بلا خوف من أي عواقب أو ردود فعل، أعلن الإرهابي التكفيري محمد إلهامي – عبر منصتي «إكس» و«فيسبوك» يوم السبت 15 أغسطس 2026 – أنه سيلقي في اليوم التالي محاضرة في معرض دولي للكتاب في دولة من دول الملاذ الآمن، يعقبها حفل توقيع لكتبه في جناح إحدى دور النشر، كما أعلن أن كتبه تتوافر في ثلاثة أجنحة بالمعرض وفي جناح رابع باسم حركة «ميدان»، المعروفة للقاصي والداني أنها قناع سياسي لحركة «حسم» الإرهابية المسلحة المصنّفة دوليًا كتنظيم إرهابي. هذا الإعلان يفتح الأبواب على مصارعها أمام العديد من التساؤلات، ويسلط الضوء على عملية من عمليات غسل سمعة كيانات إرهابية على أرصفة الثقافة.
عندما بحثنا عن جناح حركة «حسم» في المعرض الدولي الكبير، ظهرت لنا لافتة ضخمة تتضمن شعارات الحركة وصورها المُستخدمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الدعوة لما يسمى “الحراك الثوري والتغيير بالقوة” والتحريض ضد مؤسسات الدولة المصرية. أما الفضيحة الأكبر فكانت في اللافتة الكبرى التي تحتل خلفية الجناح وتتصدرها صور الإرهابيين الهاربين: يحيى موسى، ومحمد منتصر، ورضا فهمي، وعمر طلعت.
بعد ردود فعل غاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استنكر أصحابها ظهور صورة الهارب يحيى موسى في صدارة الجناح المُسمى «ثقافي»، رغم علم الجميع بأنه مصنف دوليًا في قوائم العناصر الإرهابية، تم تعديل اللافتة لتبقى صورة التحريض ومعها عدة تساؤلات: ما هو الكيان القانوني الذي تعاقد مع إدارة المعرض وسدد رسوم الاشتراك باسم «ميدان» وأقرته الجهات المختصة في تلك الدولة؟ ولماذا صرحت هذه الجهات في تلك الدولة للإرهابي التكفيري محمد إلهامي بعرض كتبه المسمومة وإلقاء محاضرة واستقبال الجماهير في حفل توقيع، وهو معروف بضلالاته التكفيرية التي تستهدف رؤساء وملوك دول وحكومات عدد من الدول العربية، وتحريضه على قلب نظام الحكم في عدد من الدول؟
ما صلة دور النشر بإرهابي تكفيري؟ ومن الممول الذي يدفع قيمة طباعة كتبه التي تسافر من دولة إلى أخرى، ومن معرض دولي إلى آخر بلا أي عقبات أو عراقيل أو رقابة؟ ومن الذي يدعم هذا الإرهابي ويساعده في المشاركة بكتب الضلال والتضليل في معارض كبرى في دول لا داعي لذكر اسمها؟ وماذا يعني الاعتراف والتصريح لعناصر حركة «حسم» الإرهابية بممارسة نشاط علني داخل معرض دولي للكتاب؟
هذا الحضور العلني يكشف، قبل أي شيء، عن وجود قرار أو على الأقل “صمت متفق عليه” يمنح هذا الكيان الإرهابي مساحة جديدة للتحرك على الأرض وتحت الأضواء بدلًا من التخفي خلف شاشات المنصات الرقمية. إن انتقال «حسم» من الغرف المغلقة إلى أروقة معرض دولي للكتاب ليس تطورًا ثقافيًا ولا اقترابًا من العمل السياسي السلمي، وإنما هو اعتراف بوجودها العلني ودعم غير مباشر لما تخطط له من مؤامرات، ومنها -على سبيل التذكرة- ما ارتكبته عناصرها من اعتداءات على السفارات والقنصليات ومكاتب البعثات الدبلوماسية المصرية في عدة دول.
وعلى جانب آخر، يعكس هذا المشهد أن مشروع «غسل السمعة» الذي تعمل عليه «حركة ميدان» منذ سنوات قد وصل إلى محطة متقدمة. فالمسألة لم تعد مجرد حسابات إلكترونية أو بيانات توزع في المناسبات، أو مؤتمرات في قاعات مُستأجرة، وإنما جناح رسمي داخل معرض دولي، بمقابل مالي وبموافقات رسمية، وبانرات تحمل صور قيادات مصنفة إرهابية. هذه قفزة نوعية في مسار إعادة تموضع الخلايا الإخوانية النوعية المسلحة، تحاول من خلالها أن تقول للعالم: نحن هنا، نبيع الكتب، ونلقي المحاضرات، ونوقّع الإصدارات، فلماذا تصنفوننا إرهابيين؟
والأخطر من ذلك، أن التنظيم الإرهابي لم يكتف بالمخاطبة الداخلية لجمهوره المحاصر داخل العالم الافتراضي المغلق، ولكن بات يبحث عن جمهور جديد في المعارض الثقافية الدولية. إن مشاركة التكفيري محمد إلهامي في عدة معارض دولية للكتب، كما يعلن بنفسه عبر حساباته الموثقة، تكشف عن خطة ممنهجة لاختراق الأوساط الثقافية والطلابية والجاليات العربية في الخارج، وتقديم الخطاب التكفيري في ثوب ثقافي ناعم بفكر مسموم يقتل العقل والضمير. فما هي الرسالة التي يوجهها أصحاب قرار الإيواء والدعم إلى الجيران وشعوب المنطقة؟ ولماذا يعلنون رسميًا أنهم يحتضنون رموز التكفير والتحريض على قتل الأبرياء وتفجير المؤسسات؟!
إن هذه المشاركة، بكل ما حملته من رموز وصور وتصريحات، ليست اعتداءً على دولة واحدة من الدول التي تخوض حربًا ضد الإرهاب، وإنما عدوان مع سبق الإصرار والترصد على منظومة القانون الدولي ومكافحة الإرهاب برمتها. فكيف لدولة عضو في الأمم المتحدة أن تسمح لأنشطة كهذه أن تُقام على أرضها؟ وكيف نفسّر الصمت الدولي المريب حيال ما يحدث؟ هل أصبح الإرهاب مقبولًا إذا ارتدى قناع الثقافة؟ وهل صارت الجرائم قابلة للتبييض إذا غُلّفت بأوراق الكتب المسمومة؟!
الأخطر من ذلك كله، أن هذه الممارسات لا تضر بدولة واحدة أو الدول المستهدفة فحسب، لكنها تزرع في جسد المضيف نفسه بذور خطرها القريب. فالجماعات التكفيرية لا تعرف حدودًا للوفاء، ولا سقفًا للامتنان. إنها كائنات إرهابية مسكونة بوهم التمكين، تتغذى على الدماء والفوضى، وتعتقد أن لها حقًا شرعيًا في فرض مشروعها على الجميع، بمن فيهم من فتحوا لها الأبواب ويسروا لها السبل. ولن يكون بعيدًا اليوم الذي قد تشعر فيه «حسم» أو غيرها بأن مضيفها لم يعد يخدم طموحها، أو أنها صارت أقوى من أن تحتاج إليه.
أما السحر، فسيظل سحرًا حتى ينقلب على ساحره. وحينها فقط، سيعرف من راهن على العقارب السامة أنها لا تفرق بين يد تحميها ويد تحاربها، وعندما تعلن «حسم» – يومًا ما – حربها على من احتضنها، سيبحث صانع القرار في دول الإيواء عن مخارج لا يملكها، وسيكتشف بعد فوات الأوان أن أدوات الأمس أضحت قنابل اليوم، وأن من فتح بابه للريح لا يملك القدرة على منع العاصفة من اقتلاع أبوابه ونوافذه.
