ليست العاصمة الجديدة مجرد مدينة حديثة أُنشئت شرق القاهرة، وليست مشروعًا يمكن فصله عن سياقه التاريخي، بل هي امتداد لمسيرة طويلة من التفكير الاستراتيجي في مستقبل العمران المصري.
فالدول لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بالرؤى الممتدة، وما نشهده اليوم هو ثمرة أفكار نضجت عبر عقود، وتعاقبت على تبنيها أجيال من المخططين والعلماء وصناع القرار.
لقد عاشت مصر آلاف السنين متمركزة حول نهر النيل، وهو ما منحها أسباب الحياة والاستقرار، لكنه ومع الزيادة السكانية الهائلة أصبح يفرض تحديات متزايدة. فمعظم
وبينما يتجمع المصريون في مساحة محدودة من مساحة الدولة، بينما تمتد الصحاري على غالبية الأراضي المصرية. وقد أدى هذا التركز إلى ضغوط كبيرة على الأراضي الزراعية، والمرافق، والبنية الأساسية، وجودة الحياة في المدن الكبرى، وفي مقدمتها القاهرة.
ومن هنا لم يكن شعار “الخروج من الوادي الضيق إلى آفاق الصحراء” شعارًا سياسيًا طارئًا، بل كان هدفًا استراتيجيًا تبنته الدولة المصرية منذ عقود.
وقد كان المفكر والجغرافي الكبير جمال حمدان من أبرز من تناولوا هذه القضية في موسوعته «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان»، حيث أوضح أن المشكلة الحقيقية ليست في قلة مساحة مصر، وإنما في سوء توزيع السكان وتمركزهم في شريط ضيق حول النيل. ورأى أن الصحراء ليست فراغًا جغرافيًا، بل تمثل عمقًا استراتيجيًا ومجالًا طبيعيًا لامتداد العمران والتنمية إذا توافرت الرؤية والإرادة والتخطيط.
ولم تكن هذه الرؤية مجرد اجتهاد فكري، بل تحولت تدريجيًا إلى سياسة عامة للدولة المصرية.
ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر بدأت الدولة في إنشاء امتدادات عمرانية حديثة، مثل مدينة نصر، إلى جانب مشروعات استصلاح الأراضي والتنمية الزراعية، بالتوازي مع المشروعات القومية الكبرى التي كان في مقدمتها السد العالي.
ثم جاء عهد الرئيس أنور السادات، ليشهد نقطة التحول الحقيقية مع صدور القانون رقم 59 لسنة 1979 بإنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وهو القانون الذي وضع الإطار المؤسسي لمشروع تعمير الصحراء. ومنذ ذلك التاريخ بدأت الدولة في إنشاء مدن مثل السادس من أكتوبر، والعاشر من رمضان، والسادات، وبرج العرب، بهدف استيعاب الزيادة السكانية، وحماية الأراضي الزراعية، وجذب الاستثمارات، وإنشاء مجتمعات عمرانية وصناعية جديدة.
ويبرز هنا اسم المهندس حسب الله الكفراوي، وزير الإسكان الأسبق، الذي ارتبط اسمه بتنفيذ هذا المشروع الطموح. فقد كان يؤكد في أحاديثه وكتاباته أن تعمير الصحراء ليس رفاهية عمرانية، بل ضرورة وطنية تفرضها اعتبارات التنمية والأمن القومي، وأن المدن الجديدة هي مستقبل مصر إذا أُحسن تخطيطها وربطها بفرص العمل والخدمات.
وفي عهد الرئيس حسني مبارك استمرت الدولة في هذا المسار، فأنشأت القاهرة الجديدة، والشروق، وبدر، والشيخ زايد، وغيرها من المدن، كما طُرحت دراسات لإنشاء مركز إداري جديد للدولة شرق القاهرة، بهدف تخفيف الضغط عن العاصمة التاريخية، إلا أن هذه المقترحات لم تدخل مرحلة التنفيذ.
ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، انتقلت الدولة إلى مرحلة التنفيذ واسع النطاق. فقد شهدت مصر طفرة كبيرة في إنشاء المدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، والجلالة، وغيرها، بالتوازي مع شبكة قومية للطرق، والقطار الكهربائي، والقطار السريع، وتطوير الموانئ، وتحديث البنية الأساسية، وإنشاء مجتمعات سكنية بديلة للمناطق غير المخططة، في إطار رؤية أشمل لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية على خريطة الجمهورية.
ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من المؤيدين إلى العاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها تجسيدًا عمليًا لفكرة «الجمهورية الجديدة»، التي تقوم على تحديث مؤسسات الدولة، والتحول الرقمي، وبناء مدن ذكية، وتهيئة بيئة أكثر جذبًا للاستثمار والتنمية.
وقد أثارت هذه المشروعات، بطبيعتها وحجمها، نقاشًا عامًا داخل مصر وخارجها. ويرى مؤيدوها أنها استثمار طويل الأجل يستهدف بناء مستقبل الدولة، بينما يطرح بعض المنتقدين تساؤلات حول أولويات الإنفاق أو توقيت التنفيذ أو جوانب اقتصادية أخرى. ويظل هذا النقاش مشروعًا ما دام قائمًا على المعلومات والبيانات والتحليل الموضوعي.
غير أن القراءة المنصفة للتاريخ تؤكد حقيقة لا خلاف عليها، وهي أن فكرة تعمير الصحراء لم تبدأ مع العاصمة الإدارية الجديدة، ولم ترتبط برئيس واحد أو حكومة واحدة، بل هي مشروع وطني ممتد، شاركت في صياغة فلسفته عقول مصرية بارزة، وتبنته الدولة عبر مراحل متعاقبة، حتى وصل في السنوات الأخيرة إلى مرحلة تنفيذ غير مسبوقة من حيث الحجم والسرعة.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن المدن الكبرى لا تُبنى من أجل الحاضر فقط، بل من أجل أجيال لم تولد بعد.ولذلك فإن الحكم الحقيقي على المشروعات القومية لا يكون بعد سنوات قليلة من إنشائها، وإنما بعد عقود، عندما تتضح آثارها في إعادة توزيع السكان، وتنشيط الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين جودة الحياة.
إن العاصمة الإدارية الجديدة ليست مجرد انتقال للحكومة من مكان إلى آخر، بل تمثل، في نظر مؤيديها، خطوة ضمن مشروع أشمل لإعادة تشكيل الجغرافيا العمرانية المصرية، واستثمار إمكانات الصحراء، وتحويل الأفكار التي دافع عنها علماء التخطيط والجغرافيا منذ عشرات السنين إلى واقع ملموس. والتاريخ وحده سيحكم على نتائج هذه التجربة، لكنه سيظل يسجل أن فكرة الخروج من الوادي الضيق كانت حلمًا قديمًا، وأن تنفيذها مر بمراحل متعددة حتى أصبحت إحدى أبرز ملامح التنمية العمرانية في مصر المعاصرة.
اقرأ أيضاً«الإسكان» تدرس عروض إدارة حي المال والأعمال بالعاصمة الجديدة لتعزيز كفاءة التشغيل
جولة بأتوبيسات أكتا.. وزير النقل يستعرض لنظيره المجري منظومة النقل المتكاملة في العاصمة الجديدة









