مقالات

الجلسات العرفية.. بين النزاهة التاريخية وبراثن التجارة والسمسرة – الأسبوع

تُعد الجلسات العرفية جزءًا أصيلًا من ملامح الهوية المصرية، ورافدًا من روافد ثقافة العلاقات الاجتماعية التي نظّمت حياة المجتمع عبر آلاف السنين. ورغم تغيّر الأشكال والأنماط عبر العصور، فإن المضمون ظل ثابتاً ومستمدًا من عمق الشخصية المصرية القائمة على الحق والعدل والمودة.

إلا أن حالة التجريف والتجويف الثقافي والأخلاقي التي تعرضت لها الهوية المصرية خلال العقود الأخيرة أحدثت تغيّرًا خطيرًا يزداد اتساعًا يومًا بعد آخر، في ظل غياب خطة عمل واضحة تتصدى لهذا التمدد وتضرب عوامل الاغتراب التي تُستغل كأدوات لتفريغ المجتمع من قيم النزاهة.

في الماضي القريب، كانت للجلسة العرفية مهابة وقوة تأثير مستمدة من هيبة القائمين عليها، حيث كان «الكبار» هم الأكثر حضورًا وحكمة ونزاهة وسمعة طيبة.

كان الحكم الصادر يراعي العدل الإلهي والضوابط الاجتماعية، لا يخضع لضغوط ولا يستجيب لمؤثرات شخصية. أما اليوم، فقد انقلب المشهد رأسًا على عقب، وتحولت هذه الجلسات إلى مصدر رزق لكثيرين ممن يدّعون القدرة على التحكيم دون امتلاك أدنى مقوماته، بل إن بعض الحكام باتوا يُصنعون على يد “مافيا” الجلسات العرفية ليكونوا متوافقين مع مصالحهم وشبيهين بصفاتهم.

وبحكم غيابي لسنوات خارج أرض الوطن، ثم استقراري فيه منذ نحو عام، أتيحت لي فرصة حضور العديد من هذه الجلسات. وكانت الصدمة حقيقية، إذ تحول هذا العُرف الأصيل في كثير من الأحيان إلى وصمة عار في جبين الهوية المصرية، حيث يستعين كل طرف بشرذمة من المحكمين يتقاضى معظمهم أجر حضورهم مالًا أو مصالح شخصية. وبدلاً من إقرار الحق، ينشب صراع صبياني يحاول فيه كل فريق تبرير أخطاء “زبونه” وإدانة الطرف الآخر، لتغيب العدالة وينتهي الأمر غالبًا بظلم فادح للطرف الأضعف ماديًا أو اجتماعيًا.

إن خطورة هذا المشهد تستوجب تحركًا حاسمًا من أجهزة الدولة المعنية لإعادة الانضباط وقطع الطريق على العابثين بهوية هذا الوطن. ويكمن العلاج في أن يتولى كل مركز من مراكز الجمهورية وخصوصا محافظات الصعيد اختيار عدد من المحكمين وفق شروط صارمة تشمل: النزاهة، الحياد، السمعة الطيبة، الثقافة العامة، والحكمة، على أن يُمنحوا رخصة أمنية تنظيمية وتُعلن أسماؤهم للعامة، مع عدم الاعتداد بأي جلسة أو حكم يُصدره أفراد من خارج هذه الأسماء المعلنة.

إن حماية الجلسات العرفية من براثن المتاجرة والسمسرة ليست مجرد تنظيم إداري، بل هي معركة لدعم الهوية المصرية واستعادة لتاريخ الشرفاء الذين جعلوا من القضاء العرفي ملاذًا للمظلومين وسندًا للحق.

لقد حان الوقت لتدخل الدولة بقوة لإعادة للمشهد العرفي أصالته وهيبته التي تليق باسم مصر وشخصيتها التاريخية.

اقرأ أيضاًلماذا تريد أمريكا السيطرة على قطاع غزة؟

العلاقات السامة

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts