مقالات

مصطفى العقاد.. الرصاصة التي لم تستطع قتل صورة الإسلام المشرق!! – الأسبوع

لم يكن مصطفى العقاد مجرد مخرج عربي وصل إلى هوليوود، ولم تكن نهايته مجرد واحدة من ضحايا تفجيرات عمان عام 2005.

كان العقاد مشروعًا ثقافياً مختلفًا حاول أن يخاطب الغرب بلغته، وأن يقدم صورة أخرى عن الإسلام والعرب بعيداً عن العنف والتطرف والصورة النمطية التي التصقت بالمنطقة لعقود.

ولهذا فإن استعادة قصة العقاد اليوم ليست مجرد استعادة لذكرى مخرج عالمي قتل في تفجير إرهابي، وإنما محاولة لفهم واحدة من أكثر المفارقات قسوة في تاريخ العلاقة بين الإسلام والغرب.

رجل استخدم الكاميرا ليقول إن الإسلام حضارة ورسالة وعدل وتسامح، انتهى به المطاف ضحية لجماعة رفعت اسم الإسلام بينما مارست القتل باسمه.

ولد مصطفى العقاد في حلب عام 1930، وخرج من سوريا إلى الولايات المتحدة شاباً يحمل حلماً كبيراً وإمكانات محدودة، درس السينما وشق طريقه في هوليوود، قبل أن يصبح مخرجاً ومنتجاً معروفاً.

لكن أهم ما في تجربة العقاد لم يكن نجاحه في هوليوود، وإنما إصراره على تقديم التاريخ العربي والإسلامي من خلال السينما العالمية.

في عام 1976 قدم فيلم «الرسالة» الذي أصبح واحداً من أشهر الأفلام التي تناولت بدايات الإسلام. أراد العقاد أن يخاطب المشاهد الغربي بلغة يفهمها، وأن يقدم الإسلام باعتباره رسالة حضارية تقوم على الأخلاق والعدل والتسامح.

وكان إنتاج الفيلم نفسه معركة طويلة، إذ سعى العقاد للحصول على موافقات دينية، وتجنب تجسيد النبي والصحابة بشكل مباشر وفق الضوابط التي التزم بها العمل.

ثم جاء فيلم «أسد الصحراء» عام 1981 ليقدم شخصية عمر المختار والمقاومة الليبية للاحتلال الإيطالي. لم يكن الفيلم مجرد عمل تاريخي، بل كان رسالة سياسية وثقافية عن المقاومة والكرامة ورفض الاحتلال.

كما ارتبط اسم العقاد في هوليوود بسلسلة أفلام «هالوين»، وهو ما يكشف عن تنوع تجربته وقدرته على العمل داخل صناعة السينما الأمريكية من جهة، والاحتفاظ في الوقت نفسه بمشروعه الثقافي الخاص من جهة أخرى.

وأثناء وجودي في أوروبا حضرت ندوة ناقشت واحداً من أكثر الأسئلة تعقيداً في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي وهو لماذا يتعاطف بعض المسلمين مع الجماعات الأصولية والجهادية؟

كان من بين التفسيرات التي طرحت في الندوة أن جزءًا من الغضب الشعبي العربي والإسلامي تجاه الولايات المتحدة ارتبط بالسياسة الأمريكية في المنطقة، وبخاصة الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي المحتل، وما خلفته الحروب والصراعات من شعور بالظلم والازدواجية في التعامل مع قضايا المنطقة.

لكن النقاش وصل إلى نقطة أكثر أهمية وهي أن وجود غضب سياسي أو شعور بالظلم لا يمكن أن يكون مبرراً للإرهاب أو قتل المدنيين.

هنا تبدأ الجماعات المتطرفة في استغلال المشاعر الحقيقية وتحويلها إلى مشروع للعنف. تأخذ الغضب السياسي وتضع عليه غطاءً دينياً، ثم تبدأ عملية التكفير، وبعدها يصبح القتل في نظر عناصرها أمراً مشروعاً.

وقد شهدت دول عربية وإسلامية خلال العقود الماضية عمليات تصفية جسدية استهدفت مفكرين وكتاباً وفنانين وشخصيات عامة. وفي كثير من الحالات كان التكفير مقدمة نفسية وفكرية للعنف.

وفي التاسع من نوفمبر عام 2005 وصلت هذه المأساة إلى فندق غراند حياة في العاصمة الأردنية عمان.

كانت ثلاثة فنادق قد تعرضت لهجمات إرهابية منسقة هي غراند حياة وراديسون ساس ودايز إن. وأسفرت التفجيرات عن سقوط عشرات القتلى ومئات المصابين.

كان مصطفى العقاد في غراند حياة برفقة ابنته ريما التي قتلت في التفجير، بينما أصيب هو بإصابات خطيرة وتوفي بعد يومين متأثراً بجراحه.

وأعلنت السلطات الأردنية أن الهجمات ارتبطت بتنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، الذي تبنى التنظيم الذي كان يقوده مسؤولية التفجيرات.

وهنا يجب أن نكون دقيقين. فقد ظهرت بعد الحادث روايات كثيرة تتحدث عن أن العقاد كان مستهدفاً شخصياً بسبب أفلامه ومواقفه، وعن وجود قوائم سرية وفتاوى تكفير وحلقة وصل داخل الفندق بين منفذي العملية والعقاد.

لكن هذه التفاصيل لا يمكن تقديمها باعتبارها حقائق نهائية من دون وثائق تحقيق منشورة يمكن التحقق منها. الثابت هو أن العقاد كان بين ضحايا هجوم إرهابي نفذته شبكة مرتبطة بالقاعدة، أما القول إنه كان هدفاً محدداً بالاسم فيحتاج إلى أدلة مستقلة وواضحة.

ومع ذلك فإن السؤال الفكري يبقى قائماً.

لماذا كانت تجربة العقاد مزعجة للمتطرفين؟

لأن العقاد قدم شيئاً لا تستطيع الجماعات المتشددة احتماله، قدم إسلاماً مختلفاً عن الصورة التي حاولت تلك الجماعات فرضها. إسلاماً يمكن أن يصل إلى الغرب من خلال الفن والحوار، لا من خلال القنابل والخطاب الدموي.

كان العقاد يريد أن يتحدث عن الإسلام بلغة السينما، بينما كانت الجماعات المتطرفة تريد أن تتحدث باسمه بلغة السلاح.

وهذه هي المفارقة التي تجعل رحيله أكثر إيلاماً.

لقد مات العقاد في تفجير، لكن أفلامه لم تمت، بقي «الرسالة» وبقي «أسد الصحراء»، وبقيت تجربته شاهدة على أن الصورة التي يقدمها الفن تستطيع أحياناً أن تكون أقوى من آلاف الخطب السياسية.

لقد أراد الإرهاب أن يجعل العقاد رقماً في قائمة الضحايا، لكن التاريخ احتفظ به باعتباره مخرجاً حاول أن يقدم للعالم صورة مختلفة عن العرب والمسلمين.

وهنا ربما تكون الرسالة الأهم من مأساة مصطفى العقاد.مواجهة التطرف لا تكون فقط بملاحقة التنظيمات المسلحة، وإنما أيضاً بمواجهة الأفكار التي تنتج التكفير وتبرر العنف وتختزل الإسلام في صورة الدم والقتل.

فالعقاد لم يكن يحمل سلاحاً عندما قتل. كان يحمل مشروعاً ثقافياً.

ولهذا فإن أفضل رد على من أرادوا إسكات صوته هو أن يبقى هذا المشروع حيًا.. !!

محمد سعد عبد اللطيف، ،

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، ، !!

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts