مقالات

الانفجار الكبير.. عندما تصبح المياه هدفًا للحرب – الأسبوع

من الخليج إلى البحر الأحمر.. .هل دخلت المنطقة أخطر مراحلها؟

لا أضرب الودع، ولا أقرأ الفنجان، ولا أكتب في علم الغيب. لكنني أقرأ الجغرافيا، وأراقب حركة الصراعات، وأربط بين الوقائع الميدانية ومساراتها المحتملة. وهذا هو جوهر الدراسات الاستشرافية.

قبل أشهر، أشرت في مقالات سابقة إلى أن الحرب إذا خرجت من إطار الضربات العسكرية التقليدية، فإنها ستدخل مرحلة أكثر خطورة، يكون فيها استهداف البنية التحتية المدنية جزءًا من معادلة الردع والرد المضاد.واليوم، ومع تصاعد استهداف المطارات، وإغلاق أجزاء من المجالات الجوية، والحديث المتزايد عن ضرب منشآت حيوية، يبدو أن بعض ملامح ذلك السيناريو أصبحت أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

إن أخطر ما في أي حرب ليس عدد الصواريخ، بل نوعية الأهداف التي تُقصف. فعندما تصبح محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه وآبار النفط والموانئ أهدافًا عسكرية، فإن الحرب تنتقل من مواجهة بين جيوش إلى معركة تمس حياة ملايين المدنيين.

دول الخليج تمتلك واحدة من أكبر منظومات تحلية المياه في العالم، ويعتمد معظم سكانها بصورة أساسية على المياه المحلاة في الشرب والاستخدامات اليومية. لذلك فإن أي هجوم واسع على محطات التحلية لن يكون مجرد ضربة لمنشأة، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني، لأن المياه ليست رفاهية يمكن تعويضها، وإنما أساس الحياة.

وإذا تزامن ذلك مع استهداف محطات الكهرباء، فإن الأزمة تصبح مضاعفة، لأن تشغيل محطات التحلية يعتمد على الطاقة الكهربائية. وهنا قد نجد أنفسنا أمام مشهد غير مسبوق: مدن حديثة تمتلك كل مظاهر الرفاه، لكنها تواجه نقصًا حادًا في الماء والكهرباء خلال أيام قليلة إذا تعطلت تلك المنظومات لفترة طويلة.

ثم تأتي المرحلة الأخطر.. .استهداف المنشآت النفطية أو حدوث تلوث واسع في مياه الخليج نتيجة العمليات العسكرية. عندها لن تكون الأزمة خليجية فقط، بل ستتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، لأن الخليج يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة والتجارة الدولية.

ومن الخليج يمتد الخطر إلى البحر الأحمر. فإذا تزامنت هذه التطورات مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، فإن التجارة العالمية ستكون أمام أزمة مزدوجة، وقد تتأثر حركة السفن وقناة السويس وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء في مختلف أنحاء العالم.

كما أن استهداف المطارات وإغلاق المجالات الجوية في عدد من الدول يضيف بعدًا جديدًا للأزمة، لأن تعطيل النقل الجوي يعزل الدول تدريجيًا ويعقد عمليات الإجلاء والإمداد، ويؤثر في الاقتصاد والسياحة وحركة المواطنين.

والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل باحث في الدراسات الاستشرافية هو: ماذا لو استمرت الحرب واتسع نطاق استهداف البنية التحتية؟

هل يمكن أن نشهد موجات نزوح جماعية من بعض المناطق الخليجية إذا تعرضت شبكات المياه والكهرباء لضربات واسعة ومستمرة؟ وهل تستطيع أي دولة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تستوعب في فترة قصيرة أعدادًا ضخمة من النازحين إذا اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بسبب نقص المياه أو انقطاع الخدمات الأساسية؟

هذه ليست نبوءة، وإنما أسئلة يفرضها منطق إدارة الأزمات، لأن الحروب الكبرى لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بحجم الكوارث الإنسانية التي تتركها خلفها.

أما الأخطر من ذلك كله فهو استمرار التلميحات المتبادلة باستخدام أسلحة ذات قدرات تدميرية هائلة، بما في ذلك الحديث الإعلامي والسياسي عن الخيارات النووية. ومجرد تداول هذا الاحتمال يرفع مستوى المخاطر في المنطقة إلى درجات غير مسبوقة، حتى وإن لم يتحول إلى واقع. فالحرب النووية لا تعرف منتصرًا، وإذا وقع المحظور فإن دول المنطقة ستكون أول الضحايا قبل أي طرف آخر.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحروب تستهدف الجيوش فقط، بل المياه والكهرباء والغذاء والطاقة والموانئ والمطارات، أي مقومات الحياة نفسها.

ومن هنا فإن المسؤولية السياسية والدبلوماسية أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فاستمرار التصعيد قد يدفع المنطقة إلى انفجار واسع لا يمكن لأحد أن يتنبأ بحدوده أو نهايته.

لقد كتبت سابقًا أن المنطقة تتجه نحو سيناريو شديد الخطورة إذا استمرت دوائر التصعيد، ولم يكن ذلك قراءة في الغيب، بل قراءة في خرائط الصراع وتطوراته. واليوم، ومع تسارع الأحداث، أجد أن كثيرًا من المؤشرات تسير في الاتجاه الذي حذرت منه، وإن كنت أتمنى أن تتوقف الأمور عند هذا الحد، لأن الخاسر الحقيقي في أي حرب كبرى ليس طرفًا بعينه، وإنما شعوب المنطقة كلها.

ويبقى السؤال الأخير: هل ما زال هناك متسع للعقل قبل أن تتحول حرب الصواريخ إلى حرب عطش، وحرب كهرباء، وحرب نزوح، ثم إلى مواجهة إقليمية لا تبقي ولا تذر؟

إن التاريخ يعلمنا أن إشعال الحروب قد يكون قرارًا، أما إطفاؤها فغالبًا ما يكون أكثر صعوبة وكلفة، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر، بينما تبقى الجغرافيا شاهدة على أخطاء السياسة.، !!

كاتب وباحث متخصص في علم الجيوسياسية والصراعات الدولية

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts