مقالات

يوم أشرقت فيه الدنيا واهتزت له قلوب المحبين – الأسبوع

ليس الحديث عن سيدنا محمد ﷺ حديثًا عن رجلٍ من عظماء التاريخ، ولا عن قائدٍ من قادة البشر، إنما الحديث عن نبيٍّ أرسله الله رحمةً للعالمين، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأحيا به القلوب بعد موتها، وأقام به ميزان العدل والرحمة والإنسانية.

إنه محمد بن عبد الله ﷺ، الاسم الذي إذا ذُكر صلَّت عليه القلوب قبل الألسنة، واشتاقت إليه الأرواح قبل العيون، وارتفعت الأكفُّ بالصلاة والسلام على من قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

فيا لها من لحظةٍ عظيمة!، لحظةٌ أشرقت فيها شمس الهداية، وولد فيها فجرٌ جديد للبشرية، وجاء إلى الدنيا من سيغيّر وجه التاريخ، ويُعلِّم الإنسان كيف يكون عبدًا لله، وكيف يكون رحيمًا بالخلق، وكيف ينتصر على نفسه وشهواته وأهوائه.

إنه يوم مولد الحبيب المصطفى ﷺ، محمد ﷺ، حين يصبح الحبُّ دينًا وسلوكًا لم تكن محبة النبي ﷺ عند أصحابه كلماتٍ تُقال في المجالس، ولا مشاعرَ موسميةً تظهر ثم تختفي، وإنما كانت حبًّا يسكن أعماق القلب، ويتحول إلى طاعةٍ وفداءٍ واتباع.

كانوا يرونه ﷺ أغلى عليهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم.

قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.

وفي الحديث الصحيح قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».

وهنا يظهر السؤال الكبير: أين نحن من هذه المحبة؟

هل سيدنا محمد ﷺ أحبُّ إلينا من أموالنا؟

هل سنته أحبُّ إلينا من أهوائنا؟

هل أخلاقه حاضرةٌ في بيوتنا ومعاملاتنا؟

هل إذا ذُكر اسمه ﷺ تحرك القلب شوقًا، وتهتز النفوس وتقشعر الأبدان لذكره و تتحرك الجوارح اقتداءً به؟

فالمحبة الحقيقية ليست أن تقول: أحبك يا رسول الله تقولها بلسانك فقط بل علينا أن نقتدي به قولا وفعلا وعملا: يا رسول الله، سأصدق كما صدقت، وسأرحم كما رحمت، وسأعفو كما عفوت، وسأعبد الله كما عبدت، وسأتمسك بسنتك ما استطعت، فهذا الصديق أبابكر.. جعل نفسه فداءً للحبيب، تأملوا موقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الهجرة.

كان النبي ﷺ وصاحبه في الغار، والمشركون يقفون عند مدخله، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي ﷺ: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا».

فقال له النبي ﷺ مطمئنًا: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»، لم يكن أبو بكر يخاف على نفسه، وإنما كان يخاف على رسول الله ﷺ.

وفي الطريق إلى المدينة، كان يمشي مرةً أمام النبي ﷺ، ومرةً خلفه، ومرةً عن يمينه، ومرةً عن شماله، فسأله النبي ﷺ عن ذلك، فقال أبو بكر إنه يتذكر طلب القوم فيأتي من أمامه، ويخشى أن يؤتى النبي ﷺ من خلفه فيكون وراءه.

أيُّ حبٍّ هذا؟!، حبٌّ جعل صاحبه لا يرى نفسه شيئًا إذا كان رسول الله ﷺ في خطر.

عمر بن الخطاب.. من الحب إلى التضحية

وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا فقال للنبي ﷺ: «لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي».

فقال له النبي ﷺ:«لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك».

فقال عمر:«فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي».

فقال النبي ﷺ:«الآن يا عمر».

إنها ليست مجرد قصةٍ تُروى، إنها مدرسةٌ في المحبة، المحبة أن ينتقل النبي ﷺ من مكانة المحبوب إلى مكانة القدوة، ومن القدوة إلى منهج الحياة.

يا لها من محبة!

وفي يوم بدر، وقف سعد بن معاذ رضي الله عنه موقفًا خالدًا، وقال للنبي ﷺ ما معناه إن الأنصار قد عاهدوه على السمع والطاعة، وأنهم مستعدون للقتال معه.

كانت قلوبهم تقول قبل ألسنتهم: يا رسول الله، نحن معك.

وهكذا كان الصحابة، لم تكن محبتهم للنبي ﷺ كلامًا مزخرفًا، بل كانت مواقف عند الشدائد.

محبةٌ وصلت إلى الدموع

وكان الصحابة يحبون رسول الله ﷺ حبًّا عظيمًا، حتى إن فراقه كان يؤلم قلوبهم.

وعندما مات ﷺ، اضطربت المدينة، وبكى الرجال والنساء، ووقف أنس بن مالك رضي الله عنه يتذكر يوم دخول النبي ﷺ المدينة، ويوم وفاته، ويقول بمعنى كلامه: ما رأيت يومًا كان أجمل ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه.

هكذا كان محمد ﷺ في قلوبهم: نورًا لا يشبهه نور، وحبيبًا لا يساويه حبيب.

يا أمة محمد.. أين قلوبكم؟!

يا من تقولون: نحب رسول الله ﷺ!

إن كان الحب صادقًا، فليظهر في الصلاة.

إن كان الحب صادقًا، فليظهر في الصدق.

إن كان الحب صادقًا، فليظهر في الرحمة.

إن كان الحب صادقًا، فليظهر في العفو.

إن كان الحب صادقًا، فليظهر في بر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجار وإغاثة المحتاج.

لا تجعلوا محبة محمد ﷺ قصيدةً تُقال، بل اجعلوها حياةً تُعاش.

صلوا عليه إذا ذكرتم اسمه، واتبعوا سنته إذا عرفتم هديه، ودافعوا عن أخلاقه بأن تتحلوا بأخلاقه.

يَا سَيِّدَ الخَلْقِ يَا نُورًا أَضَاءَ لَنَا

دَرْبَ الهُدَى فَتَهَاوَى حَوْلَهُ الظُّلَمُ

مُحَمَّدٌ، وَإِذَا نَادَتْ مَحَاسِنُهُ

هَفَتْ إِلَيْهِ قُلُوبُ الخَلْقِ وَالهِمَمُ

مُحَمَّدٌ فِي فُؤَادِ المُؤْمِنِينَ هُدًى

وَفِي مَدَاهُ لِأَهْلِ الحَقِّ مُعْتَصَمُ

إِنْ قِيلَ مَنْ أَشْرَقَتْ بِالحُبِّ سِيرَتُهُ؟

قُلْ: النَّبِيُّ الَّذِي بِاسْمِهِ نَحْتَكِمُ

يَا رَسُولَ اللهِ، يَا خَيْرَ الوَرَى شَرَفًا

لَكَ القُلُوبُ، وَلَكَ الأَرْوَاحُ تَلْتَحِمُ

نَفْدِيكَ بِالرُّوحِ، لَا نَرْجُو لَهَا بَدَلًا

وَحُبُّكَ الصَّادِقُ المَيْثَاقُ وَالقَسَمُ

مولدٌ لا ينبغي أن يمرَّ دون أثر

إن ذكرى مولد النبي ﷺ ليست مناسبةً نحتفل بها ثم تنتهي، بل فرصةٌ لنسأل أنفسنا:

ماذا تغيّر فينا لأننا عرفنا محمدًا ﷺ؟

أيها العاق لوالديه هل تحب محمد؟

أيها المفسد في الأرض هل تحب محمد؟

أيها الساخر المستهزئ بالناس هل تحب محمد؟

أيها المؤذي لجيرانه هل تحب محمد؟

أيها النمام المغتاب هل تحب محمد؟

أيها الأحباب، سلوا أنفسكم. يا من تدعون حبكم لرسول الله صل الله عليه وسلم

هل أصبحنا أرحم؟

هل أصبحنا أصدق؟

هل أصبحنا أكثر عفوًا؟

هل أصبحنا أحرص على الصلاة؟

هل أصبحت بيوتنا أكثر التزامًا بسنته؟

هل أصبح أولادنا يعرفون من هو محمد ﷺ، وكيف عاش، وكيف أحب، وكيف عفا، وكيف رحم؟

تلك هي القضية، فليس أعظم من أن يخرج الاحتفال بمولد النبي ﷺ من حدود الكلمات إلى واقع الحياة.

قال الله تعالى:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

فيا من امتلأت قلوبكم بحب محمد ﷺ، أحيوا سنته في أخلاقكم، وفي بيوتكم، وفي أعمالكم، وفي تعاملاتكم.

ويا من تشتاقون إلى لقائه، أكثروا من الصلاة والسلام عليه، واتبعوا سنته، فإن من أحب قومًا أحب أن يسير في طريقهم.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعدد ما تعاقب الليل والنهار.

اللهم ارزقنا صدق محبته، وحسن اتباعه، والثبات على سنته، واحشرنا يوم القيامة تحت لوائه، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.

يا رسول الله، إن عجزت ألسنتنا عن وصف فضلك، فإن قلوبنا تشهد أنك الحبيب المصطفى، وأنك الرحمة المهداة، وأن محبتك في قلوب المؤمنين حياةٌ ونور.

صلّى عليك الله يا عَلَمَ الهدى

ما لاحَ فجرٌ في السماءِ وأنجما

صلّى عليك الله ما هبَّ الصَّبا

وتعطَّرت بذكرِ الحبيبِ لنا الدُّنى

يا ربِّ فاجمعنا بالحبيبِ محمدٍ

في جنةِ الفردوسِ، نِعمَ الملتقى.

«إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد».

اقرأ أيضاًأبناء.. “الطلاق”

ردا على «صديقي اللدود» د.أيمن ندا

دراما رمضان.. «الفن» و«القيمة»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts