مقالات

المسرحية الإيرانية الأمريكية – الأسبوع

لم تعد الأزمة الإيرانية الأمريكية مجرد مواجهة بين رئيس أمريكي يرفع سقف التهديد، ونظام إيراني يرد بالتصعيد ثم يعود إلى طاولة التفاوض. ما يجري الآن أكثر تعقيدًا وخطورة. حرب بدأت بشعارات الأمن والنفوذ والبرنامج النووي، وعدم تطوير الصواريخ الباليستية، وعدم مساعدة إيران لحلفائها في الشرق الأوسط، وانتهت إلى معركة مضيق هرمز، فأصبحت فصول المسرحية طويلة ومملة، حتى وإن انقلبت إلى الطابع الاقتصادي.

ومع انتهاء مهلة الستين يومًا التي ارتبطت بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، من دون التوصل إلى تسوية نهائية، عاد المشهد إلى نقطة أكثر توترًا. ترامب يرفض تمديد الاتفاق المؤقت ويرفع لغة الضغط كعادته، بينما تنتقل طهران من خطاب الدفاع إلى التلويح بوضع عسكري أكثر هجومية في مضيق هرمز.

وترامب، حتى هذه اللحظة، ما زال محاصرًا بين ثلاثة آراء واتجاهات مختلفة داخل إيران: أولها الحكومة التي تراوغ بالتفاوض والهدنة، وثانيها المؤسسة الدينية التي تعطي شرعية لأي اتفاق، وثالثها الحرس الثوري الذي يضع مطبات صناعية أمام أي اتفاق.

ورغم ذلك، يبقى السؤال الحقيقي: هل ستقع الحرب؟

الإجابة: الحرب وقعت بالفعل، ولكن يجب أن يكون السؤال بصيغة مختلفة: من سيخرج منها مالكًا للمنطقة؟ ومن سيخرج منها مالكًا لقرار الطاقة؟ ومن سيخرج منها قادرًا على إعادة تعريف قواعد اللعبة؟

في بداية المسرحية، بدأ ترامب باستراتيجية واضحة، وهي ضغط عسكري واقتصادي هائل، ثم إجبار إيران على قبول شروط أمريكية تتعلق بالبرنامج النووي وسلوكها الإقليمي، كما ذكرت، لكن بمرور الوقت اصطدمت هذه الاستراتيجية بحقيقة أكثر صلابة، وهي أن إيران تستطيع أن تتراجع في بعض الملفات، لكنها لا تستطيع أن تتراجع عن هرمز بسهولة.

لأن هرمز بالنسبة إلى طهران ليس مجرد ممر مائي، إنه ورقة تفاوض، وسلاح اقتصادي، ورمز سيادة، وأداة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، ووسيلة لإثبات أن إيران، رغم الضربات والحصار، ما زالت قادرة على تعطيل جزء من الدورة الاقتصادية العالمية.

وعندما قال ترامب إن الولايات المتحدة قد تجعل من المضيق أرضًا أمريكية، لم يعد الخلاف متعلقًا فقط بفتح الممر أمام ناقلات النفط، لقد دخلنا منطقة جديدة للصراع على السيادة الاقتصادية للممر نفسه.

وهنا ظهرت المفارقة: كلما ارتفع سقف ترامب، أصبح التراجع أكثر كلفة سياسيًا، وكلما تشددت طهران، أصبح فتح المضيق أكثر كلفة اقتصاديًا عليها.

وبين الطرفين يقف هرمز، كأنه ورقة مساومة لا يستطيع أحد تركها، ولا يستطيع أحد امتلاكها بالكامل.

الهدنة التي لم تكن سلامًا

الهدنة لم تكن نهاية للحرب، بل كانت تجميدًا مؤقتًا لمساراتها الأكثر خطورة. فكان الهدف المعلن تحويل الهدوء العسكري إلى اتفاق أوسع يشمل الملف النووي، وفتح المضيق، وإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين. لكن انعدام الثقة كان أكبر من قدرة الوسطاء على بناء اتفاق مستقر.

ومع انتهاء المهلة، ظهرت الحقيقة: لا واشنطن تثق بأن طهران مستعدة لتقديم التنازلات المطلوبة، ولا طهران تثق بأن واشنطن ستكتفي بالتنازلات التي تطلبها اليوم. وهذا هو الفخ.

كل اتفاق مؤقت أصبح بالنسبة إلى الطرفين مجرد فرصة لإعادة التموضع قبل الجولة التالية، بل إن التقارير عن إعادة تنظيم القدرات الإيرانية والاستعداد لصراع أطول تشير إلى أن داخل طهران من يرى أن التسوية قد تكون مجرد مرحلة في حرب أكبر، لا بديلًا عنها.

فالحرس الثوري، ذلك الرجل الذي لا يظهر على طاولة المفاوضات، لكنه يجلس خلفها، هنا نصل إلى أكثر أجزاء القصة حساسية.

فمن هو الطرف الذي تستطيع واشنطن أن تعقد معه الصفقة؟ الحكومة أم المؤسسة الدينية أم وزارة الخارجية أم الرئاسة أم الحرس الثوري؟

المفارقة أن واشنطن نفسها تبدو وكأنها وصلت إلى الاستنتاج ذاته، فقد كشفت تقارير عن قناة خلفية مباشرة بين إدارة ترامب والحرس الثوري، بينما أكد ترامب وجود هذه القناة، في حين نفى الحرس الثوري علنًا رواية وجود مفاوضات مباشرة.

وهذه ليست تفصيلة صغيرة. إنها تعني أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع إيران باعتبارها دولة ذات مركز قرار واحد، وإنما أصبحت تتعامل مع مراكز القوة الفعلية داخل الدولة الإيرانية.

وهنا تتعقد المسألة أكثر، لأن أي اتفاق ينجح مع الحكومة ولا يقبله الحرس الثوري سيكون اتفاقًا ناقصًا، وأي اتفاق يقبله الحرس الثوري ولا تستطيع المؤسسة السياسية والدينية تبريره أمام المجتمع سيكون أيضًا هشًا.

لذلك، فإن المعركة لم تعد فقط بين واشنطن وطهران، إنها أيضًا معركة داخل إيران حول السؤال التالي: من يملك حق تعريف معنى الانتصار؟

فالشرعية الدينية أمام امتحان غير مسبوق، لأن المؤسسة الدينية الإيرانية تواجه مأزقًا تاريخيًا. إذا استمرت الحرب، فإن الاقتصاد يدفع الثمن، والمجتمع يدفع الثمن، والدولة تستنزف. وإذا قدمت تنازلات واسعة، فإن خصومها داخل النظام وخارجه يستطيعون القول إن العقود الطويلة من خطاب المقاومة انتهت أمام الضغط الأمريكي.

ولهذا، فإن طهران تحتاج إلى صيغة ثالثة تتضمن هدنة من دون استسلام، وتفاوضًا من دون اعتراف بالهزيمة، وفتحًا لهرمز من دون التخلي عن الحق في التحكم به.

هذه ليست معادلة دبلوماسية سهلة، إنها معادلة بقاء للنظام نفسه.

فالحروب تبدأ عادة بشعارات سياسية، لكنها تستمر عندما تصبح وراءها مصالح اقتصادية مستقلة عن الشعارات. ومضيق هرمز هو النموذج المثالي.

حين يتعطل المرور ترتفع كلفة النفط، وحين ترتفع أسعار النفط تتغير أرباح الشركات، وحين ترتفع المخاطر ترتفع تكلفة التأمين والشحن، وحين تتعطل خطوط الملاحة تبدأ الاستثمارات في الموانئ والطرق البديلة وخطوط الأنابيب.

أي أن الأزمة أنتجت اقتصادًا كاملًا حول الخوف من استمرار الأزمة.

وهذه ليست نظرية مجردة، فقد سجلت أسعار الوقود الأمريكية مستويات قياسية لشهر أغسطس، بينما انعكس اضطراب هرمز مباشرة على أسواق الطاقة.

فهنا يصبح السؤال أخطر: هل ما زالت الحرب مجرد أداة لتحقيق أهداف سياسية، أم أن الحرب نفسها أصبحت سوقًا للمصالح؟

عندما يدخل النفط والتأمين والشحن والسلاح والموانئ والطاقة البديلة في المعادلة، يصبح إنهاء الحرب أصعب مما يبدو. فكل طرف لديه ثمن سياسي لإنهائها، وكل قطاع اقتصادي لديه حساب مختلف، وكل دولة في المنطقة لديها خوف مختلف.

مع الأخذ في الاعتبار أن مضيق هرمز ليس ملكًا لأحد.ترامب يقول إن الولايات المتحدة تسيطر على المضيق عبر الحصار، وإيران تقول إن المضيق لا يمكن انتزاعه بتغريدة أو حاملة طائرات أو أمر رئاسي.

والواقع أكثر تعقيدًا من الاثنين. فالسيطرة العسكرية على منطقة مائية لا تعني بالضرورة امتلاكها قانونيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا. قد تستطيع قوة عظمى أن تمنع السفن من المرور، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعل ذلك الوضع نظامًا دائمًا.

وهنا تكمن مشكلة واشنطن: إذا فتحت هرمز من دون اتفاق، فقد تبدو كأنها تراجعت، وإذا أبقته مغلقًا فإنها تتحمل جزءًا من كلفة الاقتصاد العالمي.

أما إيران، فإذا أبقته مغلقًا، فإنها تضغط على خصومها، لكنها تخنق نفسها أيضًا. فهذا يمثل توازنًا هشًا لرعب اقتصادي.

ولو نظرنا إلى الموقف الإسرائيلي، فهل هي تنتظر أم تحسب الخطوات للحظة الدخول في الحرب؟ أم أنها مجرد ملقن لممثلي العمل المسرحي؟

في هذا المشهد العصيب، لا يمكن تجاهل إسرائيل كلاعب أساسي في المسرحية أو المؤامرة الجاهزة لانفجار مدبر ينتظر ساعة الصفر.

الأدق هو القول إن إسرائيل تتحرك داخل بيئة يكون فيها استمرار ضعف إيران الاستراتيجي مصلحة واضحة لها، بينما قد ترى في أي تسوية أمريكية إيرانية لا تلبي مخاوفها خطرًا مستقبليًا.

وهنا تصبح لحظة الانفجار المحتملة أكثر تعقيدًا.

فقد لا يحتاج الأمر إلى قرار واحد من عاصمة واحدة. قد يكفي حادث بحري، أو ضربة محدودة، أو سوء تقدير، أو هجوم على منشأة طاقة، أو استهداف سفينة، أو عملية تُنسب إلى طرف بينما ينفيها الطرف الآخر، ثم تبدأ سلسلة الردود.

وهذه هي أخطر نقطة في الوضع الحالي. فليس ضروريًا أن يريد أحد الحرب الشاملة حتى تقع.

فأمريكا أيضًا محاصرة. وقد يبدو ترامب في الصورة وكأنه صاحب اليد العليا، لكن الولايات المتحدة ليست خارج المعادلة الاقتصادية. ارتفاع أسعار الوقود يضغط على المستهلك الأمريكي، والحرب الطويلة تخلق تكلفة سياسية داخلية، فيما يصبح استمرار الانتشار العسكري والبحري عبئًا متراكمًا.

وبالتالي، فإن ترامب يريد شيئًا شديد الصعوبة: نصرًا سريعًا من دون حرب برية، ومن دون انهيار أسواق الطاقة، ومن دون صفقة تبدو كتنازل، ومن دون ترك إيران تستعيد قدرتها على فرض شروطها.

هذه ليست مهمة سهلة حتى بالنسبة إلى قوة عظمى.

وطهران لا تملك رفاهية الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية، فالاقتصاد تحت ضغط، والتجارة مضطربة، والمجتمع يدفع تكلفة الحرب، وإغلاق أو تعطيل هرمز يضغط على إيران نفسها.

لذلك، فإن قدرة طهران على المناورة لا تعني أنها تستطيع تحمل كل شيء.

وهذا يفسر شيئًا مهمًا: فكلما ارتفع الخطاب العسكري، زادت أهمية القنوات السرية بين الطرفين. فقد يتحدث السياسيون عن الاستسلام والمواجهة والسيادة، بينما يبحث الوسطاء في الغرف المغلقة عن صيغة تحفظ ماء وجه الجميع.

وهنا نصل إلى جوهر المشهد.

ربما لم تعد القضية: هل تنتصر أمريكا أم تنتصر إيران؟ بل: من يستطيع أن يبيع لشعبه ولحلفائه رواية تقول إنه لم يخسر؟

ترامب يحتاج إلى إعلان أن الضغط الأمريكي أجبر إيران على التراجع، وطهران تحتاج إلى إعلان أنها فتحت باب التفاوض من موقع الند لا المهزوم، والحرس الثوري يحتاج إلى الحفاظ على نفوذه، والمؤسسة الدينية تحتاج إلى الحفاظ على شرعيتها، وإسرائيل تحتاج إلى ضمان ألا تتحول إيران إلى خصم أكثر خطورة بعد الحرب، ودول الخليج تريد شيئًا أكثر بساطة:

افتحوا هرمز واتركونا نبيع النفط ونعيش

أما الأسواق فلا تهتم كثيرًا بمن انتصر في الخطابات، إنها تريد فقط أن تتحرك السفن.

والنهاية التي يخشاها الجميع هي السيناريو الأخطر: ليس بالضرورة حربًا عالمية، ولا حتى ضربة أمريكية كبرى. الأخطر هو حرب بلا نهاية واضحة، حرب منخفضة الشدة عالية التكلفة، تتخللها هدنات قصيرة وتهديدات متكررة، ويصبح فيها هرمز مفتوحًا يومًا ومغلقًا يومًا، وتبقى أسعار الطاقة رهينة لتغريدة أو صاروخ أو حادث بحري.

هذا السيناريو قد يكون أكثر ربحًا لبعض اللاعبين وأكثر إنهاكًا للجميع، لأنه يحول المنطقة إلى اقتصاد دائم للأزمة.

وهنا يصبح السؤال الأكثر خطورة: إذا كانت الحرب قد خلقت سوقًا ضخمة حولها، فمن الذي لديه مصلحة حقيقية في إغلاق هذه السوق؟

فالمسرحية انتهت، لكن المسرح لم يُهدم.

ربما كانت العبارة الأدق لوصف اللحظة الراهنة هي: المسرحية لم تنتهِ، لكنها كشفت كواليسها.

فظهور هرمز أظهر النفط، وعندما ظهر النفط ظهر البيزنس، وعندما ظهر البيزنس أصبح واضحًا أن الحرب لم تعد مجرد معركة على من يضغط على الزر.

إنها معركة على من يملك مفتاح الخروج، ومن يحدد سعره، ومن يكتب الرواية التي سيصدقها الجميع بعد انتهاء إطلاق النار.

ولهذا، فإن الأيام المقبلة قد تكون أخطر من الأيام السابقة، ليس لأن الحرب مؤكدة، بل لأن كل الأطراف باتت تحتاج إلى اتفاق، وفي الوقت نفسه تخشى أن يكون الاتفاق هو إعلان هزيمتها.

وهذه هي أخطر لحظة في أي صراع: عندما يصبح السلام ضرورة للجميع، لكنه يبدو هزيمة لأي طرف يوقعه أولًا.

وفي تلك اللحظة، قد لا يكون الانفجار الكبير هو ما يريده أحد، لكنه قد يكون الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يعيد الجميع إلى نقطة الصفر.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس هو: هل ستفتح إيران مضيق هرمز؟ بل: من سيفتحه، وبأي ثمن، ولمن ستذهب فاتورة الحرب عندما تتوقف المدافع؟

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts