لم تعد قضية سد النهضة مجرد خلاف فني حول مشروع لتوليد الكهرباء، ولا مجرد ملف تفاوضي يمكن إبقاؤه مفتوحًا إلى ما لا نهاية. فبالنسبة إلى مصر، يرتبط نهر النيل مباشرة بأمن الدولة واستقرار المجتمع ومستقبل أجيال كاملة، ولذلك فإن أي تحرك جديد على مجرى النيل الأزرق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تداعياته المحتملة على الأمن المائي المصري.
هناك قضايا يمكن للدول أن تختلف حولها، ثم تجلس إلى مائدة التفاوض، فتتنازل هذه عن شيء وتحصل تلك على شيء آخر. لكن هناك قضايا تتجاوز حدود المصالح العادية لتلامس جوهر وجود الدولة وأمنها القومي، وفي مقدمة هذه القضايا بالنسبة إلى مصر يأتي نهر النيل.
فمصر ليست دولة تملك رفاهية البحث عن بديل للنيل إذا انخفضت حصتها أو تعرض تدفقه لاضطراب طويل. والنيل بالنسبة إلى المصريين ليس مجرد مورد مائي، بل شريان حياة قامت عليه الدولة والمجتمع والزراعة والعمران عبر آلاف السنين.
عادت المخاوف المصرية إلى الواجهة بقوة مع الإعلان عن خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، إلى جانب سد النهضة، وهي مشروعات تستهدف توليد قدرات كهربائية كبيرة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع مصر الاستمرار في ضبط النفس إذا انتقلت هذه الخطط من مرحلة الإعلان والتخطيط إلى التنفيذ على الأرض دون وجود إطار قانوني يراعي مصالح دول المصب؟
وضبط النفس ليس ضعفًا. فعلى مدى سنوات، تعاملت القاهرة مع أزمة سد النهضة بمنطق التدرج، وخاضت جولات طويلة من المفاوضات، وطرحت حلولًا تقوم على التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات، وتمسكت بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، خصوصًا خلال سنوات الجفاف.
وكان بإمكان مصر أن تختار مسارات أكثر تصعيدًا في مراحل سابقة، لكنها أدركت أن قوة الدولة لا تكمن في سرعة استخدام أدواتها، وإنما في قدرتها على إدارة قوتها، واختيار الوسيلة والتوقيت المناسبين لحماية مصالحها.
فالدبلوماسية ليست ضعفًا، والصبر ليس عجزًا، والامتناع عن التصعيد لا يعني قبول الأمر الواقع. لكن للصبر وظيفة واضحة، وهي إتاحة الفرصة أمام الحلول السياسية والقانونية بما يحفظ الحقوق ويمنع تحول الأزمة إلى صراع أوسع.
إذا تحول ضبط النفس إلى ذريعة لاستمرار الإجراءات الأحادية وفرض واقع جديد على الأرض، فإن معنى هذا الضبط يتغير تمامًا.
ولهذا جاءت التصريحات المصرية الأخيرة أكثر وضوحًا في التأكيد على رفض أي إجراءات أحادية جديدة على النيل الأزرق، والتمسك بضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة تنظم تشغيل السدود وتضمن حماية مصالح دول المصب.
وتؤكد القاهرة أن أمنها المائي قضية وجودية، وأن التعامل مع الموارد المائية المشتركة يجب أن يقوم على التعاون واحترام القانون الدولي وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى.
وفي المقابل، تقول إثيوبيا إن هدفها هو التنمية وتوليد الكهرباء وتحسين مستوى معيشة شعبها، وهو هدف مشروع من حيث المبدأ. لكن حق أي دولة في التنمية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاتخاذ إجراءات أحادية يمكن أن تؤثر بصورة خطيرة في مصالح دول المصب.
وفي الوقت نفسه، فإن حماية الأمن المائي لدول المصب لا تعني حرمان دول المنبع من حقها في التنمية.
ومن هنا فإن جوهر الأزمة لا ينبغي أن يكون صراعًا بين حق إثيوبيا في التنمية وحق مصر والسودان في المياه، وإنما البحث عن صيغة تضمن الأمرين معًا.
المشكلة لا تكمن في وجود سد لتوليد الكهرباء في حد ذاته، وإنما في احتمال تراكم منشآت مائية ضخمة على مجرى النيل الأزرق من دون قواعد متفق عليها تنظم تشغيلها وتبادل البيانات بشأنها.
فكلما زادت المنشآت المائية على مجرى واحد، زادت أهمية وجود آلية واضحة للتنسيق، خصوصًا في حالات الجفاف الممتد والفيضانات والطوارئ.
وهنا تصبح سنوات الجفاف هي الاختبار الحقيقي.
ففي سنوات الوفرة قد تبدو الخلافات أقل حدة، أما عندما تتعرض المنطقة لموجة جفاف طويلة، فإن قواعد تشغيل السدود وتبادل البيانات والتنسيق بين دول المنبع والمصب تتحول من مسائل فنية إلى قضايا ترتبط مباشرة بالأمن المائي.
ولهذا تتمسك مصر بوجود قواعد واضحة وملزمة، بدلًا من ترك إدارة مورد مائي مشترك رهينة للإجراءات المنفردة أو التقديرات الخاصة بكل دولة.
من الخطأ اختزال الموقف المصري في أنه صراع مع التنمية الإثيوبية. فمصر لا تعارض حصول إثيوبيا على الكهرباء، ولا استثمارها لمواردها، ولا تطوير اقتصادها.
لكن هناك فارقًا جوهريًا بين حق إثيوبيا في التنمية وبين اتخاذ إجراءات أحادية قد تؤثر في حياة الملايين في دول المصب.
ولهذا فإن الحل العادل ليس أن تنتصر مصر على إثيوبيا، ولا أن تنتصر إثيوبيا على مصر، وإنما أن تنجح الدول الثلاث في تجاوز الأزمة من خلال اتفاق واضح ومتوازن.
ويجب أن يتضمن هذا الاتفاق قواعد محددة لتشغيل السدود، وآليات لتبادل البيانات، وترتيبات واضحة للتعامل مع سنوات الجفاف والفيضانات والطوارئ، بما يضمن حماية مصالح جميع الأطراف.
أما استمرار سياسة الأمر الواقع، فإنه قد يدفع الأزمة المائية تدريجيًا إلى نطاق سياسي وأمني أوسع، وهو ما لا يخدم مصر ولا إثيوبيا ولا السودان.
فالقلق المصري لا يرتبط فقط بحجم المياه التي يمكن أن تُحجز خلف سد معين، وإنما يرتبط كذلك بوجود منظومة متكاملة من المنشآت المائية على النيل الأزرق، وما قد ينتج عنها من زيادة القدرة على التأثير في تدفقات المياه وتوقيتها.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المهمة:
ماذا سيحدث إذا تزامنت فترات الجفاف مع تشغيل عدة منشآت مائية في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن ضمان تدفق المياه لدول المصب؟ وما الآليات التي يمكن اللجوء إليها في حالات الطوارئ؟ وكيف يمكن منع تحول إدارة المياه إلى مصدر للتوتر السياسي؟
هذه الأسئلة هي جوهر الأزمة، والإجابة عنها تحتاج إلى اتفاق قانوني واضح، وليس إلى تفاهمات مؤقتة أو إجراءات منفردة.
وإذا انتقلت إثيوبيا من الإعلان عن خطط إنشاء سدود جديدة إلى تنفيذها دون وجود إطار قانوني يراعي مصالح مصر والسودان، فإن القاهرة ستكون أمام تطور جديد يستوجب إعادة تقييم الموقف وفقًا لما يحدث على الأرض.
ولا يعني ذلك أن التصعيد العسكري هو الخيار الأول أو أن المواجهة هي النتيجة الحتمية.
فالدولة التي تدير ملفًا بهذا الحجم تملك مجموعة واسعة من الأدوات، تبدأ بالدبلوماسية والتفاوض، وتمر بالقانون الدولي والمؤسسات الدولية والإقليمية، وبناء الشراكات والتحالفات، وحماية المصالح المصرية في الإقليم، إلى جانب الأدوات السياسية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، فإن حماية الأمن المائي لا تعني بالضرورة الاتجاه نحو الصدام، وإنما تعني امتلاك القدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات وفقًا لتطورات الموقف، وبما يتفق مع القانون الدولي.
ومن هنا فإن الرسالة المصرية الأهم ليست التهديد بالتصعيد، وإنما التأكيد بوضوح على أن الأمن المائي المصري يمثل مصلحة حيوية، وأن القاهرة ستستخدم الوسائل المشروعة التي يكفلها القانون الدولي لحماية مصالحها إذا تطورت الأوضاع بما يهددها.
لقد اختارت مصر لسنوات طويلة منح المسار التفاوضي فرصة تلو الأخرى، وتمسكت بالحلول السياسية والقانونية، وهو نهج يعكس إدراكًا بأن التعاون بين دول حوض النيل هو الطريق الأكثر أمنًا واستقرارًا للجميع.
لكن استمرار المفاوضات لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء زمني يسمح بفرض واقع جديد على الأرض دون اتفاق.
فإذا انتقلت المشروعات الجديدة من مجرد خطط إلى خطوات تنفيذية، فإن أهمية وجود إطار قانوني منظم ستصبح أكبر، وستحتاج القاهرة إلى تقييم التطورات واتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات مشروعة لحماية مصالحها الوطنية.
وهنا يظهر الفرق بين دولة تسعى إلى الصدام ودولة تحرص على تجنبه مع امتلاكها القدرة على حماية مصالحها.
فمصر لا تبحث عن مواجهة مع إثيوبيا، كما أن من مصلحتها أن ترى دول حوض النيل مستقرة وقادرة على تحقيق التنمية. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن تكون التنمية في دولة على حساب الأمن المائي لدولة أخرى.
إن أفضل سيناريو لمصر وإثيوبيا والسودان ليس الصدام، وإنما الوصول إلى اتفاق يضمن لإثيوبيا حقها في التنمية وتوليد الكهرباء، ويحمي في الوقت نفسه الأمن المائي لمصر والسودان.
اتفاق يقوم على قواعد واضحة وملزمة، وتبادل منتظم للبيانات، وآليات للتعامل مع الجفاف والفيضانات والطوارئ، ويمنع استخدام المياه مصدرًا للضغط السياسي.
أما استمرار الإجراءات الأحادية وغياب القواعد المشتركة، فقد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، في وقت تحتاج فيه دولها إلى التعاون والاستقرار أكثر من أي وقت مضى.
ولهذا فإن الرسالة المصرية يجب أن تظل واضحة: القاهرة تفضل التفاوض والتعاون، لكنها في الوقت نفسه لن تتعامل مع أمنها المائي باعتباره قضية هامشية أو ملفًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
النيل بالنسبة إلى مصر ليس مجرد ورقة تفاوضية، ولا ملفًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى. إنه شريان حياة ارتبط بوجود الدولة والمجتمع عبر آلاف السنين.
وحماية هذا الشريان ليست تهديدًا لأحد، وإنما مسؤولية دولة تجاه شعبها وتجاه أجيالها القادمة.
ولهذا يظل الطريق الأفضل هو الاتفاق والتعاون وتبادل البيانات والالتزام بقواعد عادلة وملزمة تحفظ مصالح الجميع.
أما إذا انتقلت مشروعات السدود الجديدة إلى مراحل تنفيذية دون ضمانات تحمي مصالح دول المصب، فقد تجد مصر نفسها أمام ضرورة الانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة أكثر حسمًا في حماية مصالحها الوطنية، مستخدمة الأدوات التي تراها مناسبة ومشروعة وفقًا لتطورات الموقف والقانون الدولي.
فمصر تستطيع أن تصبر طويلًا، لكنها لا تستطيع أن تتعامل مع أمنها المائي باعتباره قضية قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية.
فالنيل شريان مصر، وأمنها المائي جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وحماية هذا الحق لا تعني السعي إلى الصدام، وإنما تعني الدفاع عن مصالح الدولة بالوسائل المشروعة، مع إبقاء باب التعاون والتفاوض مفتوحًا أمام الجميع.
اقرأ أيضاًمصر ليست حديقة خلفية لأحد









