في كل مجتمع، ولا سيما في البيئات الريفية والشعبوية، تظهر شخصيات تتقن صناعة الصورة أكثر من صناعة الإنجاز.
تعرف كيف تجذب الأنظار، وكيف تجعل من الحضور الدائم بطولة، ومن الكلمات الرنانة تاريخًا، ومن المظاهر رصيدًا اجتماعيًا، حتى يظن الناس أنهم أمام رجال استثنائيين، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا.
هناك من يدرك أن الطريق إلى القلوب لا يمر دائمًا عبر العمل، بل عبر حسن تسويق الذات، فيرتدي ثوب رجل الخير، أو صاحب الخدمات، أو المؤمن الذي لا تفوته مناسبة دينية أو اجتماعية إلا وكان في مقدمة الصفوف.
يحرص على أن يكون اسمه حاضرًا في كل مشهد، وصورته في كل مناسبة، وكلماته تتردد في كل مجلس.
وبمرور الوقت، تتحول هذه الصورة إلى حقيقة في أذهان البعض، لا لأنها قائمة على الإنجاز، وإنما لأن كثرة التكرار تصنع الوهم، والضجيج أحيانًا يحجب الرؤية.
وفي المقابل، هناك رجال لا يعرفون لغة الاستعراض، يقضون مصالح الناس في صمت، ويقدمون الخير دون انتظار شكر، ويعتبرون أن قيمة العمل في أثره لا في عدد من شاهده.
لا يرفعون أصواتهم، ولا يلتقطون الصور مع كل موقف، ولا يحولون المعروف إلى إعلان دائم، لكن المجتمعات الشعبوية كثيرًا ما تقع في فخ الخلط بين الشهرة والقيمة، وبين كثرة الظهور وصدق العطاء، فتمنح الثقة لمن يجيد الأداء المسرحي، بينما يتراجع أصحاب الكفاءة والضمير إلى الخلف، لأنهم لم يتعلموا فن صناعة الضجيج.
وهنا يجد بعض «الأراجوزات» فرصتهم، يحولون الحياة العامة إلى مسرح كبير، يتغير فيه الدور بحسب المناسبة، ويصبح التصفيق هدفًا، لا خدمة الناس.
يستثمرون طيبة البسطاء، ويغذون مشاعرهم بالشعارات، حتى يبدو المشهد وكأن البطولة حكر عليهم، وكأن المجتمع لا يقوم إلا بوجودهم، غير أن الحقيقة لا يمكن أن تبقى أسيرة للمشهد إلى الأبد.
فالزمن، مهما طال، يملك قدرة نادرة على كشف الفارق بين من بنى مكانته بالحقيقة، ومن شيدها بالدعاية.
ومع أول اختبار جاد، تسقط الأقنعة، ويتبين أن بعض الأسماء كانت أعلى صوتًا من أثرها، وأن كثيرًا من البطولات لم تكن سوى ديكور هش، صنعته المجاملات، ونفخته المصالح، ثم بعثرته الأيام.
ولذلك، فإن الضجيج قد يصنع شهرة، لكنه لا يصنع احترامًا دائمًا، والظهور قد يمنح صاحبه نفوذًا مؤقتًا، لكنه لا يمنحه الخلود في ذاكرة الناس.
يبقى الإنسان بما قدمه، لا بما قاله عن نفسه، ويبقى الأثر الصادق أطول عمرًا من آلاف الخطب والصور والمنشورات.
فالمجتمعات التي تنخدع بالمظاهر، تدفع ثمن ذلك من مستقبلها، لأنها ترفع أصحاب الأقنعة، وتُهمش أصحاب الرسالة.
أما المجتمعات الواعية، فهي التي تميز بين من يخدم الناس ليُذكر، ومن يخدمهم لأن ضميره يملي عليه ذلك.
فالرجال الحقيقيون لا يحتاجون إلى أبواق تسبقهم، ولا إلى جمهور يصفق لهم كل يوم. يكفيهم أن أعمالهم تتحدث عنهم، وأن سيرتهم تبقى حية في القلوب بعد أن يصمت الجميع.
أما أبطال الورق، فمصيرهم معروف، يعلو صوتهم سريعًا، ويملأون الساحات صخبًا، ثم لا تلبث الريح أن تطوي صفحاتهم، لأن التاريخ لا يكتب أسماء صانعي الضجيج، بل يحفظ أسماء صانعي الأثر. (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًراهبٌ من زمنٍ فات.. وما زلتُ أكتب بقلمي على ضوء مصباحه
