سبعون عامًا على تأميم قناة السويس.. حين استعاد الوطن قراره.. وأثبت المصريون أن المستحيل ممكن

سبعون عامًا على تأميم قناة السويس.. حين استعاد الوطن قراره.. وأثبت المصريون أن المستحيل ممكن

في السادس والعشرين من يوليو عام 1956، وقف الرئيس جمال عبد الناصر أمام الجماهير في ميدان المنشية بالإسكندرية ليعلن القرار الذي غيّر وجه المنطقة وأعاد رسم موازين القوى الدولية: تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، لتصبح القناة ملكًا للدولة المصرية بعد عقود طويلة من السيطرة الأجنبية على أهم شريان ملاحي في العالم.

واليوم، وبعد مرور سبعين عامًا على ذلك القرار التاريخي، لا تبدو ذكرى التأميم مجرد مناسبة لاستعادة حدث من الماضي، بل درسًا متجددًا في السيادة الوطنية، والإرادة السياسية، وثقة الشعوب في قدرتها على الدفاع عن حقوقها وإدارة مقدراتها.

لم يكن قرار التأميم اندفاعًا عاطفيًا أو مغامرة سياسية، بل جاء في سياق صراع دولي معقد، عقب سحب الولايات المتحدة وبريطانيا عرض تمويل السد العالي، في محاولة للضغط على مصر والتأثير في استقلال قرارها السياسي.

أدرك عبد الناصر أن امتلاك مصر لقناة السويس ليس مجرد حق قانوني، بل ضرورة استراتيجية لتمويل مشروع السد العالي، ولتحرير القرار الوطني من الضغوط الخارجية. وكان يعلم أيضًا أن القرار سيستفز القوى الاستعمارية التي اعتبرت القناة أحد أهم أدوات نفوذها الاقتصادي والعسكري.

ومع ذلك، اتخذ القرار وهو يدرك أن رد الفعل قد يتجاوز الضغوط الدبلوماسية إلى المواجهة العسكرية، وهو ما تحقق بالفعل بعد أشهر قليلة في العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في أكتوبر 1956.

لم يكن إعلان التأميم هو بداية التحرك، بل كان تتويجًا لخطة أُعدت بعناية وسرية شديدة.

فقد جرى تجهيز فرق مصرية من المهندسين والإداريين والقانونيين لتتولى إدارة الشركة فور صدور القرار، كما وضعت خطط لتأمين منشآت القناة وضمان استمرار الملاحة دون توقف، حتى لا تمنح مصر خصومها فرصة الادعاء بأن القناة لن تستطيع العمل تحت الإدارة الوطنية.

كان التحدي الحقيقي أن يثبت المصريون للعالم أن الإدارة ليست حكرًا على الأجانب، وأن الكفاءة لا ترتبط بالجنسية، وإنما بالعلم والانضباط والإرادة.

فبعد خروج عدد كبير من المرشدين والموظفين الأجانب، راهنت دوائر غربية على تعطل الملاحة في القناة، وروجت لفكرة أن المصريين لن يتمكنوا من تشغيل هذا المرفق العالمي شديد التعقيد.

لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا.

نجح المهندسون والمرشدون والعمال المصريون، مدعومين بخبرات عربية ودولية محدودة عند الحاجة، في استمرار تشغيل القناة بكفاءة، واستمرت السفن في العبور دون توقف يُذكر، لتسقط عمليًا كل رهانات الفشل.

وكان هذا النجاح رسالة تتجاوز إدارة مرفق ملاحي، فقد أكد أن الشعوب التي تمتلك العلم والإرادة تستطيع أن تدير مؤسساتها بنفسها، مهما حاول الآخرون التشكيك في قدراتها.

وعلى قاعدة أن السيادة لا تُمنح بل تنزع، لم يكن الانتصار في أزمة السويس عسكريًا فقط، بل كان سياسيًا ودبلوماسيًا أيضًا. فقد اضطر المعتدون إلى الانسحاب تحت ضغط المقاومة المصرية، والرفض الدولي، والتوازنات التي فرضتها الحرب الباردة.

وأصبحت قناة السويس منذ ذلك الحين رمزًا لاستعادة الحق الوطني، وعنوانًا لقدرة الدول المستقلة على حماية مصالحها عندما تتوافر

القيادة والإرادة الشعبية.

بعد سبعين عامًا، ربما يكون أهم ما تمنحه ذكرى التأميم للأجيال الجديدة هو استعادة الثقة في الإنسان المصري.

لقد أثبتت تجربة التأميم أن المصريين قادرون على إنجاز أكثر المهام تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن. فمن تشغيل قناة السويس بعد التشكيك في الكفاءة، إلى بناء السد العالي، وصولًا إلى تنفيذ مشروعات قومية كبرى في العقود اللاحقة، ظل العامل المشترك هو الإيمان بأن الإرادة الوطنية، عندما تقترن بالعلم والتنظيم، تستطيع تجاوز أصعب التحديات.

إن الأمم التي تفقد ثقتها في نفسها تصبح رهينة لإرادة الآخرين، أما الأمم التي تؤمن بقدرات أبنائها فإنها تستطيع أن تحول الأزمات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للإنجاز.

وهذا هو المعنى الأعمق لذكرى تأميم قناة السويس: لم يكن استردادًا لشركة أو لمجرى ملاحي فحسب، بل كان استردادًا لثقة شعب في نفسه، وإعلانًا بأن استقلال القرار الوطني يبدأ بالإيمان بقدرة أبناء الوطن على تحمل المسؤولية وصناعة المستقبل.

اقرأ أيضاًالسد العالي أهم إنجازات ثورة 23 يوليو 1952

جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (2)

Exit mobile version