مقالات

النيل بين السياسة والجغرافيا.. هل تبدأ معركة جديدة على أمن مصر المائي؟ – الأسبوع

هناك ملفات لا تحتمل أن ننظر إليها من زاوية واحدة، وملف مياه النيل واحد منها، فالمشهد لم يعد مجرد خلاف بين مصر وإثيوبيا حول سد أو اتفاقية، وإنما أصبح جزءًا من تحولات أوسع في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية وتتغير موازين النفوذ.

ومن هنا يفرض السؤال نفسه

هل ما يجري في حوض النيل مجرد إعادة تنظيم لعلاقات دول المنبع والمصب، أم أننا أمام تحول استراتيجي قد يغير قواعد التعامل مع النهر؟

دخول اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ أضاف طبقة جديدة إلى هذا المشهد، فالاتفاقية، التي انضمت إليها عدة دول من حوض النيل، تعكس رؤية مختلفة لإدارة موارد النهر، بينما بقيت مصر والسودان خارجها بسبب خلافات أساسية تتعلق بالحقوق والمصالح المائية وآليات اتخاذ القرار.

وهنا تكمن أهمية الموضوع.

القضية ليست في أن دول حوض النيل تريد التنمية، فهذا حق لا يمكن إنكاره، كما أن من حق دول المنبع الاستفادة من مواردها الطبيعية وإقامة مشروعاتها التنموية.

لكن في المقابل، فإن نهر النيل نهر عابر للحدود، وأي مشروع في دولة من دول الحوض يمكن أن تكون له آثار تتجاوز حدودها.

ولهذا فإن التنمية لا ينبغي أن تتحول إلى إجراءات منفردة تترك دول المصب أمام واقع جديد لم تشارك في صياغته.

سد النهضة غيّر المعادلة

قبل سنوات كان الخلاف يدور أساسًا حول قواعد تقاسم المياه والحقوق التاريخية، لكن سد النهضة نقل القضية إلى مستوى أكثر تعقيدًا.

فالسؤال لم يعد فقط كم كمية المياه التي تصل إلى مصر؟، وإنما أصبح متعلقًا أيضًا بطريقة إدارة المنشآت المائية، وقواعد التشغيل، والتعامل مع سنوات الجفاف، وتبادل البيانات، وكيفية تنسيق التصرفات بين السدود.

وهنا تظهر خطورة أي غياب لاتفاق واضح ومستقر.

فالمياه ليست مجرد رقم سنوي.

التوقيت والانتظام لا يقلان أهمية عن الكمية.

قد تكون كمية المياه المتاحة على مدار العام مقبولة في الحسابات النظرية، لكن التغير الكبير في توقيت التدفقات يمكن أن ينعكس على الزراعة وإدارة الموارد المائية والتخطيط الاقتصادي.

لذلك فإن جوهر المصلحة المصرية هو الوصول إلى قواعد واضحة وشفافة تضمن عدم الإضرار بدولتي المصب، وتسمح في الوقت نفسه لدول المنبع بتحقيق التنمية.

هل هناك صراع أكبر؟

من الخطأ أن نختزل كل ما يحدث في المنطقة في نظرية مؤامرة واحدة.

لكن من الخطأ أيضًا أن نتجاهل المصالح الدولية المتشابكة في هذه المنطقة.

القرن الإفريقي أصبح ساحة تنافس بين قوى كبرى وإقليمية بسبب موقعه الاستراتيجي، والموانئ، وطرق التجارة، والبحر الأحمر، والطاقة، والأمن البحري.

إثيوبيا تبحث عن تعزيز مكانتها الإقليمية، ودول أخرى تريد زيادة قدرتها على استخدام مواردها، بينما تنظر قوى دولية إلى المنطقة باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على النفوذ.

وفي قلب هذه الخريطة تقف مصر.

قناة السويس والبحر الأحمر والنيل والحدود مع ليبيا والسودان وموقع مصر في العالم العربي وإفريقيا تجعل أمنها مرتبطًا بمجموعة واسعة من الملفات، ولهذا لا يمكن فصل أزمة النيل عن التنافس على النفوذ في شرق إفريقيا.

السودان الحلقة الأهم

أي تصور لمستقبل النيل الشرقي لا يمكن أن يتجاهل السودان.

فالسودان يقع في قلب المعادلة الجغرافية بين منابع النيل ودولتي المصب، واستقراره وقدرته على حماية مصالحه المائية يمثلان عنصرًا مهمًا في الأمن المائي المصري.

ومن هنا فإن دعم استقرار السودان ليس مجرد موقف سياسي، وإنما جزء من حسابات الأمن القومي المصري.

كما أن استمرار التنسيق بين القاهرة والخرطوم يظل ضروريًا في مواجهة أي ترتيبات مائية جديدة يمكن أن تؤثر في مصالح البلدين.

السيناريو الذي يجب الاستعداد له

هناك سؤال أكثر خطورة من الخلافات السياسية الحالية، ماذا لو تغيرت طبيعة الأمطار على الهضبة الإثيوبية؟

لا يعني تغير المناخ بالضرورة حدوث انهيار في معدلات الأمطار، لكن احتمال زيادة التذبذب بين سنوات الوفرة وسنوات الجفاف يجب أن يدخل في حسابات التخطيط المائي.

فإذا اجتمع جفاف طويل مع زيادة الطلب على المياه، وتوسع في المشروعات المائية، وغياب قواعد واضحة لإدارة سنوات الشح، فقد تتحول المشكلة من خلاف سياسي إلى أزمة استراتيجية.

وفي هذه الحالة لن تكون القضية مجرد انخفاض في المياه.

قد تظهر آثار متتابعة على الزراعة والغذاء والأسعار والصناعة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.

وهذا هو السيناريو الذي يجب أن تستعد له مصر قبل وقوعه، لا بعده.

ماذا تستطيع مصر أن تفعل؟

القوة لا تعني الذهاب إلى المواجهة.

القوة الحقيقية هي امتلاك بدائل متعددة.

مصر تحتاج إلى استمرار التحرك الدبلوماسي، وتوسيع علاقاتها الإفريقية، وزيادة التعاون مع دول حوض النيل، والاستثمار في مشروعات تنموية مشتركة، إلى جانب تطوير منظومة إدارة المياه داخليًا.

كما تحتاج إلى تقليل الفاقد، والتوسع في إعادة استخدام المياه، وتحسين نظم الري، وزيادة قدرات التحلية، وتطوير الدراسات الخاصة بالتغيرات المناخية والتنبؤ بالتدفقات المائية.

لكن كل ذلك يجب أن يسير بالتوازي مع هدف أساسي، الوصول إلى قواعد عادلة وشفافة وملزمة لإدارة النهر في أوقات الوفرة والجفاف.

فمصر لا تبحث عن حرمان دول المنبع من التنمية، وإنما عن معادلة تحقق التنمية للجميع دون أن يتحول طرف إلى مصدر تهديد لطرف آخر.

في النهاية، معركة النيل ليست معركة مياه فقط.

إنها معركة على قواعد إدارة مورد استراتيجي، وعلى قدرة الدول على حماية مصالحها وسط نظام إقليمي يتغير بسرعة.

ومصر أمام اختبار طويل يحتاج إلى عقل بارد، ونَفَس استراتيجي، وحضور إفريقي قوي، واقتصاد قادر على تحمل الضغوط، ودبلوماسية تعرف كيف تدافع عن الحقوق دون أن تغلق أبواب التفاوض.

فالمستقبل لن تحسمه الشعارات، وإنما القدرة على تحويل الجغرافيا والتاريخ والقوة إلى أوراق تفاوض حقيقية.

والسؤال الذي سيظل مفتوحًا هو هل تستطيع مصر أن تمنع تحول المتغيرات الجديدة في حوض النيل إلى أمر واقع دائم، وأن تحافظ في الوقت نفسه على حق دول المنبع في التنمية وحق دول المصب في الأمان المائي؟

هذه هي المعادلة الأصعب، وهي أيضًا المعركة التي ستحدد شكل النيل، وموازين القوة حوله، ومستقبل الأمن المائي المصري لسنوات طويلة قادمة (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية).

اقرأ أيضاًالنيل فوق التحالفات.. القيادة المصرية لن تسمح بالتلاعب الإثيوبى

أمن مصر المائي ليس مجالًا للمساومة

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts