حين يُذكر جمال عبد الناصر، يتجه الذهن غالبًا إلى معارك التحرر الوطني، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، ومواجهة الاستعمار. غير أن مشروعه لم يكن مشروعًا لتحرير الأرض وحدها، بل كان مشروعًا لتحرير وبناء الإنسان أيضًا. فقد أدرك أن الوطن لا يصبح حرًا بمجرد رحيل المحتل، بل عندما يصبح المواطن قادرًا على أن يعيش بكرامة، وأن يحصل على التعليم والعمل والعلاج، وأن يشارك في صناعة مستقبل بلاده.
لهذا لم تكن ثورة يوليو مجرد انتقال للسلطة، وإنما محاولة لإعادة تشكيل المجتمع المصري على أسس جديدة، مجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، ويكسر احتكار الثروة والسلطة والتعليم، ويمنح الفئات التي ظلت مهمشة لعقود مكانها الطبيعي في بناء الدولة. وكانت المرأة المصرية في قلب هذا المشروع.
قبل ثورة يوليو، كانت مشاركة المرأة في الحياة العامة محدودة، وكانت فرص التعليم والعمل أمامها أضيق بكثير من أن تتيح لها دورًا حقيقيًا في المجتمع، كانت نسبة الأمية بين نساء مصر تبلغ 86%، أما في عهد عبد الناصر، فقد أصبحت مجانية التعليم حقًا مكفولًا للجميع، فانفتحت المدارس والجامعات أمام الفتيات، وتدفقت أعداد غير مسبوقة منهن إلى التعليم العالي، ثم إلى مواقع العمل في المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع والهيئات الحكومية، لتصبح المرأة عنصرًا فاعلًا في عملية التنمية الوطنية.
ولم يقتصر الأمر على التمكين الاقتصادي، بل امتد إلى الحقوق السياسية. فقد منح دستور عام 1956 المرأة المصرية، لأول مرة في تاريخها، حق الانتخاب والترشح، لتنتهي بذلك عقود طويلة من الإقصاء السياسي. وبعد عام واحد فقط، شهدت انتخابات مجلس الأمة عام 1957 حدثًا غير مسبوق، بفوز راوية عطية وأمينة شكري بعضوية المجلس، لتصبحا أول سيدتين تُنتخبان لعضوية البرلمان في مصر والعالم العربي. ثم جاء تعيين الدكتورة حكمت أبو زيد وزيرةً للشؤون الاجتماعية عام 1962 ليؤكد أن وجود المرأة في مواقع القيادة أصبح جزءًا من سياسة الدولة، لا استثناءً منها.
وفي إطار هذا المشروع الاجتماعي الشامل، تبرز قضية تجريم الدعارة، وهي من أكثر القضايا التي تعرضت للتبسيط وسوء الفهم. فكثيرًا ما تُختزل في عبارة عابرة، بينما تكشف القراءة الدقيقة للتشريعات عن صورة مختلفة تمامًا.
فالقانون رقم 68 لسنة 1951، الصادر في عهد الملك فاروق، أنهى نظام البغاء المرخص وأغلق بيوت الدعارة الرسمية في مصر، لكنه لم يكن مصحوبًا بسياسات اجتماعية واقتصادية تعالج الأسباب التي دفعت كثيرًا من النساء إلى الوقوع في براثن الاستغلال. فقد أُغلق الباب القانوني، بينما ظلت الظروف التي أوجدت الظاهرة قائمة.
أما القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة، فقد صدر في ظل مجتمع كان قد شهد تحولات عميقة فرضتها ثورة يوليو، تعليم مجاني، وعدالة اجتماعية، وتوسع في فرص العمل، وتمكين سياسي للمرأة. لذلك لم يكن القانون مجرد أداة للعقاب، بل جاء ضمن رؤية متكاملة لمواجهة الاستغلال الإنساني، وتجفيف منابعه، وفتح بدائل حقيقية أمام النساء.
ولم يقتصر نطاق القانون على مصر، بل صدر في عهد الجمهورية العربية المتحدة، فطُبق في الإقليمين المصري والسوري، وألغى التشريعات التي كانت تنظم البغاء المرخص في سوريا لأول مرة في التاريخ السوري، ليحل محلها إطار قانوني يجرّم التحريض على الدعارة، واستغلال النساء، وإدارة بيوت البغاء، والاتجار بالبشر.
والأهم أن فلسفة القانون لم تقف عند حدود العقوبة، بل تضمنت جانبًا إصلاحيًا واضحًا، إذ نص على إيداع النساء اللاتي كن يمارسن البغاء في مؤسسات متخصصة لتأهيلهن وتدريبهن على أعمال شريفة، بما يتيح لهن بدء حياة جديدة بعيدًا عن دوائر الاستغلال. وهي رؤية سبقت عصرها، لأنها تعاملت مع الظاهرة بوصفها قضية اجتماعية وإنسانية، لا مجرد جريمة جنائية.
ومن هنا، يصبح الفارق واضحًا بين قانون عام 1951 وقانون عام 1961، فالأول أنهى نظامًا قانونيًا، أما الثاني فجاء في إطار مشروع اجتماعي متكامل سعى إلى إزالة الظروف التي كانت تدفع المرأة إلى الاستغلال، عبر توفير التعليم والعمل والحقوق السياسية والحماية الاجتماعية.
ولهذا فإن قراءة تجربة جمال عبد الناصر في ملف المرأة لا يمكن أن تُختزل في قرار قانوني منفرد، بل يجب وضعها داخل سياق مشروع اجتماعي أوسع هدفه نقل المرأة المصرية من موقع التهميش إلى موقع المشاركة الفاعلة في بناء الدولة. فقد ارتبطت سياسات تلك المرحلة بتوسيع حق التعليم، وفتح مجالات العمل، ومنح الحقوق السياسية، وتوفير مظلة من الحماية الاجتماعية، وهي عوامل غيّرت مكانة المرأة في المجتمع المصري بصورة جذرية.
ومن ثم فإن قضية تجريم الدعارة لم تكن منفصلة عن هذا التحول، وإنما جاءت ضمن رؤية اعتبرت أن حماية كرامة الإنسان لا تتحقق بالعقاب وحده، بل بمعالجة الظروف التي تسمح بالاستغلال، وتوفير البدائل التي تمنح المرأة القدرة على اختيار مستقبلها بحرية وكرامة.
اقرأ أيضاًالمرأة.. حين تصبح أمناً للوطن ومستقبلاً للأمة
أسوان تواصل تمكين المرأة وتأهيل الشباب وذوي الإعاقة عبر برامج تكافؤ الفرص
بروتوكول تعاون ثلاثي لتمكين المرأة وتعزيز الصحة الإنجابية ببيئة العمل








