مقالات

راهبٌ من زمنٍ فات.. وما زلتُ أكتب بقلمي على ضوء مصباحه – الأسبوع

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون عقولهم تسكن المستقبل، وهناك علماء يكتبون الكتب، وعلماء آخرون يكتبون طريقة جديدة لفهم العالم، وكان الدكتور جمال حمدان واحدًا من هؤلاء الذين تجاوزوا حدود التخصص، فلم يكن أستاذًا للجغرافيا فحسب، بل مفكرًا استراتيجيًا أعاد تعريف العلاقة بين المكان والتاريخ والسياسة، وجعل من الجغرافيا علمًا يقرأ حركة الأمم قبل أن تكتبها الأحداث.

لم يكن مجرد أستاذ جامعي، ولم يكن مؤلفًا تقليديًا، بل كان راهبًا في محراب العلم، اعتزل ضجيج الحياة، واختار أن يخوض معاركه من داخل غرفة صغيرة في حي الدقي، لتصل أفكاره إلى مراكز البحث وصناع القرار، وإلى خصومه قبل تلاميذه.

وما زال صدى إحدى محاضراته يرافقني منذ سنوات الدراسة داخل قاعة قسم الجغرافيا في مادة الجغرافيا السياسية، وكانت المحاضرة للدكتور فاروق كامل عز الدين، الذي تناول فيها قراءة جمال حمدان لمستقبل العالم، ورؤيته لانهيار الاتحاد السوفيتي، وتفكك يوغوسلافيا، وانهيار الكتلة الشرقية، وصراعات مياه النيل، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

يومها ظننت، مثل كثيرين، أنها مجرد تنبؤات لعالم يمتلك خيالًا واسعًا، لكن السنوات أثبتت أن الرجل لم يكن يتنبأ بالغيب، بل كان يقرأ الخرائط، ويفكك التراكيب السكانية والإثنية، ويحلل الجغرافيا بعقل عالمٍ يعرف أن المكان هو مفتاح السياسة، وأن التاريخ كثيرًا ما يبدأ من الخريطة قبل أن يُكتب في كتب المؤرخين.

ولم يتوقف أثر تلك المحاضرة عند أسوار الجامعة. ففي نهاية كل أسبوع، كنت أعود إلى قريتنا تلبانة، حيث كانت تُعقد جلسات المرحوم محمد عقل، أحد أبرز الرموز الناصرية والمعارضة الوطنية، وكان مجلسه يجمع الفلاحين والعمال والمثقفين والطلاب، في صورة نادرة لحوار وطني يجمع مختلف أطياف المجتمع حول ما يدور في مصر والعالم.

وكان الرجل في تلك الفترة يستعد للسفر إلى الاتحاد السوفيتي في رحلة علاج، فوجدتني أنقل إلى الحاضرين ما استمعت إليه في المحاضرة عن رؤية جمال حمدان لمستقبل الاتحاد السوفيتي واحتمالات انهياره. وأذكر أنني، وعلى سبيل المزاح، قلت يومها: «إن الاتحاد السوفيتي أصبح مثل الجدار المائل.. من يركن عليه سوف يسقط».

فضحك الحاضرون، فقد بدا الكلام آنذاك بعيدًا عن التصديق، لكن الأيام دارت، وسقط الجدار بالفعل، وانهارت الإمبراطورية التي ظنها كثيرون عصية على السقوط.

عندها أدركت أن ما سمعناه في قاعة المحاضرات في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي لم يكن خيالًا سياسيًا، بل قراءة علمية عميقة للجغرافيا والتاريخ، وأن جمال حمدان كان يرى ما لا يراه الآخرون، لأنه كان يقرأ العالم بعين الباحث، لا بعين المتفرج.

كلما قرأت سطرًا من كتبه، أيقنت أن الجغرافيا ليست خرائط معلقة على الجدران، ولا جبالًا وأنهارًا تُدرَّس في المدارس، وإنما هي العقل الذي يفسر حركة التاريخ، ويكشف أسباب الحروب، ويرسم احتمالات المستقبل.

لقد سبق جمال حمدان عصره ففي زمن كان الاتحاد السوفيتي يبدو قوة عصية على الانهيار، كتب عن هشاشة الإمبراطوريات، وأن القوى التي تتوقف عن التجدد تحمل عوامل تراجعها في داخلها.

وبعد سنوات، انهار الاتحاد السوفيتي وتغيرت خريطة أوروبا الشرقية، لتعود كتاباته إلى واجهة النقاش من جديد.

وعندما انتهت الحرب الباردة، لم يرَ أن العالم دخل عصر السلام، بل اعتبر أن الصراعات ستتخذ أشكالًا جديدة، وأن الشرق الأوسط والعالم الإسلامي سيظلان في قلب التنافس الدولي، وهي رؤية ما زالت محل دراسة ونقاش بين الباحثين في العلاقات الدولية.

ولم يكن حديثه عن مياه النيل مجرد تحليل جغرافي، بل دعوة مبكرة إلى إدراك أن إدارة النهر ستتحول إلى قضية سياسية واستراتيجية معقدة، وأن أمن مصر المائي يرتبط بعمقها الإفريقي وبالتحولات الإقليمية، وهو ما أصبح لاحقًا أحد أهم ملفات الأمن القومي المصري.

كما لفت إلى أن المنطقة ستشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الإقليمية، وأن الجغرافيا ستظل العامل الحاكم في إعادة تشكيل موازين النفوذ، وهي أفكار ما زالت تستحق الدراسة في ضوء التحولات التي يشهدها الإقليم.

أما دراساته عن إسرائيل، فقد كانت من أكثر أعماله إثارة للجدل فقد نظر إليها باعتبارها مشروعًا جيوسياسيًا يتجاوز حدود الدولة نفسها، وناقش قضايا الهوية والتاريخ والرواية من منظور بحثي، ومن بينها أطروحته حول الخزر في كتابه «اليهود أنثروبولوجيًا».

وقد أثارت هذه الرؤية نقاشًا أكاديميًا واسعًا، ولا تزال بعض جوانبها محل خلاف بين الباحثين، كما تناولها لاحقًا عدد من المؤرخين والدارسين من زوايا مختلفة.

وكان يؤمن بأن معركة الأمم تبدأ من الفكر قبل السلاح، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول عن الأوطان، وأن الجغرافيا إذا أُسيء فهمها دفعت الشعوب ثمنًا باهظًا.

ثم جاءت النهاية التي زادت الغموض حول سيرته. ففي السابع عشر من أبريل عام 1993، توفي داخل شقته بالقاهرة، وظهرت بعد وفاته روايات متعددة حول ملابسات رحيله، من بينها فرضيات تحدثت عن احتمال تعرضه لعملية اغتيال، بينما لم تنتهِ التحقيقات الرسمية إلى دليل حاسم يثبت ذلك. ولهذا بقيت وفاته موضع تساؤل لدى كثيرين، في حين بقيت الحقيقة الثابتة أن مشروعه الفكري لم يمت برحيله.

وأنا، كلما أمسكت القلم، أشعر أنني واحد من تلاميذ مدرسة جمال حمدان، وإن لم أتتلمذ على يديه مباشرة. تعلمت من كتبه أن الكاتب لا يطارد الخبر، بل يبحث عن جذوره، وأن الباحث الحقيقي لا يصف الواقع فقط، بل يحاول استشراف ما يختبئ خلفه.

تعلمت منه أن الجغرافيا ليست حدودًا، وإنما قدر، وأن التاريخ ليس حكاية عن الماضي، وإنما مفتاح لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وأن الأمم التي لا تقرأ خرائطها جيدًا قد تجد نفسها يومًا خارج خرائط التاريخ.

ولذلك، فإن كل ما أكتبه اليوم في الجغرافيا السياسية، والجيوسياسية، وتحولات النظام الدولي، وصراعات الطاقة والمياه والممرات البحرية، يحمل أثرًا من ذلك الراهب الذي عاش بعيدًا عن الأضواء، لكنه ترك مدرسة فكرية ما زالت تنير طريق الباحثين.

ويبقى، بعد كل هذه السنوات، سؤالٌ يتردد في أروقة البحث والفكر قبل أن يتردد في ذاكرة تلاميذه ومحبيه: من قتل جمال حمدان؟ ومن أسكت صوت راهب العلم؟ إنه سؤال لم يجد حتى اليوم إجابة قاطعة، بعدما ظلت ملابسات وفاته محل روايات متباينة، دون دليل حاسم يثبت فرضية الاغتيال أو ينفيها بصورة نهائية.

ولا يقل عن ذلك إثارةً سؤالٌ آخر طالما شغل المهتمين بتراثه العلمي: أين اختفت النسخة الثانية أو المسودات الإضافية من كتابه «اليهود أنثروبولوجيًا»؟ ذلك الكتاب الذي تناول فيه، من منظور أنثروبولوجي وجيوسياسي، قضية مملكة الخزر وأصول بعض الجماعات اليهودية، وأثار نقاشًا أكاديميًا واسعًا داخل مصر وخارجها.

وقد ترددت روايات عن اختفاء بعض أوراقه ومخطوطاته بعد وفاته، غير أن هذه الروايات لم تثبت بوثائق قاطعة، فبقيت جزءًا من الجدل المحيط بتراثه، لا حقيقة تاريخية محسومة.

وهكذا، سيظل جمال حمدان حاضرًا ليس فقط بما كتبه، بل أيضًا بما تركه من أسئلة مفتوحة تدعو إلى المزيد من البحث والاستقصاء. فالعلم لا يتوقف عند الإجابات، بل يبدأ أحيانًا من السؤال الذي يرفض أن يموت.

رحل الأستاذ.. وبقي الدرس، ورحل العالم وبقي المنهج، ورحل الإنسان، لكن الفكرة ما زالت حية، تقاوم الزمن، وتُلهم كل من يؤمن بأن قراءة الخريطة ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لفهم العالم وصناعة المستقبل.

سلامًا على راهب الجغرافيا.. الذي علّمنا أن الخرائط ليست مجرد خطوط وألوان، بل مصائر شعوب، وأن الأمم التي تمتلك عقلًا يقرأ المكان، تستطيع أن تكتب تاريخها بيدها.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

اقرأ أيضاًالأمن المائي يبدأ من الحقل

الانفجار الكبير.. عندما تصبح المياه هدفًا للحرب

رقعة الشطرنج المشتعلة.. حين تأكل الحرب اليابس والأخضر

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts