ما خُلِق الإنسان ليكون عابرًا في صفحات الزمان، ولا ليملأ الأرض ضجيجًا ثم يمضي أثرًا بعد عين، وإنما خُلق ليكون شاهدًا على الحق، وصانعًا للخير، وبانيًا للحياة، فالإصلاح والعمران ليسا عملين ثانويين في التصور الإسلامي، بل هما روح الرسالة، ومقصد الاستخلاف، وسرّ التكليف، وغاية السعي في هذه الدار.
لقد شاء الله تعالى أن يجعل الإنسان خليفته في الأرض، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. والخلافة ليست تشريفًا مجردًا، وإنما هي مسؤولية الإصلاح، وأمانة البناء، وواجب حفظ النظام الذي أقامه الله على الحكمة والعدل.
ومن أجل ذلك كان الفساد هو النقيض الأكبر للرسالة الإلهية، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، فجعل الأصل في الأرض أنها مهيأة للإصلاح، وأن وظيفة الإنسان صيانتها وتنميتها، لا تخريبها وإهلاكها.
ولم يكتف القرآن بالنهي عن الفساد، بل جعل الإصلاح شعار الأنبياء جميعًا، فقال نبي الله شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88]. فالإصلاح ليس ادعاءً، بل إرادة صادقة، وعمل دؤوب، واستعانة بالله في كل خطوة.
ثم يكشف القرآن عن الغاية الكبرى من وجود الإنسان بقوله سبحانه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].
والاستعمار هنا ليس بمعناه السياسي الحادث، وإنما هو طلب العمارة، أي أن الله استنهض الإنسان ليعمر الأرض بالعلم، والعدل، والزراعة، والصناعة، وإقامة الحضارة، وإحياء القيم، حتى تصبح الأرض مرآةً لرحمة السماء.
ولهذا ارتبط الإيمان بالعمل الصالح في عشرات الآيات، لأن العقيدة التي لا تبني إنسانًا، ولا تصلح مجتمعًا، ولا تعمر أرضًا، تبقى دعوى لا تؤتي ثمارها.
وقد جاءت السنة النبوية لتجعل العمران عبادة، والعمل المنتج قربى إلى الله. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فهذا الحديث يرسم أسمى صور الأمل، إذ يجعل الغرس مطلوبًا حتى في آخر لحظات الدنيا، ليظل البناء خُلُق المؤمن، واليأس خُلُق الغافلين.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة»، فالإسلام لا ينظر إلى الزراعة على أنها مهنة فحسب، بل يراها صدقةً جارية، ورحمةً تمتد آثارها إلى كل حي.
وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام يتجلى هذا المعنى بأوضح صوره، فقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أيضًا: «صلاحُ ذاتِ البين أفضلُ من عامةِ الصلاةِ والصيام»، لأن العمران الحقيقي يبدأ بإصلاح النفوس، ثم الأسرة، ثم المجتمع، حتى تستقيم الحياة كلها على المحبة والعدل.
ومن أروع ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «اعملوا للدنيا كأنكم تعيشون أبدًا، واعملوا للآخرة كأنكم تموتون غدًا»، وهو وإن اختلف أهل الحديث في ثبوت نسبته، فقد جرى على ألسنة العلماء لما يحمله من معنى صحيح، إذ يجمع بين إتقان عمارة الدنيا
والاستعداد للقاء الله، فلا يطغى جانب على آخر.
ولذلك لم يعرف الإسلام الزهد والانطواء الذي يهدم الحياة، ولا التديّن الزائف الذي يعطل العمران، وإنما دعا إلى حضارةٍ يكون فيها المسجد والجامعة، والمحراب والمصنع، والمصحف والمحراث، شركاء في صناعة الإنسان الكامل.
وقد عبّر الشعراء عن هذه الحقيقة بأجمل بيان، فقال أبو الطيب المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعمران ثمرة العزائم، والإصلاح لا يصنعه المترددون، وإنما يصنعه أصحاب الهمم العالية.
وقال محمود سامي البارودي:
وليس يُشيِّدُ الأمجادَ إلا
رجالٌ ما لهم في العزمِ ثانِ
فالحضارات لا تقوم بالأماني، وإنما تقوم
بسواعد المخلصين، وعقول المبدعين، وقلوب المؤمنين.
إن الإصلاح في المنظور الإسلامي ليس ترميمًا لخراب عارض، بل هو منهج حياة، يبدأ بإصلاح القلب، ثم العقل، ثم السلوك، ثم المجتمع، حتى يبلغ عمارة الأرض كلها بالعدل والرحمة والعلم. وكل لبنة يضعها الإنسان في بناء وطنه، وكل علم ينشره، وكل خصومة يصلحها، وكل شجرة يغرسها، وكل حق يؤديه، إنما يحقق بها معنى الاستخلاف الذي أراده الله لعباده.
وهكذا تتجلى الحكمة الإلهية في أن يكون الإنسان مخلوقًا للأمانة، لا للعبث، وللبناء، لا للهدم، وللإصلاح، لا للإفساد، وإذا كان لكل أمة شعار، فإن شعار أمة الإسلام هو ما نطق به القرآن الكريم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾، وما دامت هذه الكلمة حيةً في الضمائر، بقيت الحضارة ممكنة، وبقيت الأرض عامرةً بأهل الإيمان، شاهدةً بأن رسالة الإسلام لم تُرِد من الإنسان إلا أن يكون رحمةً للعالمين، وعامرًا للأرض التي استخلفه الله فيها.
اقرأ أيضاًهل الصلاة مُحرمة على الميت الذي عليه دين؟.. دار الإفتاء تحسم الجدل
دعاء الصباح اليوم يفتح لك أبواب الرزق الواسع.. ردده الآن بهذه الصيغة









