مقالات

الأمن المائي يبدأ من الحقل – الأسبوع

حين يختبر النيل قدرتنا على إدارة الأزمات، ومن شكاوى الفلاحين في مصر إلى تغير مناسيب المياه في شمال السودان.. لماذا أصبح الأمن المائي قضية أمن قومي؟

بصفتي باحثًا في الجغرافيا السياسية والجيوسياسية، وكاتبًا، وابنًا لأسرة عاشت مع الأرض والزراعة، أرى أن قضية إدارة المياه لا تبدأ عند السدود أو الأنهار، بل من داخل شبكة الترع والمصارف التي تمثل شرايين الحياة للريف المصري. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم وإدارة توزيع مياه الري، ولا سيما في القرى الواقعة عند نهايات الترع، التي تعاني عامًا بعد آخر من الشح المائي مع بداية مواسم الزراعة، نتيجة ضعف وصول المياه إليها، وهو ما ينعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي ويزيد من معاناة المزارعين. إن تحقيق العدالة في توزيع المياه، واستمرار أعمال تطهير وصيانة الترع، وتطبيق أساليب حديثة في إدارة الري، لم يعد مطلبًا تنمويًا فحسب، بل أصبح ضرورة ترتبط بالأمن الغذائي والأمن المائي، وهما من أهم ركائز الأمن القومي المصري.

ولعل أول درس تعلمته من أبناء الريف أن المياه إذا تأخرت يومًا عن الأرض، تأخر معها الرزق. فالفلاح لا يقيس الزمن بالتقويم، بل بوصول مياه الري إلى حقله في موعدها. ومن هنا فإن معالجة مشكلة نهايات الترع، وتطوير شبكات الري، وإزالة التعديات على المجاري المائية، والرقابة على توزيع المياه، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل استثمار مباشر في حماية الإنتاج الزراعي وتحقيق العدالة بين المزارعين. فالأمن المائي يبدأ من الحقل، ثم يمتد إلى المحافظة، وصولًا إلى الأمن القومي للدولة بأكملها.

في الأيام الأخيرة، تصاعدت شكاوى عدد من الفلاحين في شمال مصر من نقص مياه الري مع بداية موسم زراعة الأرز، وهو المحصول الذي يعتمد بصورة كبيرة على توافر المياه في توقيتات محددة. وفي الوقت نفسه، شهدت مناطق في شمال السودان تغيرات في مناسيب مياه النيل وفق ما تداولته تقارير ووسائل إعلام، وهو ما أعاد طرح العديد من التساؤلات حول طبيعة المتغيرات التي تشهدها منظومة النهر، ومدى تأثيرها على دولتي المصب، خاصة أن هذه التطورات تأتي مع موسم الأمطار الصيفية على هضبة الحبشة، التي تمد النيل الأزرق بالنسبة الأكبر من مياهه.

قد تكون لكل حالة أسبابها الفنية والهيدرولوجية المختلفة، لكن الرسالة الأهم أن نهر النيل لم يعد مجرد مجرى مائي، بل أصبح ملفًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن القومي والغذائي والاستقرار الاقتصادي لملايين المواطنين.

إن مثل هذه المؤشرات تدفعنا إلى التفكير بمنطق إدارة الأزمات، لا بمنطق ردود الأفعال. فالدول الحديثة لا تنتظر وقوع الكارثة، بل تضع سيناريوهات متعددة لكل الاحتمالات، وتدرب مؤسساتها على كيفية التعامل معها قبل وقوعها.

فماذا لو تعرضت منظومة النيل لاضطراب كبير؟ ماذا لو شهدت المنطقة سنوات جفاف متتالية؟ ماذا لو تعرضت المنطقة لفيضانات استثنائية نتيجة تغيرات مناخية عنيفة؟ وماذا لو وقع – لا قدر الله – خلل فني في إحدى المنشآت المائية الكبرى على مجرى النيل بما يهدد سلامة السكان والمنشآت في دول المصب؟ إن التفكير في هذه السيناريوهات ليس تشاؤمًا، بل هو جوهر علم إدارة المخاطر والأزمات.

إن أي أزمة مائية لا تتوقف عند نقص المياه فقط، بل تمتد آثارها إلى الزراعة، والإنتاج الغذائي، والصناعة، والطاقة، ومياه الشرب، والنقل النهري، والأسعار، والاستقرار الاجتماعي. ولهذا أصبحت إدارة المياه أحد أهم عناصر الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.

لقد أثبتت التجارب أن الاستعداد المبكر هو السلاح الحقيقي لمواجهة الأزمات. ويبدأ ذلك بوجود منظومة متطورة للإنذار المبكر تعتمد على الأقمار الصناعية ومحطات الرصد الهيدرولوجي، لمتابعة معدلات سقوط الأمطار، وحركة المياه، والتغيرات المناخية، وإصدار التحذيرات في الوقت المناسب.

كما تتطلب إدارة الأزمة وجود غرفة عمليات دائمة تضم جميع الجهات المعنية، تعمل على مدار الساعة، لتبادل المعلومات واتخاذ القرار بسرعة، بعيدًا عن تضارب المعلومات أو التأخر في الاستجابة.

ومن الضروري أيضًا إعداد خرائط للمناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر، سواء في حالات الجفاف أو الفيضانات، مع وضع خطط للإخلاء عند الضرورة، وتجهيز مراكز للإيواء، ورفع جاهزية الحماية المدنية والإسعاف والجهات التنفيذية.

وعلى المستوى الاقتصادي، يجب الحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، وتأمين احتياجات المواطنين من مياه الشرب، مع وضع خطط لترشيد استخدام المياه، والتوسع في نظم الري الحديثة، وتقليل الفاقد، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والتوسع في مشروعات تحلية مياه البحر، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة أي طارئ.

كما أن التعاون بين دول حوض النيل يظل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، لأن الأنهار العابرة للحدود تحتاج إلى تبادل المعلومات، والشفافية في إدارة المنشآت المائية، والالتزام بقواعد التشغيل الآمن، والتنسيق المستمر في مواجهة الظروف الاستثنائية، بما يحفظ مصالح جميع الشعوب.

لقد نجحت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية في التعامل مع أزمات معقدة، بداية من جائحة كورونا، مرورًا بتداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية، وتأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على الغذاء والطاقة، وصولًا إلى مواجهة السيول والتحديات الإقليمية. وقد أكسبت هذه التجارب مؤسسات الدولة خبرات مهمة في سرعة الاستجابة والتنسيق بين الأجهزة المختلفة، وهو ما يمثل رصيدًا مهمًا في مواجهة أي أزمة مستقبلية.

إن الأمن المائي لم يعد قضية تخص وزارات الري والزراعة وحدهما، بل أصبح مسؤولية دولة ومجتمع. فكل قطرة ماء أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي، وكل مشروع لترشيد الاستهلاك أو تطوير الري هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة.

ويبقى نهر النيل شريان الحياة لمصر والسودان، وستظل حمايته مسؤولية مشتركة تقوم على التخطيط والعلم والتعاون والاستعداد الدائم، لأن الدول القوية ليست هي التي لا تواجه الأزمات، وإنما هي التي تعرف كيف تستعد لها، وكيف تحول التحديات إلى فرص، وتحمي حاضرها ومستقبلها مهما كانت الظروف.. .!!

اقرأ أيضاًوزير الري يعتمد خارطة طريق لإنشاء إدارة مركزية جديدة للموارد المائية غير التقليدية

وزير الري يشدد على مراعاة الخصائص الطبيعية للشواطئ في المشروعات الجديدة

بـ 100 مليون دولار.. وزير الري: أطلقنا آلية لتمويل دراسات ومشروعات بدول حوض النيل

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts