لم يكن تأهل منتخب مصر إلى الدور الـ16 في كأس العالم 2026 بعد انتصاره المثير على أستراليا مجرد نتيجة رياضية، بل تحول إلى مناسبة احتفالية واسعة امتدت من المحيط إلى الخليج، ووصل صداها إلى بعض الدول الإسلامية، حيث خرجت الجماهير إلى الشوارع، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل التهنئة والفخر، وارتفعت الأعلام المصرية إلى جانب أعلام الدول العربية، في مشهد أعاد إلى الأذهان اللحظات التي توحدت فيها شعوب الأمة خلف آمالها الكبرى وتحديها للأعداء.
وشهدت مدن عربية مثل الرياض وجدة والدوحة والكويت والمنامة ومسقط وأبوظبي ودبي وعمان وبغداد والجزائر والرباط وتونس وطرابلس ونواكشوط والخرطوم مظاهر فرح واسعة، سواء في المقاهي أو الساحات العامة أو عبر التجمعات العائلية، كما تداول ملايين المستخدمين مقاطع الفيديو التي أظهرت جماهير من مختلف الجنسيات العربية وهي تهتف باسم مصر وتردد الأغاني الوطنية المصرية باعتبارها رمزًا لانتصار عربي في أكبر بطولة كروية في العالم.
ولم تقتصر الاحتفالات على العالم العربي، بل امتدت إلى مجتمعات إسلامية في تركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان، حيث عبر كثيرون عن سعادتهم باستمرار حضور منتخب عربي في المنافسات، معتبرين أن نجاحه يمثل نجاحًا رمزيًا للعالم الإسلامي في مواجهة القوى الكروية التقليدية.
وبرز خلال الاحتفالات شعور واضح بأن منتخب مصر لم يعد يمثل المصريين وحدهم، بل أصبح ممثلًا لآمال الجماهير العربية بأكملها، خاصة بعد خروج معظم المنتخبات العربية الأخرى من البطولة، هذا الشعور ليس جديدًا في الثقافة الرياضية العربية، إذ غالبًا ما تتحول المنافسات الدولية إلى مناسبة لتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، فيلتف الجمهور حول المنتخب العربي الذي يواصل المشوار.
وتكشف فرحة العرب دلالات هامة، أبرزها أن كرة القدم لا تزال تمثل إحدى أقوى وسائل صناعة الهوية المشتركة بين الشعوب العربية، ففي لحظات الانتصار تختفي كثير من الخلافات اليومية، ويحل محلها شعور بالانتماء إلى ثقافة وهوية واحدة.
كما أبرزت الاحتفالات الدور الكبير الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في توحيد المشاعر، إذ انتقلت صور الفرح والهتافات خلال دقائق بين العواصم العربية، وشارك ملايين الأشخاص في الاحتفال رغم اختلاف أماكنهم، مما منح الانتصار بعدًا عابرًا للحدود.
كذلك عكست الاحتفالات حاجة المجتمعات العربية إلى الفرحة الجماعية التي تمنحهم قدرًا من السعادة والأمل في ظل ظروف اقتصادية وسياسية قاهرة، فالفوز الرياضي أصبح بالنسبة لكثيرين مساحة نادرة للفرح المشترك، وفرصة لاستعادة الثقة بقدرة العرب على تحقيق الانتصار على القوة الكبرى كرويًا وسياسيًا.
ويشير مختصون في علم النفس الرياضي إلى أن النجاحات الكبرى للفرق الوطنية تمنح الجماهير إحساسًا بالمشاركة في الإنجاز، حتى وإن لم يكونوا جزءًا مباشرًا منه، وهو ما يفسر حجم الانفعال العاطفي الذي رافق الاحتفالات.
كما أن الفوز على منتخب قوي مثل أستراليا بعد مباراة صعبة عزز لدى كثيرين الإيمان بقيمة الإصرار وعدم الاستسلام، وتحولت أسماء اللاعبين والجهاز الفني إلى نماذج للإرادة والعمل الجماعي والانضباط.
