عندما يُذكر اسم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) أو جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) أو أي جهاز استخباراتي آخر، تتبادر إلى أذهان كثيرين صور الجواسيس والاغتيالات والمؤامرات والعمليات السرية. وكأن عالم الاستخبارات لا يعرف سوى المسدسات الكاتمة للصوت والاجتماعات التي تُعقد في الظلام.
لكن هل هذه الصورة تعكس حقيقة عمل أجهزة المخابرات الحديثة؟.. والإجابة ببساطة: لا.
فمعظم أجهزة الاستخبارات الكبرى في العالم لا تقوم أساسًا على العمليات السرية، بل على جمع المعلومات وتحليلها وإنتاج التقديرات الاستراتيجية التي تساعد صانع القرار على فهم المخاطر والفرص المحتملة. ولذلك تضم هذه المؤسسات خبراء في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة وعلم الاجتماع والجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، إلى جانب العاملين في المجالات التشغيلية والأمنية.
في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وغيرها من الدول الكبرى، تُعد الأجهزة الاستخباراتية من أكبر المؤسسات المنتجة للمعرفة الاستراتيجية. فهي لا تكتفي بمتابعة الأحداث، بل تحاول استشراف ما قد يحدث مستقبلًا، وتقديم سيناريوهات متعددة لصانع القرار السياسي والعسكري.
صحيح أن هناك جانبًا عملياتيًا في العمل الاستخباراتي، يشمل التجنيد وجمع المعلومات السرية والاختراقات الأمنية والعمليات الخاصة، لكن هذا الجانب لا يمثل سوى جزء من منظومة أوسع بكثير. فقبل أي عملية ميدانية توجد دراسات وتحليلات وتقديرات ومراجعات قانونية وسياسية معقدة.
ولعل من أهم الدروس التاريخية التي تؤكد خطورة دور التقديرات الاستخباراتية أننا، ونحن نستحضر ذكرى حرب الخامس من يونيو 1967، نتذكر أن تداعيات الهزيمة لم تتوقف عند حدود الميدان العسكري فقط، بل امتدت إلى مراجعات واسعة داخل مؤسسات الدولة، شملت محاكمات وتحقيقات طالت قيادات في أجهزة الأمن والمخابرات بسبب القصور في التقدير الاستراتيجي وعدم إدراك حجم التهديدات والتطورات التي سبقت الحرب.
فقد كشفت النكسة أن امتلاك المعلومات وحده لا يكفي، وأن الخلل قد يكمن أحيانًا في قراءة المعلومات وتفسيرها وتقدير نتائجها.
وما زال هذا الدرس حاضرًا حتى اليوم في العديد من الصراعات الدولية. فالحروب والأزمات الكبرى كثيرًا ما تكشف أن المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في سوء تقديرها أو إساءة تفسيرها.
وقد شهد العالم في السنوات الأخيرة نقاشات واسعة داخل الولايات المتحدة حول دقة بعض التقديرات الاستخباراتية المرتبطة بأزمات الشرق الأوسط وإيران، وحول مدى صحة الافتراضات المتعلقة بإمكانية إحداث تغييرات سياسية داخلية أو توقع ردود أفعال الأنظمة المستهدفة.
وفي أكثر من مناسبة اعترفت إدارات أمريكية متعاقبة بوجود أخطاء أو قصور في بعض التقديرات التي بُنيت عليها قرارات سياسية وعسكرية مهمة. وهو ما يؤكد أن وظيفة أجهزة الاستخبارات لا تقتصر على جمع الأسرار، بل تمتد بالأساس إلى إنتاج تقديرات دقيقة تساعد صانع القرار على تجنب الأخطاء الاستراتيجية المكلفة.
هذا التصور يجعلنا ندرك أن نجاح الأجهزة الاستخباراتية لا يُقاس فقط بعدد العمليات التي تنفذها، بل بقدرتها على تقديم قراءة صحيحة للواقع واستشراف المستقبل قبل وقوع الأزمات.
ولعل المشكلة الأساسية في العالم العربي أن صورة رجل المخابرات تشكلت إلى حد كبير من خلال السينما والدراما والروايات الشعبية. فتم اختزال مؤسسة كاملة تضم آلاف الباحثين والخبراء والمحللين في صورة شخص يتحرك في الخفاء وينفذ عمليات سرية.
هذا التصور جعل الكثيرين يجهلون أن أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى تستقطب سنويًا خريجين من أرقى الجامعات في تخصصات متعددة، وأن جزءًا كبيرًا من عملها يشبه عمل مراكز الدراسات الاستراتيجية أكثر مما يشبه مشاهد المطاردات التي تعرضها الأفلام.
ومن المفاهيم التي تعرضت لسوء فهم كبير في الثقافة العربية كلمة «عميل».
في الأدبيات الأمنية الغربية يُستخدم مصطلح ” Agent “بصورة مهنية للإشارة إلى شخص يؤدي مهمة أو يعمل ضمن شبكة معلومات أو لصالح جهة أمنية أو استخباراتية. أما في الثقافة العربية فقد ارتبطت الكلمة تاريخيًا بمعاني الخيانة والتعاون مع القوى الأجنبية ضد المصالح الوطنية، فأصبحت تحمل حمولة نفسية وسياسية مختلفة تمامًا.
ولهذا نشاهد في وسائل الإعلام الغربية مسؤولين سابقين يُقدَّمون للجمهور باعتبارهم «عملاء سابقين» أو «ضباط استخبارات سابقين» دون أن يثير ذلك حساسية مجتمعية.
وعلى سبيل المثال هناك شخصيات بارزة كانت بداية عملها داخل جهاز الاستخبارات الأمريكية، هنري كيسنجر وبريجنسكي، بينما يظل المصطلح نفسه في الوعي العربي مرتبطًا بصورة سلبية ترسخت عبر عقود طويلة من الصراعات السياسية والحروب والتجارب التاريخية.
كما أن جزءًا من المسؤولية يقع على بعض المؤسسات الرسمية التي فضلت العمل بعيدًا عن المجال العام، تاركة المجال واسعًا أمام الشائعات والأعمال الدرامية لتشكيل الصورة الذهنية لدى المواطنين.
إن فهم عالم الاستخبارات يتطلب التمييز بين مستويين مختلفين: مستوى التحليل والتقدير وإنتاج المعرفة، ومستوى العمليات السرية والميدانية، فالتركيز على أحدهما وإهمال الآخر يؤدي إلى صورة مشوهة وغير مكتملة.
والحقيقة أن أجهزة المخابرات الحديثة أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة الدولة، تمامًا كما تعتمد الحكومات على الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الاقتصادية في صناعة القرار. فالمعلومة الدقيقة والتحليل العميق أصبحا من أهم عناصر القوة في عالم يشهد تحولات متسارعة وصراعات متشابكة.
لذلك فإن اختزال أجهزة الاستخبارات في صورة «الجاسوس» أو «رجل الظل» لا يعكس حقيقة الدور الذي تؤديه هذه المؤسسات، فخلف كل عملية معلنة أو حدث أمني كبير، توجد فرق من الباحثين والمحللين والخبراء الذين يعملون بصمت لفهم العالم قبل محاولة التأثير فيه.
وربما يكون التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية اليوم هو الانتقال من فهم الاستخبارات باعتبارها عالمًا من الأسرار والمؤامرات فقط، إلى فهمها باعتبارها أيضًا علمًا قائمًا على المعرفة والتحليل والتوقع وصناعة الرؤية الاستراتيجية (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًعاجل| إيران تعدم شخصين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل
تجسيدًا لبطولات الشهيدين أحمد عقل وإسلام إسماعيل.. المتحدث العسكري ينشر فيلم الرفيقان









