مقالات

قراءة في أصالة دراسة مصرية عن دور المرأة السودانية في انتفاضة ديسمبر 2018 – الأسبوع

ليست كل الرسائل الجامعية مجرد محطة للحصول على درجة علمية، فبعضها يحاول أن يستعيد من بين ركام الأحداث أصواتًا كادت أن تضيع، وأن ينظر إلى التاريخ من زاوية لم تحظى بما يكفي من تسليط الضوء عليها.

ومن هذا النوع تأتي رسالة الباحث والصحفي المبدع خالد محمود، التي نال عنها درجة الماجستير بتقدير امتياز من قسم الأنثروبولوجيا بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، تحت عنوان: «دور المرأة السودانية في العملية السياسية السودانية: انتفاضة ديسمبر 2018 نموذجًا دراسة ميدانية في الأنثروبولوجيا السياسية».

والأهم في هذه الدراسة أنها لا تتعامل مع المرأة السودانية باعتبارها تفصيلًا إنسانيًا في مشهد سياسي كبير، وإنما تجعلها موضوعًا أصيلًا للبحث والتحليل، وتحاول أن تجيب عن سؤال أعمق: كيف صنعت المرأة السودانية موقعها في السياسة، وكيف تحولت مشاركتها في ديسمبر 2018 من مجرد حضور في الشارع إلى أحد مفاتيح فهم الانتفاضة ذاتها؟ هنا تحديدًا تكمن قيمة الدراسة.

فالثورات، في الروايات التقليدية، كثيرًا ما تُكتب بأسماء القادة والجنرالات والسياسيين، بينما يبقى الشارع مجرد خلفية، لكن الأنثروبولوجيا السياسية تنظر إلى الشارع بوصفه كائنًا اجتماعيًا حيًا، تبحث في الذاكرة والرموز والعلاقات وشبكات التضامن وفي التحولات التي تحدث داخل المجتمع قبل أن تظهر في البيانات السياسية. ومن هذه الزاوية، تبدو دراسة خالد محمود محاولة لكتابة التاريخ الاجتماعي لانتفاضة ديسمبر من بوابة المرأة.

من ديسمبر إلى ما قبل ديسمبر

تنطلق الدراسة من انتفاضة بدأت احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية في ديسمبر 2018، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة سياسية واسعة ضد نظام «الإنقاذ»، الذي حكم السودان منذ انقلاب 30 يونيو 1989 حتى سقوط عمر البشير في 11 أبريل 2019، غير أن الباحث لا يقع في فخ النظر إلى مشاركة المرأة باعتبارها ظاهرة ولدت فجأة في شوارع الخرطوم ومدن السودان في ديسمبر 2018، وهذه واحدة من أهم نقاط قوة الدراسة.

فالمرأة السودانية لم تدخل السياسة مع الانتفاضة، كانت هناك ذاكرة نسائية سياسية طويلة سبقتها، ومن هنا يعود البحث إلى طبقات أقدم من التاريخ السوداني، يستدعي فيها نماذج لنساء ارتبطن بالقيادة والمقاومة والحرب والحركة الاجتماعية، من شغبة المرغمابية ومهيرة بنت عبود ورابحة الكنانية، وصولًا إلى أدوار النساء في الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار، ثم الحركة النسائية الحديثة.

وبذلك يصبح ديسمبر 2018، في رؤية الدراسة، حلقة في سلسلة تاريخية، وليس لحظة منفصلة، وهذه النقطة بالذات تمنح البحث بعدًا أنثروبولوجيًا حقيقيًا، إذ لا ينظر إلى السلوك السياسي باعتباره رد فعل آنيًا على حدث سياسي، وإنما يبحث عن جذوره في الثقافة والذاكرة الجمعية وأنماط التنظيم الاجتماعي.

ثلاثون عامًا صنعت جيلًا جديدًا

ربما كان أكثر الأسئلة أهمية في الدراسة هو ذلك المتعلق بالجيل النسائي الذي خرج إلى الشوارع في ديسمبر 2018، فهذا الجيل لم يعش السودان القديم، بل ولد أو نشأ في ظل نظام الإنقاذ، ثلاثون عامًا من الحكم تركت آثارها في الوعي والسلوك والعلاقات الاجتماعية، لكنها أنتجت، على نحو متناقض، أجيالًا جديدة من النساء لم تعد تقبل الحدود التي حاول النظام رسمها للعمل العام.

ومن هنا تبحث الدراسة في العلاقة المعقدة بين القمع السياسي من جهة، وتراكم الوعي من جهة أخرى، فقد شهدت العقود الثلاثة صدامات متكررة بين النظام والنساء، من سياسات المجال العام إلى قوانين النظام العام، مرورًا بالجدل حول ملابس النساء، وانتهاءً بالعنف المرتبط بالحروب والنزاعات، ولا سيما في دارفور. وهذه الخبرات لم تختفِ بانتهاء لحظتها، بل تراكمت داخل الذاكرة الاجتماعية، وعندما جاءت انتفاضة ديسمبر، لم تكن المرأة السودانية تدخل الميدان من نقطة الصفر، وإنما دخلته وهي تحمل معها خبرة ثلاثة عقود من الاحتكاك بالدولة والمجتمع والقانون والشارع.

من «المرأة المشاركة» إلى «الكنداكة»

ولعل أجمل ما التقطته الدراسة هو التحول الرمزي الذي رافق مشاركة النساء، حيث لم تعد المرأة مجرد متظاهرة، بل أصبحت في المخيال الجمعي للانتفاضة «كنداكة»، وهنا تتجاوز الكلمة معناها السياسي المباشر لتستدعي ذاكرة أقدم بكثير من دولة السودان الحديثة.

فالكنداكة، في الذاكرة السودانية، ترتبط بملكات مملكة كوش، لتصبح المرأة الثائرة في ديسمبر 2018 امتدادًا رمزيًا لامرأة سودانية قديمة كانت صاحبة سلطة ومكانة وفعل تاريخي، وهكذا أعادت الانتفاضة إنتاج التاريخ في الشارع، كانت الهتافات حديثة، والمطالب سياسية واجتماعية واقتصادية، لكن الرمز كان آتيًا من أعماق التاريخ، فالمرأة التي تقف في الشارع في ديسمبر 2018 لم تكن ترى نفسها بالضرورة باعتبارها مجرد محتجة.

كان يمكن أن ترى في «الكنداكة» صورة أقدم للمرأة السودانية القادرة على الفعل والقيادة والمقاومة. ومن هنا يصبح مصطلح «ثورة الكنداكات» أكثر من شعار إعلامي، إنه مفتاح لفهم البعد الثقافي للانتفاضة.

بين الحركة النسائية القديمة والجيل الجديد

وتزداد الدراسة أهمية عندما تضع أمامنا سؤالًا بالغ الحساسية: هل كانت انتفاضة ديسمبر ثمرة للحركة النسائية السودانية التقليدية، أم أنها كانت إعلانًا عن ولادة جيل جديد تجاوز أطرها القديمة؟.

فالحركة النسائية السودانية تمتلك تاريخًا عريقًا، وكان الاتحاد النسائي السوداني الذي تأسس عام 1952 أحد أبرز تعبيراتها، وخاض معارك متصلة من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية للنساء، بما في ذلك حق التصويت والمشاركة البرلمانية والمساواة في الأجر.

لكن السودان الذي دخل ديسمبر 2018 لم يكن هو السودان الذي تأسس فيه الاتحاد النسائي، فقد ظهرت عشرات التنظيمات والمبادرات الجديدة، وتشكلت شبكات اجتماعية مختلفة، وتداخل النشاط السياسي مع المجتمع المدني والحركات الشبابية والمنصات الرقمية.

وهنا تكمن إحدى القضايا البحثية الأكثر إثارة التي تطرحها الرسالة:

أين تنتهي الحركة النسائية المنظمة وأين يبدأ الفعل النسائي العفوي؟ وهل كانت آلاف النساء اللاتي خرجن إلى الشوارع نتاجًا مباشرًا لوعي تنظيمي سابق، أم أن لحظة الثورة نفسها خلقت وعيًا جديدًا وتنظيمات جديدة؟ إنها ليست مسألة إجرائية صغيرة، بل سؤال عن كيفية صناعة الوعي السياسي داخل المجتمعات التي تمر بمرحلة تحول ثوري.

قوة الدراسة في ميدانها

إن من أهم ما يمنح البحث خصوصيته اعتماده على العمل الميداني، لا على السرد التاريخي أو مراجعة الأدبيات فقط، فقد اعتمد الباحث على منهج أنثروبولوجي كيفي، واستند إلى عينة من 200 امرأة ممن شاركن في الانتفاضة، بهدف استكشاف دوافع المشاركة وطبيعة الأدوار والعقبات والآليات التي استخدمتها النساء لتجاوزها، .

كما لجأ إلى استبيان مفتوح شمل 22 من المشاركات والمؤثرات في الانتفاضة، إلى جانب مقابلات نوعية مع نماذج نسائية ارتبطت بأدوار مختلفة داخل الحراك. وهنا تظهر قيمة العمل الميداني، لأن الباحث لا يتحدث عن النساء فقط، بل يحاول أن يسمع أصواتهن من داخل التجربة.

فشخصيات مثل عوضية كوكو، ولبنى محمد حسين، وغيرهما، لا تظهر في البحث كأسماء عابرة، وإنما بوصفها نوافذ لفهم أنماط مختلفة من الفعل النسائي: من العمل النقابي والمجتمعي إلى الاحتجاج على سياسات النظام تجاه المرأة، وصولًا إلى الثقافة والفن والأهازيج الشعبية التي أصبحت جزءًا من التعبئة الثورية. وهذا يوسع مفهوم السياسة نفسه.

فالسياسة هنا ليست فقط حزبًا أو برلمانًا أو بيانًا، قد تكون هتافًا، أغنية، شبكة اجتماعية، رابطة نسائية، موقفًا في الشارع، أو حتى مقاومة لقانون يمس الجسد والملبس والحرية الشخصية. وهذه، في جوهرها، إحدى أهم أفكار الأنثروبولوجيا السياسية.

ما الذي فعلته المرأة في الانتفاضة؟

لا تكتفي الدراسة بإثبات أن المرأة شاركت بكثافة، وإنما تحاول تفكيك طبيعة المشاركة. فقد كانت المرأة متظاهرة، ومنظمة، ومعبئة، وناشطة، ومقدمة للدعم اللوجستي والمعنوي، وفاعلة في شبكات التواصل، وصانعة للأغنية والهتاف، وحاضرة في المجال العام الذي حاول نظام الإنقاذ، لسنوات طويلة، ضبط حدوده، ومن هنا لا تعود المسألة مسألة كم امرأة شاركت؟ فقط.

السؤال الأهم يصبح: ماذا تغير في المجتمع عندما أصبحت المرأة طرفًا فاعلًا في لحظة سياسية حاسمة؟ وهذا التحول هو ما يجعل الدراسة تتجاوز الوصف إلى محاولة تفسير الظاهرة.

من الجسد المستهدف إلى الجسد المحتج

ربما يكون أكثر أبعاد الدراسة عمقًا هو ما يمكن تسميته «سياسة الجسد»، فعندما يصبح لباس المرأة موضوعًا للشرطة والقانون والعقوبة، فإن الجسد نفسه يتحول إلى ساحة سياسية.

وعندما تخرج المرأة بهذا الجسد ذاته إلى الشارع، وسط آلاف المحتجين، فإنها لا تحتج على الوضع الاقتصادي أو السياسي فحسب، وإنما تعيد تعريف علاقتها بالفضاء العام.

ومن هنا يمكن قراءة عدد من المواجهات التي سبقت الانتفاضة باعتبارها مقدمات اجتماعية وسياسية للمشاركة النسائية اللاحقة. فالمرأة التي خاضت معركة حول حقها في اختيار ملابسها، أو حول حضورها في المجال العام، أو حول العنف الواقع عليها، كانت تخوض في الوقت نفسه معركة أوسع حول حقها في أن تكون مواطنة كاملة الفعل.

صحفي يدخل المختبر الأنثروبولوجي

ومن اللافت في تجربة الباحث نفسه أنه صحفي اختار أن يدخل إلى عالم البحث الأنثروبولوجي، وأن ينقل أدوات المهنة الصحفية إلى مساحة أكاديمية أكثر صرامة، وهذا الجمع بين الصحافة والأنثروبولوجيا يمكن أن يكون مصدر قوة، إذا نجح في تحقيق التوازن بين عين الصحفي التي تبحث عن القصة، وعين الباحث التي تبحث عن التفسير، وفي هذه الرسالة يبدو واضحًا أن اختيار موضوع المرأة السودانية وانتفاضة ديسمبر لم يكن بحثًا عن حدث ساخن فحسب، بل محاولة لفهم مجتمع يتحرك من الداخل. فالسؤال لم يكن: لماذا خرجت النساء إلى الشارع؟ بل: أي تاريخ حملته هؤلاء النساء معهن إلى الشارع؟

السودان يُقرأ من نسائه

ربما يمكن النظر إلى هذه الرسالة أيضاً بوصفها محاولة لقراءة السودان من نافذة مختلفة، فالسودان ليس فقط تاريخ الانقلابات العسكرية، ولا الصراع بين المدنيين والعسكريين، ولا الحروب الأهلية، ولا النخب السياسية، فهناك سودان آخر يسكن في الذاكرة الشعبية، وفي القبيلة، وفي الأغنية، وفي الأسرة، وفي الأسواق، وفي الجامعات، وفي الأحياء، وفي شبكات النساء.

وعندما تخرج المرأة من هذه المساحات إلى الشارع، فإنها تحمل معها كل هذه الطبقات. لذلك فإن دراسة دور المرأة في انتفاضة ديسمبر لا تسلط الضوء على المرأة وحدها، بل إنها تساعد على إضاءة المجتمع السوداني نفسه.

أصالة تستحق التوقف

قيمة البحث، في تقديري، لا تكمن فقط في موضوعه، ولا في حصول صاحبه على درجة الماجستير بتقدير امتياز، والتوصية بنشر الدراسة في كافة الجامعات المصرية، وإنما في محاولة الجمع بين ثلاثة مستويات قلما تجتمع في دراسة واحدة بهذا الوضوح: التاريخ، والأنثروبولوجيا، والسياسة.

التاريخ الذي يستعيد جذور المشاركة النسائية، والأنثروبولوجيا التي تدخل إلى تفاصيل المجتمع والرموز والعلاقات والدوافع. والسياسة التي تبحث في معنى المشاركة ونتائجها وحدود تأثيرها.

كما أن اعتماد الدراسة على العمل الميداني والمقابلات والاستبيانات يمنحها قيمة توثيقية تتجاوز اللحظة السياسية التي تناولتها، إذ إن شهادات المشاركات أنفسهن تصبح، مع مرور الوقت، جزءًا من أرشيف الذاكرة الشفوية لثورة ديسمبر.. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن ذاكرة الثورات كثيرًا ما تكتبها النخب بعد انتهائها، بينما تحتاج المجتمعات إلى حفظ أصوات الذين كانوا في الشوارع.

لكن ربما يكون أجمل ما في الدراسة أنها لم تحاول أن تدّعي امتلاك الإجابة النهائية، فالثورة قد تفتح الباب أمام التمكين السياسي، لكنها لا تضمنه، والحضور الكبير في الشارع لا يتحول بالضرورة إلى تمثيل في مؤسسات الدولة، والمرأة التي تستطيع أن تكون في مقدمة المظاهرة قد تجد نفسها، بعد انتهاء الثورة، أمام البنى الاجتماعية والسياسية القديمة نفسها.

ومن هنا يبقى السؤال مفتوحًا:

هل استطاعت انتفاضة ديسمبر 2018 أن تحول المرأة السودانية من قوة احتجاجية إلى قوة سياسية مؤثرة ومستدامة؟

ذلك سؤال يتجاوز حدود الرسالة، وربما يتجاوز حدود اللحظة السودانية نفسها، فالثورات تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تضمن ما يحدث خلفها.

شهادة علمية في موضوع يتجاوز الشهادة

في النهاية، يمكن قراءة رسالة الباحث والصحفي المبدع خالد محمود باعتبارها أكثر من دراسة عن مشاركة النساء في انتفاضة سودانية، إنها محاولة لاستعادة الإنسان الموجود خلف الحدث السياسي، واستعادة المرأة الموجودة خلف صورة «الكنداكة»، واستعادة التاريخ الموجود خلف الهتاف.

وإذا كان الباحث قد بدأ من سؤال حول دور المرأة السودانية في العملية السياسية، فإنه انتهى، في جوهر بحثه، إلى سؤال أكبر عن كيفية تشكل الفعل السياسي داخل المجتمع، وكيف تتحول الذاكرة إلى قوة، وكيف يمكن لجيل جديد أن يرث تاريخًا طويلًا من المقاومة ثم يعيد إنتاجه بلغة جديدة.

ولعل أفضل ما يمكن أن تقوله هذه الرسالة في النهاية هو أن صورة المرأة السودانية وهي ترفع صوتها في شوارع الخرطوم لم تكن صورة عابرة من صور الثورة، كانت صورة تاريخ طويل قرر، للحظة، أن يظهر إلى العلن.

اقرأ أيضاًالمرأة السودانية وانتهاكات الدعم السريع

يوم المرأة العالمي.. آمال وتحديات

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts