشرقية لمصر.
وبذلك تكتمل حلقة النار حول الجغرافيا المصرية وتستعد كل الجبهات للانقضاض: الجبهة الجنوبية محاصرة بالخنق المائي الإثيوبي، والجبهة الغربية مشتعلة بالفوضى والميليشيات في ليبيا، والجبهة الشرقية يُعاد ملؤها بالكتل الإرهابية عبر مسار سوريا-الجولان، فضلاً عن المسرح البحري المهدد في البحر الأحمر.
إنها حالة تطويق شاملة صُممت لإبقاء مصر في استنفار دائم واستنزاف مستمر.
غير أن التقييم الدقيق لميزان القوى يوضح أن الرد المباشر بالحشد العسكري في العمق الأفريقي يقع تماماً ضمن سيناريو الاستنزاف المُراد في أديس أبابا. والبديل الأكثر فاعلية يتطلب تفعيل “الدبلوماسية الهيدرولوجية المكثفة”، وبناء تحالفات أمنية واقتصادية متينة مع دول جوار إثيوبيا كالصومال وجنوب السودان وإريتريا، مع إحكام السيطرة الحديدية على الحدود الشرقية والغربية لمنع أي تسلل.
إن الربط بين أدبيات “حرب المياه” و”صراع الحضارات” وتحويل سوريا إلى منصة إرهابية عبر الجولان يكشف أن هذه الترتيبات هي أوراق عمل مسبقة لتمرير “الشرق الأوسط الجديد” وتمهيد المسرح لمشروع “إسرائيل الكبرى”.
تتكامل الأدوات بين خنق مصر مائياً، وإحاطتها أمنياً، وزجها في أحلاف إقليمية لتكون هدفاً لمواجهة مع الغرب، وهو ما يفرض على الدولة المصرية تفكيك هذه الفخاخ عبر الردع متعدد الأبعاد، والحفاظ على الاستقلالية المطلقة لقرارها العسكري لحماية أمنها القومي.
