مقالات

جحا في عصر الذكاء الاصطناعي 1 – الأسبوع

جحا.. حين أصبح الجميع خبيرا وضاعت الحقيقة

كان يا ما كان.. استيقظ جحا ذات صباح، فلم يجد أمام بيته الحمار فقط.. بل وجد أيضاً هاتفاً ذكياً، ونظارة للواقع المعزز، واشتراكاً مجانياً في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

نظر إلى ابنه مبتسماً وقال: «يبدو أننا انتقلنا إلى عام 2026»، رد الابن بحماس: «أبي.. قبل أن نخرج، دعنا نصور فيديو للحمار. ربما نصبح مشهورين».

ابتسم جحا، وربت على ظهر الحمار، وانطلق الثلاثة في الطريق. لكن الطريق هذه المرة لم يكن مليئاً بالمارة…بل كان مليئاً بالتعليقات.

ظهر أول إشعار على الهاتف:«لماذا تمشيان والحمار فارغ؟ أنتما لا تفهمان شيئاً!» نظر الابن إلى أبيه وقال: «معهم حق».

ركب جحا الحمار وبعد دقائق ظهر تعليق جديد: «يا له من أب أناني! يركب ويترك ابنه يمشي»!.. نزل جحا سريعاً، وصعد الابن.

فجاء تعليق آخر: «جيل بلا احترام.. الابن يجلس، والأب يسير»!.. تبادلا الأماكن، ثم ركبا معاً، فانهالت التعليقات: «قسوة على الحيوان»!.. نزلا معاً.

فظهر تعليق جديد: «أغبياء.. لماذا يتركان الحمار ويمشيان؟».

توقف جحا هذه المرة. نظر إلى ابنه.. ثم أغلق الهاتف، تعجب الابن وقال: «أبي.. هناك آلاف التعليقات لم نقرأها بعد!» ابتسم جحا وقال: «يا بني.. في الماضي كان الناس يتحدثون في الأسواق، فيسمعهم عشرات أما اليوم، فأصبح كل هاتف سوقاً، وكل حساب منبراً، وكل تعليق يظن صاحبه أنه الحقيقة المطلقة». سأل الابن: «إذن.. ماذا نفعل؟».

قال جحا وهو يربت على الحمار: “إذا حاولت أن ترضي الجميع…ستنتهي وأنت تحمل الحمار على كتفيك”.

ضحك الحمار لأول مرة وقال: «ومن قال إن المشكلة في الحمار؟ المشكلة أنكم تمنحون الغرباء حق قيادة حياتكم».

ساد الصمت أعاد الابن الهاتف إلى جيبه. ومشى بجوار أبيه. ولم يلتفت هذه المرة لأي إشعار، فابتسم جحا وقال: «أجمل ميزة في الهاتف.. هي زر إغلاق الإشعارات».

ليست المشكلة في التعليقات.. بل فيمن يمنحها سلطة على حياته، فلم يعد التنمر اليوم يقتصر على كلمات تقال في المدرسة أو الشارع، بل أصبح يلاحق الشباب عبر الشاشات. تعليق ساخر، أو مقارنة جارحة، أو سخرية من الشكل أو الرأي أو النجاح.. قد تصل إلى الإنسان وهو جالس وحده

في غرفته.

والأخطر من التنمر نفسه، هو أن يتحول الإنسان إلى أسير لآراء الآخرين، فيقيس قيمته بعدد الإعجابات، ويغير قناعاته من أجل تعليق، ويخشى أن يكون نفسه خوفاً من النقد.

لقد منحت التكنولوجيا الجميع حق التعبير، لكنها لم تمنح الجميع حق الحكم على حياة الآخرين.

فالنجاح الحقيقي لا يعني أن يصفق لك الجميع، بل أن تعرف من أنت، وإلى أين تسير، ولماذا تسير.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي، قد تستطيع الخوارزميات أن تتوقع ما تحب، وما تشاهد، وما تشتري.. لكنها لا تستطيع أن تحدد قيمتك. هذه المهمة لا تزال مسؤوليتك وحدك.

حكمة جحا:«استمع للنصيحة.. لا للضوضاء.. فليس كل من كتب تعليقاً.. يكتب حقيقة».

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts