شذرات استراتيجية.. «ثورة23 يوليو» حين استعادت مصر قرارها وأعادت رسم خريطة العرب «2-2»

شذرات استراتيجية.. «ثورة23 يوليو» حين استعادت مصر قرارها وأعادت رسم خريطة العرب «2-2»

قبل أن تتحرك الدبابات… كانت مصر تبحث عن مستقبلها

لا تبدأ الثورات في الليلة التي تتحرك فيها الجيوش، ولا في اللحظة التي يُذاع فيها البيان الأول عبر الإذاعة، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، حين تعجز الدولة عن الإجابة عن أسئلة شعبها، ويتسع الفارق بين إمكانات الوطن وواقع أبنائه، وتصبح الحاجة إلى التغيير أكبر من قدرة النظام القائم على الإصلاح.

وهكذا كانت مصر قبل الثالث والعشرين من يوليو 1952.

فقد كانت واحدة من أقدم دول العالم، وصاحبة حضارة تمتد لآلاف السنين، لكنها كانت تعيش تناقضاً مؤلماً بين عظمة تاريخها وحدود واقعها السياسي.

كانت تملك موقعاً استراتيجياً يتحكم في أهم طريق بحري عالمي، لكنها لم تكن تمتلك السيطرة الكاملة على قرارها الوطني.

وكانت تمتلك أرضاً خصبة ونهراً خالداً وشعباً مبدعاً، بينما كان ملايين أبنائها يعيشون في الفقر والأمية والمرض، وسط تفاوت اجتماعي صارخ.

كان الاحتلال البريطاني، رغم اتفاقيات الاستقلال، لا يزال حاضراً بقواته ونفوذه، بينما كانت الطبقة السياسية غارقة في الصراعات، والنظام الملكي يفقد تدريجياً رصيده الشعبي، في وقتٍ كانت فيه الطبقات الوسطى والفقراء يتطلعون إلى دولة أكثر عدالة، وأكثر قدرة على حماية السيادة وتحقيق الكرامة الوطنية.

ثم جاءت حرب فلسطين عام 1948 لتكشف حجم الأزمة.

لم تكن الهزيمة العسكرية مجرد خسارة في ميدان القتال، بل كشفت خللاً عميقاً في بنية الدولة، وأيقظت داخل الجيش المصري شعوراً بأن معركة تحرير الأرض تبدأ أولًا بتحرير القرار الوطني وإصلاح الداخل.

ومن بين الضباط الذين عادوا من تلك الحرب، بدأت تتشكل قناعة جديدة بأن مصر بحاجة إلى تغيير جذري، لا يقتصر على تبديل الحكومات، بل يمتد إلى إعادة بناء الدولة نفسها.

وفي الوقت ذاته، كان العالم يشهد تحولات كبرى، إمبراطوريات استعمارية تتراجع، وحركات تحرر وطني تتصاعد، وحرب باردة تعيد تشكيل النظام الدولي، بينما كانت الشعوب في آسيا وإفريقيا تبحث عن طريقها نحو الاستقلال والتنمية.

وسط هذه البيئة المضطربة، ولدت ثورة يوليو.

ولم تكن مجرد استجابة لأزمة داخلية، بل تعبيراً عن لحظة تاريخية تلاقت فيها الإرادة الوطنية مع التحولات العالمية، لتفتح أمام مصر باباً جديداً في تاريخها الحديث، وتضعها في قلب مشروع عربي واسع، تجاوز حدودها الجغرافية، وأثر في مسار المنطقة لعقود طويلة.

إن فهم ثورة يوليو لا يتحقق بقراءة يوم الثالث والعشرين من يوليو وحده، بل بفهم ما سبقه، وما تبعه، وما تركه من آثار ما زالت حاضرة في بنية الدولة المصرية، وفي الوعي العربي، وفي الأسئلة التي لا تزال المنطقة تطرحها حول الاستقلال، والعدالة، والتنمية، والسيادة، ودور الدولة في صناعة المستقبل.

ولهذا، فإن الصفحات القادمة ليست مجرد سردٍ لأحداث تاريخية، وإنما رحلة في واحدة من أكثر التجارب العربية تأثيراً في القرن العشرين، رحلة تحاول أن تفهم كيف انتقلت مصر من زمن التبعية إلى مشروع الدولة، ومن حدود الجغرافيا إلى فضاء الدور الحضاري، وكيف أصبحت ثورة يوليو حدثاً تجاوز حدودها الوطنية ليغدو علامة فارقة في التاريخ العربي الحديث.

التصنيع والسد العالي… حين قررت مصر أن تنتج مستقبلها

إذا كانت ثورة يوليو قد أعادت توزيع الأرض بالإصلاح الزراعي، ووسعت فرص الصعود الاجتماعي بمجانية التعليم، فإنها أدركت أن هذين الإنجازين لن يكتمل أثرهما ما لم يقترنا بقاعدة اقتصادية قادرة على استيعاب ملايين المصريين، وتوفير العمل والإنتاج، وصون الاستقلال الوطني.

فالدولة التي تستورد غذاءها وصناعتها وسلاحها، تظل رهينة لمن يملك هذه الموارد، مهما رفعت من شعارات السيادة.

ومن هنا، لم يكن التصنيع في فلسفة يوليو خياراً اقتصادياً فحسب، بل كان مشروعاً استراتيجياً للتحرر الوطني، وجزءاً من معركة الاستقلال نفسها.

لقد آمنت قيادة الثورة بأن الاستقلال السياسي لا قيمة له إذا ظل الاقتصاد تابعاً، وأن الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد طبيعية فقط، بل بما تمتلكه من قدرة على تحويل تلك الموارد إلى قيمة مضافة، وصناعة، وتكنولوجيا، وفرص عمل.

ومن هذا المنطلق، بدأت مصر واحدة من أكبر تجارب التصنيع في تاريخها الحديث.

من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد المنتج

قبل الثورة، ظل الاقتصاد المصري يعتمد بصورة كبيرة على الزراعة، ولا سيما القطن، الذي شكّل لعقود المصدر الرئيس للعملة الأجنبية.

غير أن هذا النموذج جعل الاقتصاد شديد الحساسية لتقلبات الأسواق العالمية، كما أبقى البلاد معتمدة على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها الصناعية، من الآلات إلى الأدوية والمنتجات الهندسية.

وأدركت قيادة يوليو أن استمرار هذا الوضع يعني بقاء مصر في دائرة التبعية الاقتصادية، مهما حققت من استقلال سياسي.

ولهذا، انطلقت خطة واسعة لبناء قاعدة صناعية وطنية، تستند إلى القطاع العام بوصفه قاطرة التنمية، مع توجيه الاستثمارات إلى الصناعات الثقيلة والاستراتيجية، التي كانت تتطلب رؤوس أموال ضخمة لا يستطيع القطاع الخاص المصري آنذاك تحملها.

صناعة دولة لا مجرد مصانع

لم يكن الهدف إنشاء مصانع متفرقة، بل بناء منظومة إنتاجية متكاملة.

فشهدت مصر قيام مجمع الحديد والصلب في حلوان، الذي أصبح رمزاً للصناعة الوطنية، كما توسعت صناعات الغزل والنسيج في المحلة الكبرى وكفر الدوار، وأنشئت مصانع للأسمنت والأسمدة والألومنيوم والأدوية والجرارات والآلات والصناعات الكيماوية والهندسية.

ولم تكن هذه المصانع مجرد مبانٍ خرسانية، بل مدارس لتكوين الخبرة الوطنية، إذ خرجت منها أجيال من المهندسين والفنيين والعمال المهرة الذين حملوا لاحقاً خبراتهم إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.

كما ساهمت هذه السياسة في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، وتسريع عملية التحضر، وتحويل مدن صناعية كاملة إلى مراكز للإنتاج والمعرفة والخبرة.

لقد كانت الدولة تبني الاقتصاد كما تبني الجيش، باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي.

السد العالي… المشروع الذي غيّر الجغرافيا

لكن المشروع الأضخم في تجربة يوليو لم يكن مصنعاً، بل كان السد العالي.

فقد أدركت القيادة المصرية أن نهر النيل، الذي منح مصر الحياة منذ آلاف السنين، ظل في الوقت نفسه مصدراً دائماً للخطر.

فالفيضان قد يدمر المحاصيل والقرى، والجفاف قد يهدد الأمن الغذائي، بينما كانت كميات هائلة من المياه تضيع في البحر دون استفادة كاملة.

ومن هنا جاءت فكرة إقامة سد ضخم عند أسوان، يتحكم في تدفق المياه، ويحمي البلاد من الفيضانات والجفاف، ويوفر احتياطياً مائياً استراتيجياً، ويولد الكهرباء اللازمة لمشروعات التنمية.

لم يكن السد العالي مجرد مشروع هندسي، بل إعلاناً بأن مصر قررت أن تتحكم في مصيرها، لا أن تبقى رهينة تقلبات الطبيعة.

معركة التمويل… حين أصبح القرار الوطني أغلى من المال

عندما طلبت مصر تمويل المشروع من المؤسسات الدولية وبعض القوى الغربية، بدا الأمر في البداية ممكناً.

غير أن الحسابات السياسية للحرب الباردة، ومواقف مصر المستقلة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي إلى سحب عروض التمويل.

وكانت الرسالة واضحة: من يريد قراراً مستقلاً، عليه أن يدفع ثمن استقلاله.

لكن ما بدا محاولة لإجهاض المشروع، تحول إلى لحظة فارقة في التاريخ المصري.

ففي السادس والعشرين من يوليو 1956 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، لتصبح عائداتها مصدراً رئيساً لتمويل السد العالي.

ولم يكن القرار اقتصادياً فقط، بل كان إعلاناً بأن موارد مصر يجب أن تُستخدم لبناء مصر.

ولهذا ارتبط السد العالي في الوعي الوطني بقرار التأميم، وارتبط التأميم بمعركة السيادة.

الكهرباء… الطاقة التي صنعت النهضة

قبل السد العالي، كانت الكهرباء سلعة محدودة في كثير من المناطق المصرية.

أما بعد تشغيله، فقد دخلت الطاقة الكهربائية إلى آلاف القرى والمصانع والمشروعات الزراعية، وأصبحت أحد أهم محركات التنمية الصناعية.

لقد غيّر السد العالي نمط الحياة اليومية للمصريين، ووفّر الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع، وضخ المياه، وتطوير الري، وإنارة المدن والقرى.

ولذلك لم يكن مشروعاً زراعياً فحسب، بل كان مشروعاً صناعياً وتنموياً متكاملاً.

الأمن المائي… بعد استراتيجي يتجاوز الاقتصاد

واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، تبدو القيمة الاستراتيجية للسد العالي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

ففي ظل التغيرات المناخية، وتزايد الضغوط على مياه النيل، والنقاشات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، يتبين أن السد العالي لم يكن مشروعاً لجيل الخمسينيات فقط، بل استثماراً استراتيجياً للأجيال اللاحقة.

لقد وفر لمصر قدرة على إدارة مواردها المائية بصورة أكثر كفاءة، وأصبح أحد أهم عناصر الأمن القومي المصري.

وهذا يؤكد أن المشروعات الكبرى لا تُقاس بعوائدها الاقتصادية المباشرة وحدها، بل بقدرتها على حماية الدولة في المستقبل.

الإنجاز والتحديات

ومع كل هذه الإنجازات، فإن تجربة التصنيع لم تكن خالية من المشكلات.

فقد واجه القطاع العام لاحقاً تحديات تتعلق بالإدارة، والبيروقراطية، وضعف الكفاءة في بعض المؤسسات، وغياب المنافسة أحياناً، وهو ما انعكس على إنتاجية عدد من المصانع في العقود التالية.

كما أن بعض المشروعات الصناعية احتاجت إلى تحديث مستمر لم يتحقق بالوتيرة المطلوبة.

غير أن هذه التحديات لا تلغي حقيقة تاريخية أساسية، وهي أن مصر في عهد يوليو وضعت لأول مرة قاعدة صناعية وطنية واسعة، وأن كثيراً من الصناعات التي قامت عليها التنمية المصرية لعقود تعود جذورها إلى تلك المرحلة.

فالحديث عن تطوير الصناعة لا يبدأ من فراغ، بل من إرث صناعي حقيقي تركته تلك التجربة.

درس يوليو الاقتصادي

إن أعظم ما تعلمه تجربة التصنيع في يوليو ليس عدد المصانع التي أُنشئت، ولا حجم الإنتاج الذي تحقق، وإنما الفلسفة التي قامت عليها.

لقد آمنت الثورة بأن الدولة التي لا تنتج، لا تستطيع أن تحافظ على استقلالها طويلاً، وأن الاقتصاد ليس مجرد أرقام للنمو، بل أحد أعمدة السيادة الوطنية.

ومن هنا، فإن القيمة الكبرى لتجربة يوليو تكمن في أنها نقلت مصر من التفكير في إدارة الواقع، إلى التفكير في صناعة المستقبل.

لقد كان السد العالي أكثر من خرسانة وحديد، وكانت المصانع أكثر من آلات، وكانت الكهرباء أكثر من طاقة.

كانت جميعها تعبيراً عن إرادة وطن قرر أن يبني قوته بيديه، وأن يجعل التنمية جزءاً من معركة الكرامة الوطنية.

وهكذا، لم يكن التصنيع في مشروع يوليو مجرد سياسة اقتصادية، بل كان إعلاناً تاريخياً بأن مصر لا تريد أن تكون سوقاً تستهلك ما يصنعه الآخرون، وإنما دولةً تنتج، وتبني، وتبتكر، وتشارك في صنع مستقبلها بنفسها.

تأميم قناة السويس… حين استعادت مصر قرارها وأعادت تعريف السيادة

في تاريخ الأمم لحظاتٌ لا تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بما تُحدثه من تحول في وعي الشعوب وموازين القوى.

ولعل قرار تأميم قناة السويس في السادس والعشرين من يوليو عام 1956 كان واحدة من تلك اللحظات الاستثنائية، إذ لم يكن مجرد إجراء اقتصادي أو قانوني، وإنما إعلاناً تاريخياً بأن مصر قررت أن تسترد سيادتها كاملة، وأن تتحول من دولة تُدار مصالحها الحيوية بإرادة الآخرين إلى دولة تملك قرارها وثرواتها.

لقد كانت قناة السويس منذ افتتاحها عام 1869 أكثر من ممر مائي يربط البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، كانت شرياناً رئيساً للتجارة العالمية، وأحد أهم المفاتيح الاستراتيجية التي تنافست عليها الإمبراطوريات الكبرى. فمن يسيطر على القناة يمتلك نفوذاً يتجاوز حدود مصر إلى حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية.

ورغم أن القناة شُقت بسواعد المصريين ودماء عشرات الآلاف من العمال الذين قضوا خلال أعمال الحفر، فإن إدارتها وعوائدها بقيت لعقود في يد شركة أجنبية، بينما ظلت مصر، صاحبة الأرض، تحصل على نصيب محدود من ثمار هذا المشروع العملاق.

وهكذا، بقيت القناة رمزاً مؤلماً للتناقض بين الجغرافيا والسيادة، فالممر يقع في قلب مصر، لكن القرار الاقتصادي والسياسي المرتبط به ظل بعيداً عن الإرادة الوطنية.

من التمويل إلى المواجهة

كان مشروع السد العالي يمثل بالنسبة لقيادة ثورة يوليو حجر الأساس في مشروعها التنموي.

غير أن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي سحب تمويل المشروع كشف حدود الاعتماد على الإرادة الخارجية.

لم يكن الأمر مجرد خلاف مالي، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة التي تتمسك باستقلال قرارها قد تُحرم من أدوات التنمية.

لكن الرد المصري لم يأتِ في صورة احتجاج دبلوماسي، بل جاء في قرار غيّر وجه المنطقة.

ففي مساء السادس والعشرين من يوليو 1956، وقف الرئيس جمال عبد الناصر في مدينة الإسكندرية، وأعلن أمام الجماهير قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، لتصبح شركة مساهمة مصرية تتبع الدولة، وتُستخدم إيراداتها في تمويل بناء السد العالي.

كان القرار شديد الوضوح، لكنه حمل في طياته رسالة أعمق بكثير: أن السيادة لا تُجزأ، وأن موارد الوطن يجب أن تُسخر لبناء الوطن.

قرار تجاوز حدود الاقتصاد

ظاهرياً، بدا التأميم قراراً اقتصادياً يتعلق بإدارة شركة.

لكن في جوهره كان قراراً سياسياً واستراتيجياً بامتياز.

فقد أعلنت مصر أنها لن تسمح بعد اليوم بأن تبقى أهم منشآتها الاستراتيجية خارج سيادتها، وأن زمن الامتيازات الأجنبية التي فرضتها عصور الضعف قد انتهى.

ولم يكن التأميم موجهاً ضد شعب أو دولة بعينها، وإنما ضد نظام دولي كان يمنح القوى الاستعمارية حق التحكم في مقدرات الشعوب، ويعتبر ذلك أمراً طبيعياً.

ولهذا، تجاوز صدى القرار حدود مصر سريعاً، وأصبح مصدر إلهام للشعوب التي كانت تخوض معاركها ضد الاستعمار في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لقد رأت تلك الشعوب في القاهرة نموذجاً لدولة صغيرة نسبياً في ميزان القوى، لكنها امتلكت الشجاعة لتقول: إن ثرواتنا لنا، وإن قرارنا الوطني ليس معروضاً للبيع.

العدوان الثلاثي… محاولة كسر الإرادة

لم يمر قرار التأميم دون رد.

ففي أكتوبر 1956 شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدواناً عسكرياً مشتركاً على مصر، في محاولة لإسقاط النظام الجديد، واستعادة السيطرة على القناة، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

كانت الخطة تقوم على خلق ذريعة للتدخل العسكري، تبدأ بهجوم إسرائيلي على سيناء، يعقبه إنذار بريطاني فرنسي للطرفين، ثم تدخل مباشر بحجة حماية الملاحة الدولية.

لكن ما بدا عملية عسكرية محسوبة تحول إلى أزمة دولية كبرى.

فقد واجه المصريون العدوان بمقاومة عسكرية وشعبية، بينما تحركت الدبلوماسية المصرية على الساحة الدولية بكفاءة، واستفادت من تعقيدات الحرب الباردة، لتجد القوى المعتدية نفسها تحت ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة.

وفي نهاية المطاف، اضطرت القوات المعتدية إلى الانسحاب، وبقيت قناة السويس تحت السيادة المصرية.

الانتصار الذي تجاوز ساحة المعركة

من الناحية العسكرية، تكبدت مصر خسائر، ولم تكن موازين القوة التقليدية في صالحها.

لكن التاريخ لا يُكتب بالمدافع وحدها.

فالنتيجة السياسية للعدوان كانت مختلفة تماماً، إذ خرجت مصر محتفظة بالقناة، بينما فقدت بريطانيا وفرنسا جزءاً كبيراً من هيبتهما الدولية، وبدأ العالم يشهد أفول عصر الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية.

أما جمال عبد الناصر، فقد تحول إلى رمز عالمي للتحرر الوطني، واكتسبت مصر مكانة سياسية تجاوزت كثيراً حجمها الاقتصادي والعسكري آنذاك.

لقد انتصرت الإرادة الوطنية، وأثبتت أن الشعوب التي تمتلك الشرعية الداخلية، وتعرف كيف تدير معاركها السياسية والدبلوماسية، تستطيع أن تغير موازين القوى، حتى في مواجهة قوى تفوقها عسكرياً.

قناة السويس… من ممر عالمي إلى ركيزة للاقتصاد الوطني

بعد التأميم، أصبحت عائدات القناة تدخل إلى الخزانة المصرية، وتسهم في تمويل مشروعات التنمية الكبرى.

ولم يعد هذا المرفق الحيوي مجرد ممر دولي، بل تحول إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، ومصدر رئيس للعملة الأجنبية.

ومع تعاقب العقود، استمرت القناة في أداء دورها الاستراتيجي، حتى أصبحت اليوم أحد أهم شرايين التجارة العالمية، يمر عبرها ما يقارب 12% من حجم التجارة البحرية الدولية، وتُعد من أبرز مصادر الدخل القومي المصري.

كما شهدت القناة خلال العقود الأخيرة عمليات تطوير وتوسعة متواصلة، كان أبرزها مشروع قناة السويس الجديدة، بما يعكس استمرار الرؤية التي تعتبر هذا الممر أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية لمصر.

السيادة ليست شعاراً

تكشف تجربة تأميم قناة السويس حقيقة كثيراً ما تغيب وسط الشعارات السياسية، وهي أن السيادة لا تُقاس فقط برفع العلم فوق الأرض، وإنما بامتلاك القرار الاقتصادي، وإدارة الموارد الوطنية، والقدرة على حماية المصالح الاستراتيجية للدولة.

فالدولة التي تترك مرافقها الحيوية لإرادة الآخرين قد تمتلك حدوداً معترفاً بها، لكنها لا تمتلك سيادة كاملة.

ومن هنا، أصبح التأميم في الفكر السياسي المصري والعربي رمزاً لاسترداد القرار الوطني، لا مجرد نقل ملكية شركة.

درس استراتيجي للأجيال

وبعد مرور سبعين عاماً تقريباً على ذلك القرار، ما تزال دلالاته حاضرة.

فالعالم اليوم يشهد صراعات جديدة على الموانئ، والممرات البحرية، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والموارد الطبيعية.

ولذلك، فإن تجربة قناة السويس تؤكد أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع القوة، وإنما حسن إدارة هذا الموقع، وتحويله إلى عنصر من عناصر النفوذ الوطني.

لقد كانت مصر تمتلك القناة جغرافياً منذ نشأتها، لكنها امتلكتها سياسياً واقتصادياً فقط يوم قررت أن تكون صاحبة القرار فيها.

وهذا هو الدرس الذي يتجاوز حدود التاريخ، فالأمم لا تحميها الجغرافيا وحدها، بل الإرادة التي تعرف كيف توظف هذه الجغرافيا في خدمة مصالحها.

إرث لا يزال حياً

لم يكن تأميم قناة السويس نهاية معركة، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة المصرية.

فقد أثبت أن الاستقلال الحقيقي يحتاج إلى شجاعة القرار، وأن التنمية تحتاج إلى موارد وطنية، وأن الشعوب التي تثق بنفسها تستطيع أن تواجه ضغوط القوى الكبرى دون أن تتخلى عن حقوقها.

ولهذا بقيت قناة السويس، في الوعي المصري والعربي، أكثر من ممر مائي.

إنها شاهد على لحظة قالت فيها أمة كاملة للعالم: إن السيادة ليست امتيازاً تمنحه القوى الكبرى، بل حق أصيل تنتزعه الشعوب بإرادتها، وتحميه بوحدتها، وتثبته بقدرتها على تحويل القرار الوطني إلى واقع لا رجعة فيه.

ثورة يوليو والعالم العربي… حين أصبحت القاهرة عاصمة التحرر وضمير الأمة

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو حدثاً مصرياً محضاً، ولم يتوقف أثرها عند حدود الدولة التي انطلقت منها.

فمنذ سنواتها الأولى، تجاوزت الثورة الإطار الوطني، لتتحول إلى مشروع عربي واسع، وإلى إحدى أهم حركات التحرر في القرن العشرين، حتى غدت القاهرة قبلةً للمناضلين، وعنواناً للأمل، ومنبراً تتجه إليه الشعوب الباحثة عن الاستقلال والكرامة.

لقد كانت مصر قبل يوليو دولة ذات ثقل تاريخي وثقافي، لكنها بعد الثورة أصبحت دولة صاحبة مشروع ورسالة.

ولم يكن هذا التحول نتيجة القوة العسكرية وحدها، ولا بسبب الموقع الجغرافي فحسب، بل لأنه ارتبط برؤية سياسية رأت أن استقلال مصر لا يكتمل ما لم يتحرر محيطها العربي من الاستعمار والتبعية.

ومن هنا، لم تنظر القيادة المصرية إلى الأمن القومي باعتباره حدوداً مرسومة على الخرائط، وإنما بوصفه دائرة حضارية وسياسية تبدأ من مصر وتمتد إلى العالم العربي وإفريقيا.

القاهرة… العاصمة التي تجاوزت حدودها

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم تكن القاهرة مجرد عاصمة لمصر، بل أصبحت عاصمة سياسية للعرب جميعاً.

كانت الوفود تأتي إليها من كل الأقطار، وكانت إذاعتها تصل إلى كل بيت عربي، وكانت صحافتها تناقش قضايا الأمة باعتبارها شؤوناً وطنية لا ملفات خارجية.

ولأول مرة منذ عقود طويلة، شعر ملايين العرب أن هناك دولة تتحدث بلغتهم السياسية، وتدافع عن قضاياهم، وتمنحهم شعوراً بأنهم ينتمون إلى فضاء عربي واحد، مهما اختلفت حدود الدول.

لقد تحولت القاهرة إلى مركز للحوار، وملتقى للمثقفين، وموئل للسياسيين، ومقر لحركات التحرر، حتى غدت في الوعي العربي عاصمةً تتجاوز معناها الإداري إلى معنى رمزي أوسع.

الجزائر… الثورة التي وجدت في مصر سنداً

كان دعم الثورة الجزائرية أحد أبرز تجليات المشروع القومي لثورة يوليو.

فحين اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954 ضد الاحتلال الفرنسي، لم تكتفِ مصر بإعلان التضامن السياسي، بل قدمت أشكالاً متعددة من الدعم الدبلوماسي والإعلامي والعسكري.

واحتضنت القاهرة قادة جبهة التحرير الوطني، وفتحت لهم أبواب الإعلام العربي والدولي، وأسهمت في نقل القضية الجزائرية إلى الأمم المتحدة والمحافل الدولية.

وكانت إذاعة “صوت العرب” تنقل أخبار الثورة يومياً، لتصبح صوتاً للمقاومة، لا داخل الجزائر فقط، بل في مختلف أنحاء العالم العربي.

ولم يكن هذا الدعم بلا ثمن، فقد زاد من حدة التوتر بين مصر وفرنسا، وأسهم في تعقيد العلاقات بين البلدين، وكان أحد العوامل التي دفعت باريس للمشاركة في العدوان الثلاثي عام 1956.

لكن الثورة المصرية كانت ترى أن استقلال الجزائر ليس شأناً جزائرياً فحسب، بل خطوة في معركة تحرير الأمة كلها.

وحين نالت الجزائر استقلالها عام 1962، كان ذلك انتصاراً للجزائريين أولاً، لكنه كان أيضاً انتصاراً للفكرة التي حملتها يوليو: أن الاستعمار مهما طال عمره، فإنه إلى زوال.

اليمن… الجمهورية التي امتزجت بدماء المصريين

وفي جنوب الجزيرة العربية، وجدت ثورة يوليو نفسها أمام معركة من نوع آخر.

ففي السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، اندلعت الثورة اليمنية ضد نظام الإمامة، وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية.

ورأت القاهرة في تلك الثورة امتداداً طبيعياً لمشروعها التحرري، فقررت دعمها سياسياً وعسكرياً.

دخلت القوات المصرية اليمن، وخاضت معارك قاسية في تضاريس شديدة الصعوبة، وقدمت آلاف الشهداء دفاعاً عن النظام الجمهوري الوليد.

وقد اختلفت التقييمات التاريخية لهذه المشاركة، فهناك من رأى أنها استنزفت قدرات مصر، وأسهمت في إنهاك الجيش قبل حرب يونيو 1967، بينما رأى آخرون أنها كانت ضرورة استراتيجية لحماية البحر الأحمر، ومنع عودة الأنظمة التقليدية المعادية للمشروع الجمهوري.

لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها أن الدم المصري امتزج بالدم اليمني دفاعاً عن فكرة الجمهورية، وأن العلاقة بين البلدين لم تُبنَ فقط على المصالح السياسية، بل أيضاً على تضحيات إنسانية مشتركة.

ولهذا، بقيت ثورة سبتمبر في اليمن وثورة يوليو في مصر ترتبطان في الذاكرة التاريخية بخيط واحد، هو الانتقال من الحكم الوراثي المغلق إلى الدولة الجمهورية الحديثة.

تحرير جنوب اليمن… حين امتد المشروع القومي إلى عدن

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو تنظر إلى اليمن بوصفه ساحةً جغرافية بعيدة عن مصر، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومي العربي، وبوابةً استراتيجية تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الممتدة من البحر الأحمر إلى باب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي.

ومن هذا المنطلق، لم يقتصر الحضور المصري في اليمن على دعم ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 في شمال البلاد، بل امتد أثره إلى جنوب اليمن الخاضع آنذاك للاستعمار البريطاني، حيث كانت عدن تمثل إحدى أهم القواعد العسكرية البريطانية شرق السويس، ورمزاً لاستمرار النفوذ الاستعماري في المنطقة العربية.

أدركت القيادة المصرية أن بقاء الاحتلال البريطاني في عدن يعني بقاء تهديد مباشر للأمن العربي، واستمرار السيطرة الأجنبية على واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.

ولذلك، تحولت القاهرة خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين إلى مركز سياسي وإعلامي داعم لحركات التحرر الوطني في الجنوب اليمني.

ومن إذاعة «صوت العرب»، انطلقت الرسائل اليومية التي خاطبت أبناء الجنوب، وعززت ثقافة التحرر والاستقلال، وأسهمت في رفع الوعي الوطني ومساندة القوى المناهضة للاستعمار.

كما فتحت مصر أبوابها لعدد من القيادات الوطنية اليمنية، وقدمت لها الدعم السياسي والإعلامي، وساعدت في إيصال قضية الجنوب اليمني إلى المحافل العربية والدولية.

ولم يكن الدعم المصري إعلامياً وسياسياً فحسب، بل شمل كذلك أشكالاً متعددة من التدريب والمساندة اللوجستية، في إطار السياسة المصرية الداعمة لحركات التحرر العربية والإفريقية، والتي كانت ترى أن إنهاء الاستعمار البريطاني من عدن يمثل خطوةً ضرورية لاستكمال تحرير الوطن العربي من الوجود الاستعماري.

وقد تزامنت هذه الجهود مع تصاعد الكفاح المسلح الذي قادته القوى الوطنية في الجنوب، وعلى رأسها جبهة التحرير الوطنية والجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، حتى اضطرت بريطانيا، بعد أكثر من 129 عاماً من وجودها في عدن، إلى إعلان انسحابها، ليُرفع علم الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر عام 1967، وتولد دولة مستقلة لأول مرة في جنوب اليمن.

ورغم أن استقلال الجنوب جاء في مرحلة كانت مصر تمر فيها بواحدة من أصعب محطاتها عقب نكسة يونيو 1967، فإن البصمة المصرية في دعم حركة التحرر بقيت حاضرة في الذاكرة اليمنية والعربية، باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع تبنته ثورة يوليو لمساندة الشعوب العربية في نيل استقلالها.

ومن منظور استراتيجي، لم يكن تحرير جنوب اليمن مجرد انتصار وطني لليمنيين، بل كان تحوّلاً في ميزان القوى الإقليمي، إذ أدى إلى إنهاء واحدة من أهم القواعد العسكرية البريطانية في المنطقة، وعزز الوجود العربي على ضفاف باب المندب، وأكد أن الأمن القومي المصري والعربي يبدأ من السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية وحمايتها من الهيمنة الأجنبية.

لقد آمنت ثورة يوليو بأن البحر الأحمر ليس مجرد حدود مائية، بل فضاءٌ استراتيجي واحد، وأن أمن قناة السويس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن باب المندب وخليج عدن. ومن هنا، جاءت السياسة المصرية تجاه اليمن جزءاً من رؤية متكاملة تعتبر أن حماية المشرق العربي والجزيرة العربية والبحر الأحمر تشكل معاً منظومة واحدة لا تقبل التجزئة.

واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الأحداث، تبدو هذه الرؤية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فالتحديات التي يشهدها البحر الأحمر وباب المندب تؤكد أن ما أدركته القاهرة في ستينيات القرن الماضي لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل قراءة استراتيجية بعيدة المدى أثبتت الوقائع اللاحقة وجاهتها.

وهكذا، لم يكن الدور المصري في اليمن مجرد تدخل ظرفي فرضته ظروف مرحلة معينة، بل كان امتداداً طبيعياً لفلسفة ثورة يوليو التي ربطت بين استقلال مصر واستقلال محيطها العربي، وبين أمن وادي النيل وأمن البحر الأحمر، وبين تحرير الأرض وصيانة الهوية العربية. ومن هذا المنظور، أصبح دعم تحرير جنوب اليمن جزءاً من مشروع قومي أوسع، آمن بأن حرية الأوطان العربية لا تتجزأ، وأن سقوط آخر قواعد الاستعمار في عدن كان انتصاراً لليمن، ولمصر، وللأمة العربية بأسرها.

فلسطين… القضية التي لم تغب عن المشروع

لم تكن فلسطين بالنسبة لثورة يوليو مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل كانت جزءاً من هوية المشروع نفسه.

فالهزيمة العربية في حرب 1948 كانت من أهم الأسباب التي دفعت مجموعة الضباط الأحرار إلى مراجعة واقع الدولة المصرية، وإدراك أن الفساد الداخلي والتبعية الخارجية يقودان إلى الهزيمة.

ولهذا، ارتبطت القضية الفلسطينية في فكر يوليو بمعركة التحرر العربي الشاملة.

دعمت مصر الشعب الفلسطيني سياسياً وعسكرياً، ورفضت أي مشاريع تستهدف تصفية القضية أو فرض حلول تنتقص من الحقوق العربية.

وأصبحت فلسطين حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي، بوصفها قضية الأمة المركزية.

صحيح أن حرب يونيو 1967 مثلت انتكاسة كبيرة، وأدت إلى احتلال أراضٍ عربية واسعة، لكن مصر لم تتخل عن التزامها، بل بدأت مباشرة حرب الاستنزاف، ثم إعادة بناء القوات المسلحة، تمهيداً لمعركة أكتوبر التي أعادت الثقة إلى الأمة والجيش والدولة.

إفريقيا… امتداد طبيعي للدور المصري

لم يقتصر حضور يوليو على العالم العربي.

فقد أدركت مصر مبكراً أن القارة الإفريقية تمثل عمقها الاستراتيجي، وأن مواجهة الاستعمار لا تتجزأ.

ولهذا دعمت حركات التحرر في غانا وكينيا والكونغو وأنغولا وموزمبيق وغيرها، واستقبلت القاهرة عشرات القادة الأفارقة الذين أصبح كثير منهم لاحقاً رؤساء لدول مستقلة.

كما أسهمت مصر في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، وشاركت بفاعلية في دعم استقلال الدول الإفريقية وإنهاء أنظمة الفصل العنصري والاستعمار.

وبذلك، أصبحت القاهرة جسراً يربط بين العروبة وإفريقيا، وبين البحر المتوسط وعمق القارة السمراء.

صوت العرب… حين أصبحت الكلمة سلاحاً

إذا كان الجيش أحد أدوات القوة في مشروع يوليو، فإن الإعلام كان أداته الأخرى.

ولم يكن تأثير إذاعة “صوت العرب” نابعاً من قوتها التقنية، بل من قدرتها على مخاطبة وجدان الملايين.

كانت تبث خطابات عبد الناصر، وتنقل أخبار الثورات، وتدافع عن قضايا التحرر، حتى أصبحت الإذاعة الأكثر تأثيراً في العالم العربي خلال تلك المرحلة.

لقد أدركت الثورة أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السلاح، وأن تحرير الإنسان يبدأ بتحرير عقله من الخوف واليأس والتبعية.

ورغم أن الخطاب الإعلامي آنذاك لم يخلُ من المبالغة أو التعبئة السياسية، فإنه نجح في خلق حالة وجدانية عربية غير مسبوقة، جعلت المواطن في الرباط أو بغداد أو صنعاء أو الخرطوم يشعر بأن ما يجري في القاهرة يعنيه شخصياً.

بين الحلم والواقع

غير أن المشروع القومي العربي واجه تحديات جسيمة.

فقد اصطدم باختلاف الأنظمة، وتباين المصالح، والصراعات الإقليمية، والتدخلات الدولية، كما تعرض لانتكاسات كبرى، كان أبرزها هزيمة يونيو 1967.

وأظهرت التجربة أن بناء وحدة عربية حقيقية يحتاج إلى مؤسسات راسخة، وتدرج سياسي، وتوافق بين الدول، لا إلى الحماسة وحدها.

ومع ذلك، فإن إخفاق بعض الأهداف لا ينفي القيمة التاريخية للمشروع.

فقد أعاد الاعتبار لفكرة التضامن العربي، ورسخ مفهوم الأمن القومي العربي، وأثبت أن قضايا الدول العربية مترابطة، وأن استقرار أي دولة لا ينفصل عن استقرار محيطها.

الدرس الاستراتيجي

تكشف تجربة يوليو أن الدولة الكبيرة لا تُقاس فقط بمساحتها أو عدد سكانها، بل بقدرتها على إنتاج الأفكار، وصياغة المبادرات، والتأثير في محيطها.

لقد امتلكت مصر في تلك المرحلة مشروعاً واضحاً، ولذلك امتلكت تأثيراً تجاوز حدودها.

وقد يختلف الباحثون في تقييم بعض السياسات أو الوسائل، لكنهم يتفقون على أن القاهرة كانت خلال تلك الحقبة أحد أهم مراكز القرار السياسي في العالم النامي، وأن صوتها كان حاضراً في القضايا العربية والإفريقية والدولية.

ولهذا، فإن الإرث الحقيقي لثورة يوليو لا يتمثل فقط في ما أنجزته داخل مصر، وإنما أيضاً في قدرتها على تحويل الدولة المصرية إلى قوة إقليمية صاحبة رؤية، وإلى مركز جذب سياسي وفكري ألهم شعوباً كثيرة في معاركها من أجل الحرية والاستقلال.

عدم الانحياز… حين اختارت مصر استقلال القرار وصاغت مع العالم الثالث طريقاً ثالثاً

في منتصف القرن العشرين، لم يكن العالم يعيش مجرد تنافس سياسي بين دولتين عظميين، بل كان منقسماً إلى معسكرين متقابلين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والآخر يقوده الاتحاد السوفيتي. وكانت معظم دول العالم تجد نفسها مضطرة إلى الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بحيث يصبح القرار السياسي، والاقتصادي، والعسكري، مرهوناً بإرادة القوى الكبرى.

وفي خضم هذا الاستقطاب الحاد، برز سؤال جديد أمام الدول التي خرجت لتوها من الاستعمار:

هل الاستقلال الحقيقي يعني فقط خروج الجيوش الأجنبية، أم يعني أيضاً تحرير القرار الوطني من التبعية لأي قوة دولية؟

كان هذا السؤال في صميم رؤية ثورة يوليو.

فقد آمنت القيادة المصرية بأن الاستقلال لا يكتمل إذا استُبدلت تبعية بأخرى، وأن الدولة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة في صراعات القوى العظمى، بل إلى طرف مستقل يحدد سياساته وفق مصالحه الوطنية.

ومن هنا، لم يكن عدم الانحياز موقفاً دبلوماسياً عابراً، وإنما كان فلسفة سياسية كاملة، تقوم على استقلال القرار، وتعدد العلاقات، ورفض الارتهان لأي محور دولي.

العالم بعد الحرب العالمية الثانية

خرج العالم من الحرب العالمية الثانية بنظام دولي جديد.

انقسمت أوروبا إلى شرق وغرب، وبدأت الحرب الباردة، وتسابق الطرفان في بناء الأحلاف العسكرية، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحلف وارسو، كما ظهرت أحلاف إقليمية هدفت إلى توسيع النفوذ الدولي، ومن بينها حلف بغداد في الشرق الأوسط.

وكانت الدول المستقلة حديثاً تتعرض لضغوط هائلة للانضمام إلى أحد المعسكرين.

غير أن كثيراً من هذه الدول كانت قد خرجت لتوها من تجربة استعمارية مريرة، ولم تكن مستعدة للتخلي عن استقلالها السياسي بعد أن دفعت ثمنه تضحيات جسيمة.

وهنا، وجدت مصر نفسها أمام خيار تاريخي:

إما أن تصبح جزءاً من لعبة المحاور، أو أن تسعى إلى بناء سياسة خارجية مستقلة.

من باندونغ إلى بلغراد

بدأت ملامح هذا التوجه تتشكل في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا عام 1955، الذي جمع قادة دول آسيا وإفريقيا الخارجة من الاستعمار.

هناك، التقت رؤى خمسة من أبرز زعماء القرن العشرين:

• جمال عبد الناصر من مصر.

• جواهر لال نهرو من الهند.

• أحمد سوكارنو من إندونيسيا.

• جوزيف بروز تيتو من يوغوسلافيا.

• كوامي نكروما من غانا (الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز قادة الحركة).

كان الجامع بينهم بسيطاً وعميقاً في آن واحد:

أن شعوبهم لا تريد العودة إلى التبعية بأي صورة، وأن التنمية والاستقلال والسلام لا تتحقق إذا بقيت الدول الصغيرة ساحات لتصفية حسابات الكبار.

ومن هذا اللقاء بدأت تتبلور فكرة حركة عدم الانحياز، التي أُعلن عنها رسمياً في مؤتمر بلغراد عام 1961، لتصبح أحد أهم التكتلات السياسية في العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

مصر… الدولة التي رفضت الاصطفاف

لم تكن مصر محايدة بالمعنى السلبي للكلمة.

فقد أقامت علاقات مع الولايات المتحدة، كما أقامت علاقات واسعة مع الاتحاد السوفيتي، واستفادت من التعاون مع الطرفين، لكنها رفضت أن يتحول أي منهما إلى وصي على قرارها الوطني.

وعندما احتاجت إلى السلاح بعد رفض الغرب تزويدها به، عقدت صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955.

وعندما احتاجت إلى تمويل السد العالي، تفاوضت مع الجميع.

وحين رفض الغرب التمويل، لم تتراجع عن مشروعها، بل لجأت إلى تأميم قناة السويس.

وهكذا، كانت السياسة المصرية تقوم على مبدأ واضح:

نتعاون مع الجميع… لكننا لا نتبع أحداً.

استقلال القرار… لا عزلة الدولة

كثيراً ما يُساء فهم عدم الانحياز باعتباره انعزالاً عن العالم.

لكن التجربة المصرية أثبتت العكس.

فقد كانت القاهرة خلال تلك المرحلة واحدة من أكثر العواصم حضوراً في السياسة الدولية.

استقبلت القادة، وشاركت في المؤتمرات، وأسهمت في الوساطات، وأصبحت صوتاً مسموعاً للدول النامية داخل الأمم المتحدة.

لقد كانت مصر منخرطة في العالم، لكنها لم تكن تابعة له.

وهذا هو الفارق الجوهري بين الاستقلال والعزلة.

فالاستقلال يعني حرية اتخاذ القرار، أما العزلة فتعني الانسحاب من التأثير.

وقد اختارت مصر التأثير.

صوت العالم الثالث

مع توسع حركة عدم الانحياز، أصبحت مصر إحدى الدول الأكثر تأثيراً داخل ما عُرف آنذاك بالعالم الثالث.

وكان المقصود بهذا المصطلح الدول التي لم تنضم إلى أي من المعسكرين، وسعت إلى بناء طريقها الخاص في التنمية والسياسة.

وأصبحت القاهرة منبراً للدفاع عن:

• حق الشعوب في تقرير مصيرها.

• إنهاء الاستعمار.

• رفض العنصرية.

• دعم التنمية في الدول الفقيرة.

• إصلاح النظام الاقتصادي الدولي.

• احترام سيادة الدول.

ولم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي، بل تحول إلى مواقف عملية في إفريقيا وآسيا والعالم العربي.

بين المبادئ والمصالح

لم تكن السياسة الخارجية المصرية مثالية دائماً.

فقد فرضت ضرورات الأمن القومي أحياناً تحالفات مؤقتة، كما أن ظروف الحرب الباردة دفعت مصر في بعض المراحل إلى توثيق تعاونها مع الاتحاد السوفيتي، خاصة في مجالات التسليح والصناعة.

غير أن ذلك لم يحولها إلى دولة تدور بالكامل في الفلك السوفيتي.

فقد احتفظت بهامش واسع من الاستقلال، ورفضت أن تصبح قاعدة لأي قوة أجنبية.

وهذا ما منح سياستها الخارجية قدراً كبيراً من المصداقية لدى كثير من دول آسيا وإفريقيا.

مدرسة جديدة في العلاقات الدولية

يمكن القول إن ثورة يوليو لم تؤسس فقط نظاماً سياسياً جديداً داخل مصر، بل أسهمت أيضاً في صياغة مدرسة جديدة في السياسة الخارجية.

مدرسة تقوم على أن الدولة المتوسطة تستطيع أن تمتلك تأثيراً عالمياً إذا امتلكت رؤية واضحة، ومشروعاً وطنياً، وإرادة مستقلة.

ولم يكن النفوذ المصري في تلك المرحلة قائماً على التفوق الاقتصادي أو العسكري وحده، بل على قوة الفكرة.

لقد كانت القاهرة تتحدث باسم شعوب خرجت من الاستعمار، وتبحث عن مكان عادل في النظام الدولي.

ولهذا، اكتسب صوتها احتراماً تجاوز إمكاناتها المادية.

الدرس الذي لا يزال حياً

ورغم تغير العالم، وانتهاء الحرب الباردة، فإن الفكرة الأساسية التي قامت عليها حركة عدم الانحياز ما تزال تحتفظ بقيمتها.

فاليوم، يشهد العالم أشكالاً جديدة من الاستقطاب، وصراعات على التكنولوجيا، والطاقة، والممرات البحرية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد.

وفي مثل هذا العالم، يصبح استقلال القرار الوطني أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فالدول التي تبني سياساتها على مصالحها الوطنية، وتوازن علاقاتها الدولية بحكمة، تكون أكثر قدرة على حماية أمنها وتحقيق تنميتها.

أما الدول التي تجعل قرارها رهينة لمحور واحد، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على المناورة، وتصبح أكثر عرضة للضغوط.

وهذا هو الدرس الاستراتيجي الأهم الذي تركته تجربة يوليو في السياسة الخارجية.

إرث يتجاوز زمن الحرب الباردة

لم تكن حركة عدم الانحياز مجرد تحالف بين دول نامية، بل كانت محاولة لإعادة تعريف العلاقات الدولية على أساس أكثر عدالة.

وقد لا تكون الحركة اليوم بالقوة نفسها التي كانت عليها في ستينيات القرن الماضي، لكن المبادئ التي قامت عليها ما تزال حاضرة:

أن سيادة الدول ليست قابلة للمساومة.

وأن التنمية حق وليست امتيازاً.

وأن احترام استقلال الشعوب أساس للاستقرار العالمي.

وأن التوازن في العلاقات الدولية أكثر استدامة من التبعية.

لقد أثبتت مصر، في تلك المرحلة، أن الدولة التي تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً تستطيع أن تتحول من دولة تتلقى السياسات إلى دولة تشارك في صناعتها.

ولعل هذا هو أعظم إنجازات مدرسة يوليو في السياسة الخارجية، أنها منحت مصر مكانة لا تقوم على القوة المجردة، بل على استقلال القرار، واحترام الذات الوطنية، والإيمان بأن الدول الكبيرة تُقاس أولاً بقدرتها على الدفاع عن مصالحها، لا بحجم ما تملكه من السلاح.

الخلاصة:

ثورة يوليو… مشروع دولةٍ ما زال يصنع التاريخ

ليست ثورة الثالث والعشرين من يوليو مجرد حدثٍ وقع في منتصف القرن العشرين، ولا مجرد انتقال للسلطة من نظام ملكي إلى نظام جمهوري، وإنما كانت لحظةً تأسيسية أعادت تعريف الدولة المصرية، وأعادت رسم موقعها في محيطها العربي والإفريقي والدولي.

لقد حاولت هذة الدراسة أن تقرأ الثورة بعيداً عن منطق التقديس أو الإدانة، وأن تتعامل معها بوصفها تجربة دولة، لا مجرد تجربة سلطة، تجربةٍ صنعت تحولات كبرى، وواجهت تحديات هائلة، وحققت إنجازات تاريخية، ولم تخلُ في الوقت نفسه من أخطاء وإخفاقات فرضت نفسها على مسارها.

لقد رأينا كيف انتقلت مصر، بعد يوليو، من دولةٍ كانت سيادتها منقوصة، إلى دولةٍ تسعى لامتلاك قرارها الوطني، وكيف تحولت قناة السويس من رمزٍ للامتيازات الأجنبية إلى رمزٍ للسيادة الوطنية، وكيف أصبح السد العالي عنواناً لقدرة الإرادة السياسية على تحويل الأحلام إلى مشروعات تغير الجغرافيا والاقتصاد معاً.

وتوقفنا أمام الإصلاح الزراعي الذي أعاد الاعتبار للفلاح المصري، وأمام مجانية التعليم التي فتحت الجامعات أمام أبناء العمال والفلاحين، وأمام مشروع التصنيع الذي حاول أن يضع الاقتصاد المصري على طريق الإنتاج، وأمام بناء جيش وطني أعيد تشكيله بعد هزيمة يونيو ليصبح قادراً على استعادة الأرض والكرامة.

كما استعرضنا الدور العربي للثورة، حين تحولت القاهرة إلى عاصمة لحركات التحرر، تدعم الجزائر، وتساند الجمهورية في اليمن، وتسهم في تحرير جنوبه من الاستعمار البريطاني، وتضع فلسطين في قلب مشروعها السياسي، وتشارك في تأسيس حركة عدم الانحياز، لتصبح مصر لاعباً دولياً يتجاوز حدود إمكاناته المادية.

وفي المقابل، لم تتجاهل هذة الدراسة الأسئلة التي طرحتها التجربة، أسئلة الديمقراطية، وتوازن السلطات، والحريات العامة، وإدارة الدولة، وحدود العلاقة بين الثورة والمؤسسات، وهي أسئلة لا تقل أهمية عن الإنجازات نفسها، لأن الأمم العظيمة لا تتقدم بتمجيد تاريخها وحده، وإنما بقراءته قراءةً نقديةً واعية تستخلص منه الدروس.

إن القيمة الحقيقية لثورة يوليو لا تكمن في أنها أنشأت مصانع أو شقت طرقاً أو أصدرت قوانين فحسب، بل في أنها أعادت تشكيل الوعي الوطني، ورسخت لدى المصريين والعرب فكرة أن الاستقلال ليس شعاراً، بل مشروع بناء، وأن السيادة لا تتحقق بالخطابات، وإنما بامتلاك القرار والاقتصاد والعلم والقوة.

ولعل أعظم ما تركته يوليو هو فكرة الدولة نفسها، الدولة التي لا تكون رهينة للخارج، ولا أسيرة للإقطاع أو الاحتكار، ولا عاجزة عن حماية حدودها أو الدفاع عن مصالحها، بل دولة تستند إلى مؤسسات، وجيش وطني، وتنمية، وعدالة اجتماعية، وهو المفهوم الذي ما زال يمثل أساس أي مشروع وطني جاد في الحاضر والمستقبل.

واليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، تبدو المنطقة العربية وكأنها تعيد طرح الأسئلة ذاتها، ولكن في ظروف أكثر تعقيداً، صراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وإرهاب، وحروب معلومات، وثورة رقمية، وذكاء اصطناعي، وتنافس على الممرات البحرية والموارد، ومحاولات مستمرة لإعادة رسم خرائط النفوذ.

وفي خضم هذه التحولات، تستعيد مبادئ يوليو معناها الأعمق: أن قوة الدولة تبدأ من وحدتها الداخلية، وأن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً، بل شرطاً للاستقرار، وأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي في المستقبل، وأن الجيش الوطني هو صمام أمان الدولة، وأن الأمن القومي لا يُختزل في الحدود، بل يمتد إلى دوائر الانتماء العربي والإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل.

ولذلك، فإن الوفاء الحقيقي لثورة يوليو لا يكون بتكرار شعاراتها، ولا بالعيش في زمنها، وإنما بفهم روحها، روح بناء الدولة، واستقلال القرار، والانحياز للمواطن، والإيمان بأن الأوطان القوية تُبنى بالعلم والعمل والمؤسسات، لا بالشعارات وحدها.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم قد تتعرض للهزائم، لكنها لا تنهزم ما دامت تمتلك إرادة النهوض، وأن الدول قد تمر بأزمات، لكنها تبقى ما بقيت مؤسساتها الوطنية قادرة على حماية وحدتها وسيادتها.

ولهذا، ستظل ثورة الثالث والعشرين من يوليو علامةً فارقة في التاريخ المصري والعربي، ليس لأنها أنهت عهداً سياسياً فحسب، بل لأنها دشنت عصراً جديداً أعاد للمصريين ثقتهم بوطنهم، وللعرب إيمانهم بإمكان التحرر، ولشعوب العالم الثالث قناعةً بأن الاستقلال ليس حلماً مستحيلاً.

لقد كانت يوليو ثورةً للدولة قبل أن تكون ثورةً للسلطة، وثورةً للإنسان قبل أن تكون ثورةً للمؤسسات، وثورةً للمستقبل قبل أن تكون حدثاً من الماضي.

ولهذا، فإنها ستبقى حاضرةً في ذاكرة الأمة، لا باعتبارها صفحةً أغلقت، بل باعتبارها مشروعاً تاريخياً مفتوحاً، تتجدد أسئلته كلما واجهت مصر تحدياً، وكلما احتاج العرب إلى استعادة معنى الدولة، والسيادة، والكرامة، والنهضة.

سلامٌ على مصر التي صنعت يوليو.

وسلامٌ على رجالها الذين آمنوا بأن الأوطان تُبنى بالإرادة قبل السلاح، وبالعمل قبل الشعارات.

وسلامٌ على كل جيل يحمل رسالة الدولة الوطنية، ويؤمن بأن الحرية والسيادة والعدالة ليست ميراثاً يُستهلك، بل مسؤولية تتجدد مع الزمن.

وهكذا، ستبقى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، في ميزان التاريخ، ليست مجرد ذكرى وطنية، بل أحد أهم المشاريع السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي غيّرت وجه مصر، وأعادت رسم ملامح الأمة العربية، وتركت أثراً سيظل حاضراً ما بقيت الدولة المصرية، وما بقيت فكرة الاستقلال والكرامة حيّةً في وجدان الشعوب.

مستشار الخارجية اليمنية السابق

Exit mobile version