يفضح التوقيت غرض الفتوى قبل أن تُفصح عنه سطورها، ولا يتطلب الأمر عبقرية خاصة لاكتشاف الرابط الواضح بين ضلالات من يحمل لقب “الداعية الشيخ” ويُنصّب نفسه وصيًا على كل شؤون الحياة، وبين هذه الفرحة الاستثنائية التي وحدت المصريين والعرب والأفارقة خلف إنجازات منتخبنا الوطني في مونديال 2026. هكذا، وفي غمرة البهجة، يرى “الأخ الشيخ” في ضحكة الشعب خطيئة تستدعي الاستغفار، وفي صناعة انتصاره مؤامرة عظمى تستوجب إعلان الطوارئ الفقهية!
خرج علينا الشيخ “م. خ”، المعروف باسم “أبو مصعب”، بمنشور كتبه عبر “الفيسبوك” بتاريخ الثلاثاء 30 يونيو 2026، يسعى فيه لتأصيل فتواه الضالة المُضلة بتحريم لعبة كرة القدم، مدعيًا أن “الاحتلال الإنجليزي اخترع كرة القدم خصيصًا لتفريغ طاقة الشعوب ومنعها من مقاومته”.
ثم يمارس أبو مصعب هواية “الخلط الفكري المفخخ”، فيقفز من السياسة إلى الاقتصاد ليحدثنا عن المراهنات، والخمور، والعري في أولمبياد فرنسا والمونديال الحالي. وهي حيلة قديمة تُشبه تحريم البيع والشراء لأن بعض التجار يغشون، أو تحريم الإنترنت لأن أحدهم أساء استخدامه. الكرة يا سيدي صناعة وقوة ناعمة، وما قد يحيط بها يُعالج بالقانون والأخلاق، لا بهدم المعبد على رؤوس الجميع.
لكن ذروة الملهاة تتبدى عندما يرتدي مسوح الفقهاء، مستدعيًا حديث: “لا سَبَقَ إِلا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ”. يريدنا المفتي العجيب، في عام 2026، أن نغلق الاستادات التي يتابعها الملايين، ونلغي الاستثمارات، ونحرم أولادنا من الحلم، لنعود إلى الصحراء نركب الجمال ونرمي بالسهام، تحت دعوى أن هذه فقط هي المسابقات التي تزيد المهارات القتالية لمجابهة الأعداء!
يتحسر أبو مصعب على “الدوبامين” والإثارة التي تبيعها المنظومة، وكأن الفرح والبهجة رجس من عمل الشيطان. نعم، هناك تعصب أعمى نرفضه، وهناك مَن تشغله المباراة عن صلاته، لكن العيب هنا في سلوك البشر لا في كرة القدم، فالصلاة تضيع أيضًا من البعض في الأسواق وعلى مقاعد المقاهي بلا مباريات، ولم نسمع فقيهًا يطالب بإغلاق الأسواق أو تحريم البيع!
ويعلن الأخ أبو مصعب خلاصة ما توصل إليه قائلًا: “الحصيلة أن هذه المسابقات هي منتج رأسمالي نموذجي، يبيع الإثارة واللذة وبعض الدوبامين، في مقابل ما يحصل عليه من مال ووقت وعاطفة وحماسة وانتماء وعقول مليارات البشر. وظني أن أي شخص له نصيب من فهم المقاصدية الشرعية عامة، أو في باب المسابقات خاصة، لا يمكن أن يكون من دعاة هذه المنظومة الجهنمية أو المتحدثين عنها بهذه الأريحية التي نراها من بعض الدعاة”.
إبداعات الأخ “أبو مصعب” العجيبة لا تتوقف عند كرة القدم، بل تمتد إلى فتاوى أخرى مثل: “تحريم استخدام المرأة لوسائل التواصل الاجتماعي للاستغاثة أو التعبير عن وقوعها في ضيق أو كرب”، وهذا ما كتبه نصًا في منشور بتاريخ الخميس 2 يوليو 2026، حيث قال: “المشاعر عورة.. .وليس من العفة أن تظهر المرأة على صفحاتها أمام الرجال الأجانب حاجتها لزوجها المحبوس، أو الغائب لأي سبب، أو يبدو من كلامها وقوعها في ضيق وكرب لسوء علاقة زوجية، وليس في صالحها بتاتًا أن تبوح بمكنون نفسها”. وأضاف: “المشاعر عورة.. وليس من المروءة أن يعلق رجل مسلم على كلام مسلمة بما يحمل معنى التعاطف والشفقة لحالها، حتى وإن كان بصيغة: (فرج الله كربكِ، وأزال الله همكِ)!”.
“أبو مصعب” الذي يلجأ إليه العامة باعتباره إمامًا وخطيبًا، نشر في ذات اليوم فتوى ثانية يحرم فيها نشر صور المنتقبات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكتب قائلًا: “شاع في الآونة الأخيرة وضع المنتقبات لصورهن على الفيس، ومنهن من تقرب الكاميرا من عينيها، ومنهن من تتصور مع صديقاتها بوقفات معينة، وللأسف الشديد هذه الظاهرة بدأت تنتشر في الفترة الأخيرة”. وتابع: “اعلمي هداكِ الله، لا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تضع صورتها ولو بالنقاب على الفيس بوك لما فيه من مظنة الفتنة وتحقق المفسدة”. ويبدو أن سيل فتاواه تسبب له في سماع ما يوجعه، فأعلن في نفس اليوم أنه سيغلق صفحته مؤقتًا لظروف صحية، وكتب وصية مودع للدنيا!
ويقودنا هذا المنطق العجيب إلى تساؤل حتمي: إذا كان “أبو مصعب” يُحرّم نشر صور المنتقبات مشترطاً ذلك على كل (امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر)، فهل يُفهم من ذلك أن مَن تخالف فتواه قد انتفى عنها الإيمان ووقعت في الردة؟ وإذا كان هذا الحكم يسري على المنتقبات، فكيف ينظر إذن إلى غير المنتقبات.. هل يملك الجرأة ليفتي بتكفيرهن علنًا؟
وفي منشور مثبت يتصدر صفحته على الفيسبوك بتاريخ 2 يونيو 2026، يحذر صاحب الفتاوى العجيبة الجيل الصاعد المتدين من الانضمام لأي “حزب أو جماعة” ويقول: “إياكم والانضمامَ لأي جماعة، أو حزب، أو طائفة، أو طريقة، فإن ذلك كلَّه يُعمي ويُصِم، ولن يكون ولاؤكم ولا براؤكم إلا لجماعتكم وحزبكم، شعرتم بذلك أم لم تشعروا”. لكنه نسي وكتب منشورًا بعدها بستة أيام يمنح فيه صفات “الشيوخ” لرموز تنظيم “الجماعة الإسلامية”، معلنًا أنه شارك في تشييع جنازة أحد مؤسسي التنظيم بين قائمة من “الشيوخ والإخوة”، بل وكتب عدة منشورات عن “شيخه الجليل القيادي المؤسس في التنظيم الذي توفاه الله”.
كما يتناسى الداعية “الإمام والخطيب” أنه صاحب تعليقات الثناء والشكر والتقدير على الإرهابي الهارب عاصم عبد الماجد، صاحب المنشورات التحريضية التي يعلن فيها مجددًا أن اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات كان “جهادًا مشروعًا”، ولا يرى الداعية أي غضاضة في الإعلان بكل فخر عن دوره ودور “الإخوة القيادات التاريخية” في القتل وسفك الدماء.
أما عن فتاوى “أبو مصعب” في تحريم أموال البنوك فحدث ولا حرج، وللأخ “الداعية” عدة منشورات عبر الفيسبوك يناشد فيها متابعيه التخلص من فوائد وأرباح أموالهم في البنوك والتبرع بها كاملة لحالات يعلن عنها بين الحين والآخر في حملات جمع الأموال بدون ترخيص.
هذه النماذج المتضاربة من الآراء والاجتهادات الفردية تعيد إلى الواجهة قضية مُلحة باتت تؤرق المجتمع، وهي قضية “فوضى الفتاوى” عبر الفضاء الرقمي. فخروج الضلالات إلى فضاء المنصات الاجتماعية المفتوحة باعتبارها فتاوى شرعية، تحول الدين من رسالة استقرار وبناء إلى ساحة للاستقطاب والارتباك الفكري، لاسيما عندما يتصدى لتوجيه الوعي العام مَن يخلطون بين الأحكام الشرعية التعبدية ومواقفهم السياسية والتنظيمية الخاصة.
إن إطلاق الأحكام القاطعة بالتحريم في شؤون الحياة المعاصرة ــ من اقتصاد ورياضة وعلاقات اجتماعية ــ دون وعي بمقاصد الشريعة أو فقه الواقع، يمثل تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي ولصناعة الوعي لدى الأجيال الجديدة. وهو الأمر الذي يستدعي تحركًا حاسمًا لضبط منظومة الفتوى، وإغلاق الأبواب أمام هذا التدفق العشوائي من الأحكام التي تُربك العامة، وتستبدل يسر الدين وتسامحه بآراء متطرفة تفتقر إلى المنهجية والاتساق.









