ليس كل من عجز عن صناعة نجاح حقيقي يصبح مؤهلًا لارتداء عباءة العمل العام، وليس كل من حمل لافتة “العمل الخيري” أصبح رسولًا للرحمة أو ممثلًا للمجتمع المدني. فهناك فرق شاسع بين من يخدم الناس، ومن يستخدم الناس ليصنع لنفسه اسمًا ومكانة.
إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، وإنما فقر الفكر. وعندما يجتمع فقر الفكر مع شهوة الظهور، يولد ما يمكن أن نسميه “فكر الفقر”، ذلك الفكر الذي يبحث عن أقصر الطرق إلى الشهرة والنفوذ، ولو كان الطريق مفروشًا بشعارات الإنسانية والعمل التطوعي.
هناك أشخاص لا يجيدون التحليق في سماء العلم أو الثقافة أو الإنجاز، فيبحثون عن أجنحة مستعارة داخل المجتمع المدني. لا يصنعون مشروعًا، ولا يقدمون رؤية، لكنهم يتقنون التصوير أمام الكاميرات، وإلقاء الكلمات الرنانة، ورفع الشعارات البراقة عن خدمة الفقراء، بينما الحقيقة قد تكون أبعد ما تكون عن تلك الصور.
المجتمع المدني ركيزة أساسية في أي دولة حديثة، والجمعيات الأهلية تؤدي أدوارًا وطنية وإنسانية عظيمة عندما تلتزم بالقانون والشفافية والمحاسبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العمل الأهلي إلى وسيلة للنفوذ أو إلى دائرة مغلقة يحتكرها عدد محدود من الأشخاص، يوزعون الأدوار فيما بينهم، ويجمعون التبرعات بعيدًا عن الضوابط المالية والرقابية، فلا حسابات واضحة، ولا ميزانيات معلنة، ولا شفافية تليق بثقة المتبرعين.
لقد كشفت الأجهزة الرقابية خلال السنوات الماضية عن وقائع اختلاس وتلاعب بملايين الجنيهات داخل مشروعات خيرية، وهو ما يؤكد أن الرقابة ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية أموال الناس وحقوق المستفيدين. فالمال الخيري ليس ملكًا لأحد، بل أمانة يجب أن تخضع لكل قواعد الإفصاح والمساءلة.
ومن المؤسف أن التوسع في بعض أنشطة المجتمع المدني لم يصاحبه دائمًا القدر الكافي من الحوكمة والرقابة، ففتح ذلك الباب أمام من هب ودب ليجمع الأموال باسم الخير، ثم يتصرف فيها دون دراسات حقيقية، أو خطط تنموية واضحة، أو تقييم للأثر، وكأن النوايا وحدها تكفي لإدارة مؤسسات تخدم المجتمع.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الباحثين عن المجد السريع يظنون أن بطاقة عضوية في جمعية، أو صورة مع مسؤول، أو حضور مؤتمر، كفيلة بأن تمنحهم قيمة اجتماعية لم يحققوها بالعلم أو العمل أو الإنتاج. فيتحول العمل التطوعي عندهم من رسالة إلى منصة استعراض، ومن خدمة للمجتمع إلى خدمة للذات.
إن مكافحة الفساد لا تقتصر على ملاحقة الرشوة أو إهدار المال العام، بل تشمل أيضًا حماية أموال التبرعات، وإخضاع كل جمعية أو مؤسسة أهلية لمعايير واضحة في الإدارة والشفافية والإفصاح المالي، مع إعلان الميزانيات، وتوثيق أوجه الإنفاق، وتمكين الجهات الرقابية من أداء دورها الكامل.
تصحيح المسار يجب أن يكون أولوية وطنية، ليس لمحاربة المجتمع المدني، بل لإنقاذه من المتسلقين الذين يسيئون إلى آلاف المتطوعين الشرفاء والجمعيات الجادة التي تعمل بصمت وإخلاص.
فالخير لا يحتاج إلى ضجيج، والإنسانية لا تُقاس بعدد الصور المنشورة على مواقع التواصل، وإنما بما يصل إلى المحتاج فعلًا. أما من يعجز عن صناعة قيمة حقيقية، فيظل يبحث عن هوية مستعارة، لأن الأسماء الكبيرة لا تصنعها اللافتات، بل تصنعها المواقف، والنزاهة، والعمل الصادق.
وفي النهاية، يبقى المجتمع أقوى من كل محاولات التزييف. فالأقنعة قد تخدع الناس لبعض الوقت، لكنها لا تصمد طويلًا أمام نور الحقيقة، لأن التاريخ لا يتذكر من جمع التبرعات، بل يتذكر من صان الأمانة، ومن جعل العمل الأهلي رسالةً لا تجارة، وضميرًا لا وسيلةً لصناعة النفوذ.!!









