لم تعد الضربات الإسرائيلية داخل سوريا مجرد عمليات عسكرية محدودة يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً منفصلة، فما يجري في دمشق والجنوب السوري ثم الوصول إلى مطار أبو الظهور في ريف إدلب يفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بحدود النفوذ التركي في سوريا وقدرة أنقرة على حماية ما تعتبره جزءاً من أمنها القومي
الضربة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في 18 أغسطس لم تكن عادية في توقيتها ولا في موقعها فقد استهدفت منطقة تقع في نطاق النفوذ التركي التقليدي في شمال سوريا ونُفذت بثماني غارات بحسب مصادر سورية.
وهنا تبدأ القصة.
إسرائيل تعرف جيداً أن إدلب ليست دمشق وأن الاقتراب من الشمال السوري يعني الاقتراب من المصالح التركية مباشرة ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط لماذا قصفت إسرائيل سوريا وإنما لماذا اختارت هذا التوقيت وهذا المكان؟
هل تريد تل أبيب اختبار حدود الحركة التركية في سوريا؟
وهل تريد أن تعرف إلى أي مدى تستطيع أنقرة تحويل نفوذها السياسي والعسكري إلى قوة ردع حقيقية؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في السابع من أغسطس والتي تقوم على تعزيز الردع والتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
لكن هناك نقطة يجب التوقف عندها:
– سوريا ليست حتى الآن عضواً في الاتفاقية.
ولهذا فإن الحديث عن التزام قانوني مباشر من السعودية أو تركيا أو باكستان بالدفاع عن سوريا ليس دقيقاً.
لكن التطور اللافت أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أعلن في 21 أغسطس أن دمشق تدرس إمكانية الانضمام إلى اتفاق مكة وهو تطور يغير الحسابات السياسية للاتفاق ويجعل مستقبل العلاقة بين سوريا وهذا التكتل الدفاعي موضع اهتمام إقليمي واسع.
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً:
هل كانت ضربة أبو الظهور رسالة إسرائيلية إلى دمشق فقط أم رسالة أيضاً إلى أنقرة قبل أن تصبح سوريا جزءاً من منظومة أمنية جديدة؟
أين تركيا؟
تركيا ليست دولة بعيدة عن المشهد السوري.
تركيا لها حدود طويلة مع سوريا ولها حضور عسكري وسياسي واسع وتعتبر استقرار الجوار السوري جزءاً من أمنها القومي.
بل إن أنقرة تحركت خلال السنوات الماضية لتثبيت نفوذها في الشمال السوري ومنع قيام ترتيبات تعتبرها تهديداً لأمنها، ولهذا فإن استهداف موقع عسكري في إدلب يضع تركيا أمام معادلة صعبة.
إما أن تكتفي بالإدانة والتحذير، وإما أن تنتقل إلى مرحلة أكثر وضوحاً في بناء قدرة سورية على الدفاع عن أراضيها، وهنا تظهر قضية التسليح.
تركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وقدمت خلال السنوات الماضية دعماً عسكرياً مهماً لأوكرانيا، فلماذا لا تستخدم جزءاً من قدراتها وخبراتها لمساعدة سوريا في بناء جيش قادر على حماية المجال الجوي السوري والدفاع عن المنشآت الحيوية؟
السؤال ليس دعوة إلى حرب تركية إسرائيلية.
بل هو سؤال عن مفهوم الردع.
فالدولة التي لا تستطيع حماية مجالها الجوي ستظل عرضة للضربات مهما كانت قوة بيانات الإدانة.
إسرائيل لا تختبر سوريا وحدها.
المشكلة أن الكيان الإسرائيلي المحتل لا يبدو مهتماً فقط بتدمير أهداف عسكرية سورية.
المعادلة الأوسع هي منع ظهور قوة سورية جديدة قادرة على إعادة بناء الجيش والدولة وامتلاك علاقات عسكرية إقليمية قوية.
ولهذا فإن التحرك التركي داخل سوريا يصبح بالنسبة إلى إسرائيل ملفاً حساساً.
وتزداد حساسية الأمر بعد أن تحدثت تقارير عن أن الضربة على أبو الظهور جاءت في سياق التحركات التركية المرتبطة بالموقع، ومن هنا يمكن فهم الضربة باعتبارها رسالة متعددة الاتجاهات:
– رسالة إلى دمشق
-رسالة إلى أنقرة
– رسالة إلى أي طرف يفكر في إعادة بناء منظومة عسكرية سورية جديدة.
وماذا عن اتفاق مكة؟
هنا نصل إلى الاختبار الحقيقي:
اتفاق مكة ليس مجرد عنوان سياسي.
فالاتفاق الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان يهدف إلى بناء تعاون دفاعي وتعزيز الردع المشترك بين الدول الثلاث.
لكن قوة أي تحالف لا تقاس بما يكتب في بيانات التأسيس وإنما بما يحدث عندما تقع الأزمة الأولى.
وسوريا قد تكون واحدة من أهم ساحات اختبار هذه المعادلة حتى لو لم تكن عضواً في الاتفاق حتى الآن، لأن انضمام دمشق المحتمل إلى الاتفاق سيحول القضية من تعاون سياسي إلى سؤال أمني مباشر.
هل ستصبح سوريا جزءاً من مظلة دفاع إقليمية؟
هل ستساعد تركيا في إعادة بناء الجيش السوري؟
هل يمكن أن تحصل دمشق على منظومات دفاع جوي حديثة؟
وهل تستطيع السعودية وباكستان تقديم دعم سياسي وعسكري واقتصادي يسمح لسوريا بإعادة بناء مؤسساتها الدفاعية؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة اتفاق مكة في السنوات المقبلة.
الاختبار الحقيقي لأنقرة
قد يكون أخطر ما في المشهد أن إسرائيل لا تحتاج إلى الدخول في حرب شاملة مع تركيا لكي تختبرها.
يكفي أن تضرب في منطقة تعتبرها أنقرة ذات أهمية استراتيجية.
ثم تنتظر رد الفعل.
إذا اكتفت تركيا بالتصريحات فإن الرسالة ستكون واضحة.
أما إذا بدأت في بناء منظومة دفاعية سورية حقيقية بالتنسيق مع دمشق فإن المعادلة ستتغير.
ولذلك فإن إدلب قد تكون بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين تركيا وسوريا وإسرائيل.
فالاختبار ليس من يطلق الصاروخ أولاً.
الاختبار هو من يستطيع أن يمنع الصاروخ القادم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الدفاع الجوي والتسليح وإعادة بناء الجيش السوري.
هل نحن أمام لحظة فارقة؟
ربما، لأن دمشق أصبحت تتحدث عن دراسة الانضمام إلى اتفاق مكة في الوقت الذي تتعرض فيه أراضيها لضربات إسرائيلية متكررة.
وفي المقابل تواجه تركيا اختباراً صعباً بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها الإقليمية الجديدة ومصالحها المباشرة في سوريا.
أما السعودية وباكستان فهما أمام فرصة لإثبات أن اتفاق مكة يمكن أن يتحول من وثيقة سياسية إلى منظومة أمنية لها وزن حقيقي.
وفي النهاية فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الجميع هو:
إذا كانت تركيا تعتبر أمن سوريا جزءاً من أمنها القومي وإذا كانت دمشق تدرس الانضمام إلى اتفاق مكة فمن الذي سيضع حداً للضربات الإسرائيلية داخل سوريا؟
المرحلة المقبلة ستجيب.
لكن المؤكد أن مطار أبو الظهور لم يكن مجرد هدف عسكري.
لقد أصبح اختبارًا لحدود النفوذ التركي.
واختبارًا لقدرة سوريا على بناء جيش جديد.
وربما كان أيضاً أول إنذار حقيقي بأن اتفاق مكة سيُختبر عاجلًا أم آجلًا في ساحات المنطقة.
اقرأ أيضاًمصطفى العقاد.. الرصاصة التي لم تستطع قتل صورة الإسلام المشرق!!
الجامعات الخاصة والأهلية.. حين يتحول البحث عن مقعد إلى معاناة للأسرة المصرية
