من البداية، أنا مثل ملايين، بل مليارات البشر حول العالم، وليس كمصري فقط، أرفض ما حدث في مباراة منتخبنا الوطني والمنتخب الأرجنتيني، لأسباب كثيرة ومتعددة، منها مخالفة كل قواعد اللعبة ومبادئ اللعب النظيف، مما عرّى الفيفا ودورها الوظيفي سياسيًا، بشكل يفضح منظمة الكرة الدولية التي تدعى أن لا علاقة لها بالسياسة، والأخطر من ذلك أن هذا الدور قد يشى بامتداده لتحقيق أهداف دينية تتماشى مع أهداف الصهيونية الإنجيلية الأمريكية، وجذرها اللاهوتي الكارثي “لاهوت التدبيرية”، الذى يدعم الكيان المسمى إسرائيل، بتفسير ديني لنبوءات التوراة.
ومن البداية أيضًا، أنا مثل كل المصريين الذين يرفضون فوز المنتخب الأرجنتيني ـ إذا كان فوزًا ـ بل، وقبل ذلك، طريقة لعب المنتخب الأرجنتيني التي كانت تتعمد إيذاء لاعبينا الأبطال، تحت حماية الحكم الفرنسي الذى خالف كل مبادئ الثورة الفرنسية، بما فيها المساواة والحرية والإخاء، فى أبسط تجلياتها فى ملعب كرة قدم، وليس فى ساحات وخيرات النيجر ومالى والسنغال وكوت ديفوار.. .
هكذا، من البداية، لزم الوضوح الحاسم الجامع المانع القاطع، حتى أقطع الطريق على من يخلطون الأمور، وبين من يتعمدون خلط الأمور، لأنني سأدافع عن الشعب الأرجنتيني العظيم، ضد موجة الرفض التي تتحول شيئًا فشيئًا إلى كراهية تغذيها أذرع الكيان، حتى داخل الأرجنتين وداخل أمريكا اللاتينية، التي تتنامى فيها كنائس الصهيونية الإنجيلية منذ سبعينيات القرن الماضي بشكل منظم ومؤثر، بالتوازي مع تزايد النفوذ المالي والاقتصادي، ومن ثم السياسي، للوجود اليهودي داخل الأرجنتين. ومع ذلك، فإن شعب الأرجنتين، هو الشعب الذى خرجت مظاهراته ومسيراته العظيمة من أجل دعم فلسطين ورفض العدوان على غزة، بما فى ذلك “الموجة الحمراء من أجل فلسطين”، التى ارتدى فيها الأرجنتينيون الملابس الحمراء رمزًا للدم الفلسطيني، وهو الشعب الذى خرج منه تشى جيفارا، نصير القضية الفلسطينية ونصير كل قضايا التحرر الوطنى والإنسانى وحق الشعوب فى تقرير مصيرها، وهو الشعب الذى خرج منه الأسطورة مارادونا، الذى قال يومًا: “في قلبي.. .أنا فلسطيني”.
أن تتحول مباراة غير عادلة إلى كراهية غير عادلة بين الشعب المصرى وبين الشعوب العربية والمسلمة والشعب الأرجنتينى، يفتح الطريق لخسارة الجميع على مستوى كل الأصعدة: سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا، واجتماعيًا، بل ودينيًا، وهو أمر سيسعد إسرائيل التى ستعمل على ذلك، بل عملت على ذلك من قبل المباراة، وستستمر على المدى القصير والطويل حتى، لا قدر الله، تصل إلى غايتها، وهو أمر يخصم الكثير من القضية الفلسطينية.
وهو أمر ستعمل عليه الإنجيلية الصهيونية يوميًا، خاصة أيام الآحاد، فى قاعاتها التى ترفع علم الكيان، حتى تمكن لنفسها ولتفسيراتها.
لكن الحقائق ما تزال أكبر من الكراهية. صحيح أن الإنجيلية الصهيونية لها ثقلها فى الأرجنتين، لكن ثقلها الأكبر فى البرازيل وجواتيمالا، مع ملاحظة أن الشعب الأرجنتينى ما زال، فى أغلبيته، كاثوليكيًا، وبعضهم يرفض تبرئة الفاتيكان لليهود من دم السيد المسيح.
وصحيح أن الجالية اليهودية فى الأرجنتين من أهم الجاليات اليهودية فى العالم، ليس فقط من حيث العدد، ولكن أيضًا من حيث تأثيرها التاريخى والثقافى والاقتصادى، لكن فى المقابل فإن الجالية العربية فى الأرجنتين من أكبر الجاليات العربية خارج العالم العربى، وهى فى الواقع أكبر عددًا بكثير من الجالية اليهودية، وإن كان نفوذها المؤسسى والسياسى أقل تنظيمًا. ولا تضع فى الحسبان أن كارلوس منعم كان أول رئيس أرجنتينى من أصول عربية، فقد شهدت علاقات بلاده مع إسرائيل فى عهده ازدهارًا غير مسبوق.
وأيًا كان الوجود اليهودى والإنجيلى الصهيونى فى الأرجنتين، إلا أن الشعب الأرجنتينى كان فى طليعة الشعوب التى رفضت العدوان الإسرائيلى على غزة، وهى مظاهرات لم تكن محصورة بالجالية الفلسطينية والعربية، بل ضمت جميع أطياف المجتمع الأرجنتينى، ومنها جماعات يهودية مناهضة للحرب.
أذكركم ببعضها:
مسيرة بوينس آيرس – مارس 2024، وكانت من أولى المسيرات العالمية التى وصفت ما يحدث فى غزة بأنه جرائم حرب.
وأتت بعدها مظاهرات سبتمبر 2024، ومظاهرات “الموجة الحمراء” فى بوينس آيرس فى يوليو 2025، التى انتقدت دعم الحكومة الأرجنتينية لإسرائيل، ثم المسيرة العالمية إلى غزة فى يونيو من العام نفسه، ثم مظاهرات أكتوبر 2025، فى الذكرى الثانية للحرب على غزة.
واللافت أن تلك المظاهرات التى ارتفعت فيها الأعلام الفلسطينية، ارتفعت فيها أيضًا صورة الأسطورة مارادونا، لا كلاعب كرة معجزة، ولكن كنصير للشعب الفلسطينى. فمارادونا، وهو أشهر من أنجبته ملاعب الأرجنتين، لم يكن استثناءً من روح شعبه، بل كان أحد أكثر من عبروا عنها بوضوح. فلم يكتف بإدانة العدوان على غزة عام 2014، ولا بإعلان دعمه للشعب الفلسطينى، ولا بوصف نفسه بأنه “المشجع رقم واحد للشعب الفلسطينى”، بل جاء لقاؤه بالرئيس الفلسطينى محمود عباس على هامش كأس العالم فى موسكو عام 2018، ليؤكد على مبدأه، إذ احتضنه أمام عدسات العالم، ثم قال عبارته التى ستبقى جزءًا من تاريخه الإنسانى قبل الرياضى: “فى قلبى.. .أنا فلسطينى”.
لم تكن تلك الكلمات مجاملة عابرة، ولا صورة بروتوكولية، وإنما كانت موقفًا اتخذه الرجل الذى لم يعرف يومًا كيف يفصل بين موهبته وضميره. ولهذا لم يبك الفلسطينيون عند رحيله لاعبًا عظيمًا فحسب، وإنما ودعوا صديقًا وقف معهم حين اختار كثيرون الصمت.
ولهذا أيضًا، فإن الظلم الذى وقع على منتخب مصر، مهما كان فادحًا، لا يجوز أن يتحول إلى ظلم آخر بحق شعب كامل، ولا إلى كراهية لأمة أنجبت مارادونا، وأنجبت تشى جيفارا، وخرجت فى شوارعها عشرات المظاهرات دفاعًا عن غزة وفلسطين. فمعركتنا ليست مع الشعوب، وإنما مع السياسات، وليست مع الجماهير، وإنما مع من يحاولون توظيف الرياضة لخدمة مشاريعهم السياسية والدينية.
ولذلك، إذا كان البعض يريد أن يجعل من مباراة كرة القدم جسرًا للكراهية بين الشعبين المصرى والأرجنتينى، فإن مارادونا، وهو يقول: “فى قلبى.. .أنا فلسطينى”، يذكرنا بأن الشعوب تستطيع أن تكون أقرب إلى بعضها من الحكومات، وأن الضمير الإنسانى يبقى دائمًا أكبر من نتائج المباريات، وأبقى من صافرة أى حكم.
«الحكم لم يجاملنا».. مدرب الأرجنتين يتحدث عن مباراة مصر في كأس العالم 2026
رسالة مؤثرة من الرئيس السيسي لـ بعثة منتخب مصر: «أدخلتم الفرحة والبهجة على كل بيت»
بعد فضيحة مباراة مصر.. هل تُجامل الأرجنتين في كأس العالم 2026؟.. سكالوني يٌجيب







