مقالات

تقسيم استعماري – الأسبوع


خالد محمد علي

خالد محمد علي

يتم الآن أمام العالم أجمع تدمير الأمة الإيرانية والقضاء على كل مقدراتها ومحاولة تحويلها إلى ما قبل التاريخ.. الولايات المتحدة الأمريكية لا تدمر القواعد العسكرية فقط، ولكنها تبيد الإنسان، وتمحو الجسور ومحطات الكهرباء والمياه والطاقة والطرق والمدارس والمستشفيات، وحتى تلك المعالم التاريخية التي تنطق باسم حضارة تمتد إلى آلاف السنين يتم محوها بحجة القضاء على القدرات الإيرانية في تصنيع أسلحة نووية.

مجلس الأمن والدول الفاعلة فيه وخاصة الصين وروسيا لا يعتبرون ما تقوم به القوات الأمريكية جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، وهو ما يسير بنا إلى التاريخ الذي لا يكذب، وقاعدته الذهبية التي تقول إن «القوى الاستعمارية تختلف فيما بينها ولكنها تتفق على الدول الضعيفة، ومن ثم تقوم بتقسيمها فيما بينها، ليس بالعدل ولكن بتوفيق المصالح»، ولأن مشاهد تدمير إيران تقترب من محو هذه الأمة بقنابل نووية تكتيكية وحشد كل أنواع القنابل المحرمة وتنشيط أكبر تحالف استعماري بين أمريكا التي تريد أن تثبت أنها الأعظم، وإسرائيل التي تبحث عن تحقيق أحلامها التلمودية بالهيمنة والسيادة وبسط النفوذ باعتبارها إسرائيل الكبرى التي تحكم منطقة من العبيد.

إنه التوافق التاريخي، ولكنه لم يكن كافيًا وحده لتحقيق أحلام ترامب ونتنياهو، فجاء التوافق الثاني بين أمريكا وروسيا والصين على أن تترك الصين إيران لأمريكا مقابل تايوان وتترك روسيا إيران لأمريكا مقابل أوكرانيا، وتقدم إسرائيل كل مخزونها الإجرامي لأمريكا في إيران مقابل مساعدتها في احتلال ثلث لبنان والجنوب السوري حتى دمشق وأجزاء من العراق قريبًا، وهذا بالضبط التقسيم الاستعماري بين الدول الكبرى الذي حدث على مر التاريخ، وأبرز محطتيه، تقسيم ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكلنا يعرف تفاصيل التقسيمين، ولكن هل تتوقف المطامع «الترامبية» عند ابتلاع إيران ومضيق هرمز؟ أم أن شهية الرجل تتجدد وتتمدد على مدار الساعة وسوف تنفتح لابتلاع كل دول الخليج؟ وهل تتوقف المطامع الصهيونية عند أجزاء من جنوب لبنان وجنوب سوريا؟ أم أنها سوف تمتد لتصل إلى مساحات لا نهائية في كل الدول المحيطة وغير المحيطة لفلسطين المحتلة؟

لا شك أن ترامب دمر قواعد التحليل السياسي كما دمر كل ما اتفق عليه العالم من قوانين دولية وأعراف واتفاقات أودعتها جميع دول العالم في منظمة الأمم المتحدة التي كان يفترض أن تحمي الإنسان من الإبادة والمستشفيات من التدمير والمنشآت المدنية من الاستهداف، وأن تقدم كل من يخالف ذلك إلى المحاكم الدولية باعتباره مجرم حرب.

كانت قواعد التحليل السياسي تقول إن هذا الرئيس لن يرتكب تلك الجرائم، لأنه يخشى المحاكمة كمجرم حرب، أو أنه يخشى القوى الاستعمارية الكبرى مثل الصين وروسيا، أو أنه يخشى تحالف إقليمي يمكن أن يدخل جيشه في حرب استنزافية تحول قراره إلى مأزق كبير، كل تلك الاحتمالات وغيرها دمرتها تقلبات الرئيس الأمريكي التي تتغير على مدار الساعة، ولم يُعد بإمكان أحد أن يتنبأ بماذا سيفعل الرئيس هذا الصباح، أو هذا المساء، ولكن التاريخ أيضًا يقول إن مقاومة الشعوب للظلم والطغيان نجحت على مر العصور في كسر الطغاة والمستعمرين بإمكانات بسيطة، ولكن بشروط الوعي والإخلاص والإصرار على حماية أوطانها واليقين بأن الذي لا يقهر وحده هو الله، وليس ترامب أو نتنياهو.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts