«إذا لم يكن الله موجودًا فكل شيء مباح».. عبارة شهيرة ارتبطت بأدب دوستويفسكي، لكنها تتجاوز حدود الرواية لتصبح سؤالًا مفتوحًا أمام المجتمعات حين تتراجع منظومة القيم ويصبح المال وحده معيارًا للنجاح والمكانة
في كل صيف ينشغل المصريون بما يحدث في الساحل الشمالي وكأن مصر التي تمتد جذورها آلاف السنين اختزلت فجأة في موسم المصايف والحفلات وليالي الصيف وما تعرضه منصات التواصل من صور وفيديوهات لحياة تبدو بعيدة تمامًا عن حياة الأغلبية
الساحل لم يعد مجرد مكان لقضاء الإجازة وإنما تحول في الوعي العام إلى مسرح اجتماعي يعرض عليه التفاوت الطبقي بأعلى صوره
الساحل الشرير والساحل الطيب والساحل المجنون أسماء ساخرة أطلقها المصريون على مناطق مختلفة من الساحل في محاولة لفهم عالم جديد تبدو فيه الأسعار أحيانًا أقرب إلى الخيال
تذكرة دخول إلى شاطئ بمئات الدولارات وحفلة قد تصل تذكرة الأسرة فيها إلى مليون جنيه
وهنا لا تصبح القضية في أن هناك من يملك المال وينفقه كيف يشاء فهذه مسألة تخص أصحابها وإنما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل المجتمع هو كيف صنعت هذه الثروات وكيف تحققت ومن أين جاءت وهل تخضع في النهاية للقواعد نفسها التي يخضع لها ملايين المصريين وهل أصحابها يؤدون ما عليهم من ضرائب وحقوق للدولة أم أن المجتمع أصبح أمام ثروات ضخمة لا يعرف مصدرها ولا يعرف أصحابها إلا من خلال استعراضها
المشكلة ليست في أن يذهب إنسان إلى الساحل أو يقيم حفلة أو ينفق ماله
المشكلة في أن يتحول الاستعراض إلى ثقافة وأن يصبح إظهار الثروة هدفًا في ذاته وأن تتحول مواقع التواصل إلى نافذة يومية يطل منها مجتمع شديد الثراء على مجتمع آخر يكافح من أجل توفير احتياجاته الأساسية
وهنا يصبح الأمر أخطر من مجرد حفلة صاخبة
إنه اختبار للسلم الاجتماعي
فالمجتمعات لا تهتز فقط بسبب الفقر وإنما قد تهتز أيضًا حين يشعر الفقير أو الموظف أو العامل أو الشاب الذي يبحث عن فرصة عمل أن هناك عالمًا آخر يعيش إلى جواره لكنه لا يعرف كيف وصل إليه ولا لماذا أصبح بعيدًا عنه إلى هذا الحد
وفي المقابل هناك طبقة من أصحاب الأصول والثروات القديمة تذهب إلى الساحل وتقضي إجازاتها بعيدًا عن الضجيج والاستعراض
وهذه المفارقة تكشف شيئًا مهمًا
الثروة ليست دائمًا هي المشكلة وإنما طريقة التعامل معها
هناك من يملك المال فيراه شأنًا خاصًا وهناك من يملك المال فيراه مسرحًا لإثبات الذات وإذلال الآخرين اجتماعيًا
ومن هنا نصل إلى السؤال الأوسع
هل نحن أمام عودة غير معلنة إلى مجتمع الطبقات؟
التاريخ المصري يعرف هذه المسألة جيدًا
في عصر المماليك نشأ تقسيم اجتماعي وسياسي معقد بين أبناء البلاد وبين المماليك الذين أصبحوا أصحاب سلطة ونفوذ وكان تعبير أبناء الناس يستخدم في مواجهة من كانوا يُنسبون إلى طبقة المماليك
تغيرت الأسماء وتغير الزمن وتغيرت أدوات السلطة
لكن هل عاد المنطق نفسه في صورة جديدة؟
هل أصبح المجتمع اليوم يعرف أبناء الناس وأبناء الساحل وأبناء المال وأبناء النفوذ؟
لا يمكن بالطبع مقارنة مصر المعاصرة بمصر المملوكية بصورة حرفية فالتاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة لكن بعض الظواهر الاجتماعية قد تعيد إنتاج الفكرة نفسها بأشكال مختلفة
طبقة ترى نفسها فوق المجتمع وطبقة أخرى تراقبها من بعيد
طبقة تملك القدرة على صناعة نمط حياتها الخاص وطبقة لا تستطيع إلا أن تشاهد هذا النمط عبر شاشة الهاتف
وهنا تدخل الفلسفة من بابها الواسع
لماذا ينشغل الناس بما لا يعنيهم؟
لماذا يتابع الملايين أسعار الشواطئ والحفلات والسيارات والقصور والطائرات الخاصة؟
لأن الإنسان لا يقارن نفسه بالضرورة بمن هو أسوأ منه وإنما يقارن نفسه بمن يراه أفضل منه
ومنذ أن دخل الهاتف إلى كل بيت لم يعد الفقر يرى نفسه وحده
أصبح يشاهد الغنى لحظة بلحظة
وأصبح الشاب الذي يجلس في قرية أو مدينة بعيدة يرى حفلة بملايين الجنيهات وهو لا يعرف أحيانًا كيف سيدبر مستقبله
وهنا تتحول المقارنة من فضول إلى ضغط نفسي واجتماعي
لقد صنعت وسائل التواصل مجتمعًا يرى بعضه بعضًا طوال الوقت لكنه لا يعيش الظروف نفسها
ولهذا فإن السؤال ليس لماذا يهتم العامة بأخبار الساحل
السؤال لماذا أصبح الساحل قادرًا على احتلال هذا القدر من وعي الناس؟
ربما لأن الصورة تختصر المسافة بين عالمين
وربما لأن المصري البسيط لا يحسد فقط من يملك المال وإنما يريد أن يعرف كيف وصل إليه
وهذا سؤال مشروع وليس جريمة
الدولة الحديثة لا تخشى من ثراء مواطنيها وإنما تخشى من غموض مصادر الثروة حين يتحول الغموض إلى شعور عام بأن القانون لا يطبق على الجميع بالدرجة نفسها
وهنا نعود إلى دوستويفسكي
فالعبارة ليست دعوة إلى الفوضى وإنما يمكن قراءتها فلسفيًا باعتبارها سؤالًا عن المرجعية الأخلاقية التي تمنع الإنسان من تحويل قدرته إلى مباحة مطلقة
ماذا يحدث عندما يصبح المال أقوى من القيمة؟
وماذا يحدث عندما تصبح الشهرة أهم من الكرامة؟
وماذا يحدث عندما يتحول الإنسان من مواطن إلى مجرد مستهلك للصورة؟
هنا تتذكرنا السينما المصرية بفيلم «الإخوة الأعداء» المستوحى من رواية «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي
ذلك العمل الذي قدم صراعًا داخل الأسرة والمجتمع بين المال والرغبة والقوة والقيم
وقدمت السينما من خلال شخصيات مثل ابن عزيزة الهبلة وابن الأرناؤوطي صورة عن صراع أعمق من مجرد صراع أفراد
إنه صراع الإنسان مع نفسه ومع الطبقة ومع المال ومع السلطة ومع السؤال القديم
من نحن؟
وإلى أي شيء يمكن أن يصل الإنسان عندما تصبح كل الحدود قابلة للكسر؟
الساحل إذن ليس المشكلة
والحفلات ليست المشكلة
والأغنياء ليسوا المشكلة
المشكلة الحقيقية أن يتحول المجتمع إلى جزيرتين لا تلتقيان إلا عبر شاشة الهاتف
جزيرة تعيش وتستهلك وتستعرض
وجزيرة أخرى تشاهد وتسأل وتقارن
وبينهما دولة ومجتمع وقانون ومؤسسات يجب أن تضمن أن الثروة حق مشروع حين تكون مشروعة وأن المحاسبة حق مشروع حين تكون هناك شبهة تستوجب السؤال
مصر ليست موسم صيف
وليست حفلة في الساحل
وليست فيديو على مواقع التواصل
هذه دولة عمرها آلاف السنين عرفت الفقر والغنى والملوك والمماليك والاحتلال والثورات والتحولات الاجتماعية
وإذا كان هناك درس حقيقي من كل ما نراه اليوم فهو أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يصبح فيه أغنياء وفقراء
وإنما أن يفقد أفراده الشعور بأنهم يعيشون في وطن واحد
عندها فقط تتحول المسافة بين الساحل والقرية من مجرد مسافة جغرافية إلى مسافة اجتماعية ونفسية
وهذه هي المسافة التي يجب أن نخشى منها
لأن المجتمع لا يحتاج إلى أن يكون الجميع متساوين في المال
لكنه يحتاج أن يكونوا متساوين أمام القانون
وأن يعرف كل إنسان أن الطريق إلى الثروة يمر من باب مشروع وأن المكانة لا تُشترى بحفلة ولا بسيارة ولا بتذكرة بمليون جنيه
فحين يصبح المال بلا سؤال والقوة بلا قانون والشهرة بلا قيمة
تبدأ الأخوة الأعداء في الظهور من جديد
لكن هذه المرة ليسوا أبناء عائلة واحدة
إنهم أبناء مجتمع واحد
اقرأ أيضاًبعد حفل الساحل الشمالي.. مصطفى كامل لـ محمد رمضان: لو قلعت اللبس تاني مش هتغني
من العلمين إلى موسكو.. تفاصيل انطلاق أولى رحلات الطيران المباشر لتعزيز السياحة – فيديو
«ناقصاك القعدة».. عمرو دياب يشعل الساحل الشمالي في حفل خاص بـ«هاسيندا» رأس الحكمة| «صور»
