«تسليم أهالي».. تساؤلات من كواليس المعارك الإخوانية داخل السجون – الأسبوع

«تسليم أهالي».. تساؤلات من كواليس المعارك الإخوانية داخل السجون – الأسبوع


خلف الأسوار وفي زنازين الحبس الاحتياطي، اندلع نوع آخر من المعارك الكلامية حامية الوطيس، معارك تخوين واتهامات متبادلة بين العناصر الإخوانية، بدأت عقب فض اعتصام رابعة المسلح، عندما تدفق مئات المقبوض عليهم في أحداث العنف والتخريب. هناك بين الجدران، حاصرت الاتهامات كل قيادي، بعد أن تبخرت وعودهم التي قطعوا بها الطريق على كل من أبدى مخاوفه من فشل إخواني متوقع، وهي ذات المعارك التي تتجدد بمرارة مع وصول دفعات جديدة من “الإخوان” والمتأخونين إلى الزنازين.

كان كل قيادي ـ كبيرًا أو صغيرًا ـ في عام حكم الجماعة الإرهابية الأول والأخير يرد على تابعيه بمقولات من عينة: “حطوا في بطنكم بطيخة صيفي”، و”إخواننا اللي فوق يعرفوا أكتر”، و”إخواننا اللي فوق عارفين كل حاجة ومسيطرين”. كان حديثهم لا يتوقف عن خيرت الشاطر ورجاله الذين يزعمون أنهم يعلمون كل ما يدور في غرف صناعة القرار بمؤسسات الدولة، وأن لهم عيونهم في كل مكان وأذرعًا تمتد في كل الأروقة والدهاليز. وعندما وقعت الواقعة وسقط خيرت الشاطر وأهم كوادره في قبضة أجهزة الأمن ومعهم أهم قيادات الصف الأول بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، انتقلت القيادات إلى “مخدرات فكرية” ووعود من نوع آخر: “مرسي راجع.. الحراك الإخواني في كل شوارع مصر.. والانقلاب يترنح”.

في عراك كلامي بين إخواني غاضب وأحد المقبوض عليهم في محاولة هروب فاشلة عبر الحدود الجنوبية ـ تسببت في القبض على القيادي الإخواني علي عز الدين ثابت وآخرين ـ انفجر الإخواني في قيادي بارز، متسائلاً: “لما الانقلاب يترنح ومرسي راجع كنتم عايزين تهربوا ليه؟!” وقبل أن يتلقى إجابة، بادر بسؤال آخر: “كيف قُبض عليكم؟ وكان فين (رجال الإخوان في كل مكان) لما اتقبض عليكم؟!”.

المجموعة القيادية سقطت في قبضة قوات حرس الحدود في الخامس والعشرين من فبراير 2014، وكانت تضم كلاً من: علي عز الدين ثابت (أستاذ بكلية الطب جامعة أسيوط، عضو مجلس الشعب، أمين حزب الحرية والعدالة بأسيوط)، وعادل مصطفى حمدان (نائب محافظ شمال سيناء سابقاً)، وزين العابدين محمود محمد (موجه أول بالتربية والتعليم)، وطارق إسماعيل حفني (مهندس، والأمين العام لنقابة المهندسين بالجيزة)، وخالد محمد حمزة (مهندس حر بالجيزة)، بالإضافة إلى اثنين سودانيين، حيث تم القبض عليهم في منطقة صحراوية جنوب شرق مدينة أسوان.

ولأن “الإخوان” ـ وإخوان أسيوط بصفة خاصة ـ كانوا يتغنون بعبقريات وكفاءة القيادي علي عز الدين، ويتناقلون الحكايات والروايات عنه كقيادة وأسطورة تنظيمية لا تتكرر، كان السؤال الأهم المطروح عقب وصوله إلى السجن هو: “كيف قُبض عليه وعليكم؟”، وكانت الإجابة الصادمة: “اللي أخذوا منهم الفلوس علشان يهربوهم، بلغوا عنهم وسلموهم تسليم أهالي”.. هكذا بكل بساطة وبكل سهولة!!

والطريف أنه بعد نحو خمسة أشهر، وبالتحديد يوم الأحد 13 يوليو 2014، تم القبض على مجموعة من حلفاء الإخوان وهم يحاولون الهرب بنفس الطريقة ومن نفس المكان، وكانت المجموعة تضم صفوت عبد الغني، القيادي في تنظيم “الجماعة الإسلامية”، ومعه من القيادات كل من: رمضان جمعة عبد الفتاح، وعلاء محمد أبو النصر طنطاوي، وطارق عبد المنعم عبد الحكيم أبو العلا، وطه أحمد طه الشريف.

كانت محاولة هروب صفوت عبد الغني وآخرين من القيادات، صادمة لأعضاء التنظيم الإخواني، بعد هروب أهم قيادات الجماعة الإسلامية الذين كانوا يشكلون رأس الحربة في مخططات عودة الإخوان للحكم، وخاصة أن خيرت الشاطر ورجاله كانوا يراهنون على “فزاعة الجماعة الإسلامية” وقدموا لهم التسليح الكامل ليكونوا ميليشيا مسلحة في مواجهة رجال الجيش والشرطة، كما قدموا لهم التمويل اللازم لتأسيس حزب البناء والتنمية (الذراع السياسي لتنظيم الجماعة الإسلامية) ووزعوا عليهم فتات المناصب والمقاعد البرلمانية.

هرب عاصم عبد الماجد، الذي كان الإخوان يهتفون له عندما يقف خطيبًا في تجمعاتهم الهشة: “قول يا عاصم قول وارعب الفلول”، وهرب طارق الزمر، الذي هدد من على منصة اعتصام رابعة بـ”سحق كل من يعادي الإخوان” وأطلق صرخته الشهيرة: “سنسحقهم”، وكان السابقون واللاحقون في رحلة الهروب، عددًا كبيرًا من قيادات الصف الأول في جماعة “الإخوان وكيانات ما كان يسمى “تحالف دعم الشرعية ومقاومة الانقلاب” ـ الذي انفرط عقده ـ وكان تنظيم “الجماعة الإسلامية” أول الفارين من سفينة التحالف الغارقة.

وظلت التساؤلات تتكرر داخل السجون: لماذا هرب كل هؤلاء إذا كانوا على ثقة بأن “مرسي راجع والانقلاب يترنح”؟! لماذا يكررون الدعوة لما يسمى “الحراك الثوري” مرة واثنتين في العام الواحد ويكون مصير كل دعوة الفشل المحقق ومعه المئات من المتهمين في قضايا جديدة؟

إذا كانوا على ثقة تامة بأن دعواتهم لما يسمى “الحراك الثوري” ستنجح وتراودهم أحلام العودة إلى مصر، فلماذا تنفق قيادات الجماعة مئات الآلاف من الدولارات في شراء جنسيات ثانية أو لجوء مدفوع المقدم والمؤخر، وتتكالب على حيازة كل ما يوفر المعيشة المستقرة لسنوات طويلة في دول الملاذ الآمن؟

بعد ثلاثة عشر عامًا من سقوط حكم الإخوان، عادت المعارك مجددًا داخل السجون وخارجها بعد القبض على عشرات استجابوا لدعوة أطلقتها الخلايا الإخوانية مستخدمة الأراجوز الواهم أنس حبيب، الذي وعدهم بتأمين تقني عال المستوى لمن ينضم من داخل مصر إلى مجموعاته الإلكترونية ليشارك في حراك ثوري مزعوم، وكانت النتيجة أنهم استقروا في الزنازين يعضون أصابع الندم ويلعنون من استدرجهم إلى المصير المجهول.

وأرسلت الخلايا الإخوانية لمنصات الجماعة والدكاكين الحقوقية في السابع من يوليو 2026، بياناً يتباكى على 51 من المتهمين، بينهم 9 فتيات، في القضيتين رقمي 4487 و4753 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، ووجهت النيابة إلى المتهمين عدة اتهامات، من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، قبل أن تقرر حبسهم احتياطيًا لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات.

في الحادي عشر من يوليو 2026، حذر الإخواني حسن العشري أعضاء الجماعة في الداخل من الانسياق خلف دعوات الواهم أنس حبيب، قائلاً: “أخيرا ناس بدأت تتكلم عن الواقع المخزي ده. إحنا بقالنا فترة بنتكلم وندفع تمن الكلام تخوين وإهانة وتشويه، لمجرد إننا رفضنا نسكت عن واقع سيئ وناس عايشة فى عالم موازى”، ونقل العشري منشورًا لمحامية مصرية مقيمة في هولندا جددت فيه التحذير من الانضمام للمجموعات الإلكترونية التي يؤسسها أنس حبيب وآخرون، وقالت: “زى ما كنت بكتب زمان وأحذر من الدعوات بتاعت محمد ناصر ومعتز مطر ومحمد على، والناس اللي بتنساق وتروح فى الرجلين، حبيت أقول يا جماعة إن فى قرابة الستين بنى آدم منهم تسع بنات اتحقق معاهم خلال الشهر اللي فات فى نيابة أمن الدولة بخصوص جروبات أنس حبيب والدخول على ديسكورد واللينكات اللي هو بيحطها فى كل بوست بينزله”، وأضافت: “بتودوا نفسكم فى داهية ومهما كان فاكر نفسه ناصح ومخليكم تعملوا أكونتات وهمية بتتجابوا”.

وهكذا يتجدد المسلسل الإخواني، قياداتٌ في الخارج تتنعم بملايين التمويل المشبوه وتُلقي بالفتات لتابعيها، وداخلٌ يدفع الثمن من شبابه ومستقبله. والنتيجة دائمًا: طابور طويل لا نهاية له من الضحايا خلف القضبان، باتهامات ثابتة وموثقة بأدلة يقدمها ـ بحماقة أو بتعمد ـ من يدعوهم إلى هذا الحراك المزعوم، ليتركهم في النهاية، ويسلم من استجاب له.. «تسليم أهالي».

Exit mobile version